الحوار المتمدن - موبايل



هكذا يُكتب التاريخ؛ جان دارك مثالا

مهند طلال الاخرس

2018 / 10 / 28
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


* هكذا يُكتب التاريخ؛ جان دارك مثالا

فتاة فرنسية صغيرة السن لا شأن لها بأمور الحرب أو السياسة، قدر لها أن تصبح أشهر بطلات فرنسا على الاطلاق، لا بل احد اقدس اساطيرها .

حرص والدها على تنشئتها مع اخواتها تنشئة دينيية قويمة، ودربتها امها على ما ينتظر فتاة مثلها من كد وعمل وزواج ، وبينما كانت امها تعملها حلب اللبن من الابقار ، واطعام الدواجن واعداد الطعام ، كانت الاقدار تعد لها شيئا مغايرا تماما.

في الثانيه عشر من عمرها كانت جان دارك شأنها شأن كل اقرانها تمارس طقوس الطفولة المعتادة ، تلهو بحثا عن الفرح، تلعب مع رفيقاتها في المروج المجاوره لنهر ميز ، وفجأة تسمع صوت يخاطبها لا تعرف مصدره ولا ما هيته:" تقدمي فكل شىء طوع ارادتك"، ثم أصبح ذلك الصوت يلازمها في كل مكان وفي كل وقت حتى امرها بأن تعد نفسها لتحرير فرنسا وطرد الانجليز المحتلين من وطنها للابد، وتبعا لأوامر الصوت كان عليها أن ترتدي خوذة الجندي ودرعه، كما عليها أن تُتَوج بنفسها ولي العهد ليصبح الملك الشرعي لفرنسا.

أخبرت جان دارك بعض معارفها بالأوامر التى يلقيها عليها (الصوت المجهول) وكان من الطبيعي ان يتهمها البعض بالهرطقة والجنون حتى من المقربين، وخاصة عند سماعهم بأن جان دارك رأت الله في رؤيا يأمرها بدعم شارل السابع واستعادة فرنسا من السيطرة الإنجليزية في أواخر حرب المئة عام، بالاضافة الى ادعائها ان الملائكة حدثتها مباشرة وأمرتها ان تتمرد على المعاهدة التي وقعها عام 1420 ملك فرنسا العجوز شارل السادس، والتي بموجبها يخلفه على عرش فرنسا هنري السادس ملك بريطانيا آنذاك، حيث كان الانجليز في ذلك الوقت يسيطرون على كافه الامور في فرنسا، بل انهم كانوا يحتلون معظم التراب الفرنسي ويخططون لاحتلال بقيته.

ففي عام 1415، غزا الملك هنري الخامس ملك إنجلترا شمال فرنسا، وبعد القاء الهزيمة علي فرنسا وتحطيم القوات الفرنسية بالكامل ، واكتساب إنجلترا دعم الاقطاعيين والبورغندين في فرنسا في ذلك الوقت ، قاموا بتوقيع معاهدة لمنح العرش الفرنسي للملك هنري الخامس وجعله نائبا لجلالة الملك المجنون الملك شارل السادس وكان ذلك في عام 1420 ، فكان يأمل الملك هنري في وراثة العرش بعد وفاة الملك تشارلز ، ولكن يشاء القدر ان يتوفي كل من الملك هنري وتشارلز في 1422، وترك هنري ابنه لكي يرث من بعده العرش والذي رفض بدوره الاعتراف بالمعاهدة.

بقي شارل السابع معزولا في قلعة بورج وذا تاج غير شرعي حتى ظهرت جان دارك وقادت حيش الخلاص الفرنسي. ففي عام 1429 أعترضت جان دارك طريق أحد ضباط الجيش الفرنسي ويدعى (روبير دى بود ريكود)وقالت له:" أنا جان دارك، ان الله أمرني أن أنقذ فرنسا فخذني فى الحال الى الملك ...".

وعلى الرغم ان الملك تشارلز في البداية، رفض طلب جان دارك في رؤيته، ولكن بعد اختبارها وبعد معرفته بها وبأحوالها وكيف انها قد حصلت على موافقة كل القرويين وكيف اصبحت قائدة لهم، اقتنع الملك بها ووافق على ان تقوم بقيادة الجيش الفرنسي، حيث قادته لنجدة اهل مدينة أورليان التي كانت محاصرة بأكبر الجيوش الانجليزية، وبالفعل أرتدت جان دارك زي القائد العسكري المخصص للمقاتلين الرجال وقصت شعرها كما يفعل الرجال تماما وتوجهت بجيشها الى اورليان، وبعد معارك استمرت ثلاثه ايام فرت الجيوش الانجليزية ، وأصبحت جان دارك بطلة في نظر كل الفرنسيين، ولكنها لم تقنع بذلك بل سعت لتحرير اجزاء اخرى من فرنسا ونجحت فى ذلك وقدمت نصرها الى الملك شارل السابع الذى توج فى 17 يوليو 1429 ملكا شرعيا لفرنسا، ولكن الانجليز قرروا وضع حد لهذه الفتاة الاسطورة واستطاعوا اسرها في أحدى المعارك الواقعة في ربيع عام 1430، حيث اخذها البورغندين اسيرة ، وظلت لعدة اشهر لديهم ، وبالتفاوض مع الإنجليز، رأى البورغندين ان جان دارك تعتبر جائزة قيمة، وبعد مفاوضات بادل البورغندين جان دارك بمبلغ يقدر ب 10،000 فرنك. وسلمها الانجليز بدورهم للكنيسة بعد ان تعهد المطران "بيركوشون" بأن يحاكمها لا بتهمة مقاومة الاحتلال الانجليزي بل بتهمة الكفر والهرطقة وممارسة السحر والشعوذة.

وفي 29 مايو 1431، اعلنت المحكمة ان جان دارك مذنبة، وفي صباح يوم 30 مايو، اخذوا جان دارك وهي مقيدة إلى السوق في مدينة روان وتم حرقها امام اعين كل الناس، وكانت وقتها جان دارك ابنة التاسعة عشر عاما حيث قامت السلطات الإنكليزية، وبمشاركة علماء جامعة باريس، بتقييدها إلى خشبة وحرقها، بعد أن أقتيدت إلى قاعة المحكمة وهي مكبلة بالأصفاد والحديد، وكان الحكم بحقها جائراً وبالغ الوحشية.

قبل حرقها، قيدوها إلى شجرة ومزقوا جسدها وهي في عمر الورود؛ وسألوها عن اقوالها الاخيرة فقالت لهم: "لو كنتُ في مكان إعدامي، وشاهدتُ الزبانية يشعلون النيران التي تلتهب، حين يلقون لها بالأخشاب الجافة، ولو كنتُ وسط اللهيب حتى آنذاك؛ فليس لديّ ما يمكن أن أضيفه من أقوال".

نسجت حولها الكثير من الاساطير المحيطة. لكن القول الفصل كان في حقيقة اعدامها حرقا وان مريديها ممن حضروا اعدامها جمعوا رمادها ونشروه في نهر السين .

هكذا أُحرقت جان دارك وهكذا اصبحت اسطورة باقية تخلدها سطور التاريخ وتنطق بإسمها حروف المجد ونسائم الريح.

بعد عقدين من هزيمة الانجليز النهائية اي عام 1456 برأتها الكنيسة من تهمة الكفر والهرطقة وممارسة السحر وطردت المطران بيركوشون من رحمته وادانته بالفسوق، واقيم لجان دارك فيما بعد تمثال بزيها الرجالي وبملابسها العسكرية في باحة قصر فرساي مقر ملوك وحكام فرنسا. وفي شهر نيسان من عام 1909 اعلنها البابا قديسة من القديسات وهي تكاد تكون القديسة الوحيدة المقاتلة..

وقد استلهم كتاب كثيرون شخصيه جان دارك فى اعمال أدبية عظيمة فكتب جورج برناردشو(القديسه جان دارك) وكتب جان أنوى مسرحية(القنبره) وكتابات أخرى كثيرة.

فكم من جان دارك خذلها التاريخ المهزوم والمأزوم ولم يأتي على ذكرها إلا بصورة المومس او المشعوذة لا لشيء كثير بل لان الاقلام مازالت تُستأجر لتزييف تاريخ الامم ولقتل ارادة الشعوب ولسرقة المستقبل ولتأكيد السطوة والاستبداد، ولا اريد القول ان التاريخ يكتبه المنتصر....فالمهزوم ايضا ممكن ان يكتب التاريخ .

نعم المهزوم يستطيع ان يكتب التاريخ ايضا، فالتاريخ يكتبه ابناءه عندما ينتمون اليه بعجره وبجره يكتبونه عندما يعتدون به فهو جزء منهم يكتبونه عندما يجزمون في قرارة انفسهم انهم جزء منه وهو وهم ملك للانسانية اجمع يكتبونه عندما يتأكدون بأن الامس قد فاتهم ولهم فيه حق المعرفة، يكتبونه عندما يتأكدون بأن لهم ما ليس يرضي عدوهم، فلهم الحياة كل الحياة والمستقبل.







اخر الافلام

.. وفاة أكثر من 100 شخص بمخيم الركبان في سوريا خلال شهر واحد |


.. أسبوع دبي للتصميم.. ثورة إبداعية عالمية


.. موجز أخبار العاشرة 17/11/2018




.. نافذة من واشنطن- متابعة لآخر تطورات قضية اغتيال خاشقجي


.. نافذة من إسطنبول- متابعة لآخر تطورات قضية اغتيال خاشقجي