الحوار المتمدن - موبايل



اللغة في المدرسة بين الغاية والوظيفة

علي بوراس

2018 / 10 / 31
التربية والتعليم والبحث العلمي


عـلي بوراس
ali.bouras@usmba.ac.ma
أثار إدراج بعض الألفاظ العامية في الكتاب المدرسي "مرشدي في اللغة العربية" نقاشا، امتد من الوسط التربوي إلى الوسط السياسي، ومنه إلى الساحة الثقافية والاجتماعية، وخلق زوبعة من الردود الرافضة أحيانا، والمؤيدة؛ ولكن وفق شروط وضوابط معينة.
المُسجل حول هذه الردود والاقتراحات أن أغلبها قد صدر عن أشخاص غير متخصصين في مجال التعليم وتعلم اللغات، ومجال التعلم باللغة، سنميز بين هذين المجالين بعد حين. ولِما لا نقول أن أصل هذه الزوبعة، هو إعطاء مهمة "التأليف المدرسي" لغير الأكفاء بها، مما أحالنا على هذا الوضع الذي أصبحنا عليه تربويا وتعليما....
إن مسألة إدراج مفردات عامية في المقررات الدراسية؛ تفرض بداية أن نكون على بيّنة من أمرين أساسيين، وهما:
أولا: لابد أن نميّز بين العامية والفصحى، أو ما يسمى باللهجة واللغة المعيار؛
ثانيا: لابد أن نميز بين تَعلُّم اللغة والتعلم باللغة؛ أي بين اللغة باعتبارها غاية، واللغة باعتبارها أداة فقط لتحقيق التعلمات.
1. بين العامية واللغة المعيار:
اللهجة (أو العامية) عبارة خليط لغوي انبثق من اللغة الفصحى وأصبح خليطا تكوّن من الفصحى ومن لغات أخرى محلية، ومن لغة المستعمر.
فالعلاقة بين اللغة واللهجة هي علاقة عام بخاص، حيث تشمل اللغة عدة لهجات، تشترك في مجموعة من الخصائص اللغوية والنطقية تشكل بدورها لغة مستقلة. كما تربطهما علاقة أصل بفرع، فاللغة هي الأصل، أما اللهجة فهي فرع منها، تَكَوَّن نتيجة كثرة استعمال اللغة المعيار بالتصرف في قواعدها وفي صيغها النطقية، وفي تراكيبها ودلالات ألفاظها. ويحصر إبراهيم أنيس الاختلافات بين اللغة المعيار واللهجة، وبين اللهجات أيضا، في ما يلي:
• اختلاف في مخرج بعض الأصوات اللغوية؛
• اختلاف في وضع أعضاء النطق مع بعض الأصوات؛
• اختلاف في مقياس بعض أصوات اللين؛
• تباين النغمة الموسيقية للكلام؛
• اختلاف قوانين التفاعل بين الأصوات المتجاورة، حين يتأثر بعضها ببعض.
ويشير مصطلح اللهجة dialect، أيضا، إلى وجود اختلافات أكبر بكثير من مجرد وجود اختلاف في طريقة النطق ، مثل اللهجة الصحراوية واللهجات الداخلية بالمغرب. أما الاختلاف في طريقة النطق فيتجلى، مثلا، في لهجة أهل فاس ولهجة أهل الشرق (وجدة والنواحي) على سبيل المثال.
ما نقصده من هذه المقارنة هو التنبيه إلى أن الدارجة أو اللهجة العامية التي يستعملها المغاربة لم تأت من حيث لا ندري، وإنما هي خليط لغوي متعدد تولد بسبب منضّدات اجتماعية وثقافية وسياسية وتعليمية. إذ تُجسد العلاقة بين العامية والعربية الفصيحة علاقة ثنائية لغوية؛ تُستعمل فيها إحدى اللغتين التي لها علاقة بالحالة السوسوسياسية السفلى وهي حالة العامية،... كما تعكس هذه العلاقة قدرة شخص ما على استعمال لغة أخرى بطلاقة إلى جانب اللغة الأم.
فالعربية المعيار والعامية هي مقابلة "بين ضربين بديلين من ضروب اللغة، تُرفع منزلة أحدهما "فيعتبر المعيار"، ويكتب به الأدب المعترف به، ولكن لا تتحدث به إلا الأقلية، وتُحط منزلة الأخر، ولكن تتحدث به الأكثرية" . وبسبب تلك المنضّدات الاجتماعية مثل التفاوت الطبقي بين الأفراد وتدنّي المستوى التعليمي لديهم، وارتفاع نسبة الأمية... اتسعت الهوة بين الضربين، فابتعد النسق العامي، من حيث أساليب توظيفه والمصطلحات المستعملة فيه، عن المستوى الفصيح. مما صعّب محاولة احتواء هذا النسق في البرامج التعليمية، وأفشل المحاولات، الشبيهة بالمغامرة، التي أقدم عليها واضعو المقررات الدراسية لهذا الموسم الجاري. إذ لم يأخذوا بعين الاعتبار هذا التحول الكبير في النسق العامي بسبب الاحتكاك بوسائل التواصل الاجتماعي، والتطور التكنولوجي....
ومنه، فإن محاولة نقل التراث الشعبي الاجتماعي المغربي للبرامج التعليمية أصبح من الصعوبة في هذه الفترات الأخيرة، بسبب تدني المستوى العامي وبعده البيّن عن النسق المعيار تصويتا وتصريفا وتركيبا ودلالة وتداولا.
ورغم ذلك يمكن نقله عبر آليتين:
أ‌. نقله كما هو في صيغته العامية، على شكل حوارات أو مفردات أو تعابير كنائية أو تعابير مسكوكة؛
ب‌. محاولة تقريبه من العربية المعيار، أي تفصيحه بأسلوب بين العامية والعربية، لتيسير فهمه على المتعلم.
ولكن؛ إنَّ نَقْلَ هذا التراث ما كان يجب أن يتم بتلك الصورة، حيث تم إدراج مفردات عامية في الكتاب المدرسي الخاص باللغة العربية وهو "مرشدي في اللغة العربية"، وإنما كان من المفيد إدراجها لمساعدة المتعلم على الفهم فقط، ومحاولة تذليل التعقيدات التي يواجهها في تمثلاته فحسب. في حين أن كتاب "مرشدي في اللغة العربية" كما يبدو من اسمه هو كتاب خُصص لتعليم اللغة العربية وليس العامية، لذلك وجب حفظ اللغة العربية الفصحى من المفردات التي لا تندرج في نسقها، ولا تحترم قواعدها الصوتية والصرفية والتركيبية والدلالية. ولو وضعت تلك الأسماء (مثل أسماء بعض المؤكولات) في كتاب آخر غير الكتب المخصصة لتعلم اللغات لما حدثت تلك الضجة وتلك الردود المتباينة في الوسط التعليمي والسياسي والاجتماعي المغربي. وهذا ما يتطلب التمييز بين تعلم اللغة والتعليم باللغة. فـ "مرشدي في اللغة العربية" كتاب خصص لتعلم اللغة العربية وليس الثقافة الشعبية أو ما شابه ذلك، وأمام هذا الوضع الذي وضع عليه؛ فإنه يمكن أن يخلق للمتعلم نوعا من الازدواجية اللغوية داخل اللغة الواحدة، وهي العربية، ويُحدث لديه تشويشا على مستوى تمثلاته للنسق العربي الفصيح.
2. تعلم اللغة والتعليم باللغة
حينما نكون بصدد مادة خاصة بتعلّم اللغة، كالعربية أو الفرنسية وغيرهما، فإن اللغة حينئذ تصير هي الغاية في ذاتها وهي الأداة أيضا؛ أي هي اللغة المُدرَّسة، لأننا نتعلمها هي ونتعلّمها عبرها لا بواسطة لغة أخرى. ولذلك من الواجب الحرص على إدراج مفردات بسيطة تناسب المستوى العمري والإدراكي للمتعلم، ثم الحرص على توظيف أمثلة من نفس النسق، وهي أمثلة من اللغة العربية (حين يتعلق الأمر بتعلم العربية مثلا)، اللهم إن أراد المدرس أو مؤلف الكتاب توظيف أنساق لغوية أخرى على سبيل المقارنة، وشرح الشيء عبر نقيضه، أخذا بمبدأ "الأشياء تعرف بأضدادها" مثلا. أما حالة أن ندرج مفردات من العامية لضرورة بيداغوجيا –حسب أصحاب هذا الرأي – كتقريب الحياة العامة من الحياة المدرسية للمتعلم، فإن الأمر يبدو أكبر من ذلك، لأنه لا يجب أن يتم هذا في كتاب مخصص لتعليم اللغة، وإنما يمكن تقبّله في مقررات أخرى مثل كتب "النشاط العلمي" و"التربية الفنية" و "الثقافة الشعبية" ففي هذه الكتب تعد اللغة أداة فقط لاكتساب معارف ومضامين أخرى غير لغوية، مثل خصائص الثقافة المغربية من طبخ ولباس وفن... ويُنظر إلى اللغة في تلك المواد –غير اللغوية- باعتبارها "لغة للتدريس". إذ لا بأس أن يلمس المتعلم في مضامينها مفردات عامية يصادفها في حياته الخاصة وفي بيته ومحيطه الاجتماعي.
من جهة أخر؛ قد يتحجّج، المتورطون في هذا المأزق الذي أحدث ضجة، هزت ثقة المواطن المغربي في المدرسة العمومية وفي السياسة التعليمية للدولة، بغياب المقابلات الفصيحة لتلك الأسماء المدرجة، نقول لهم إن هذه المسألة يجب طرحها على الباحثين في الشأن اللغوي، والباحثين اللسانيين بالتحديد، حيث من شأنهم أن يقدموا إجابة عن ذلك، باقتراح مسميات جديدة لتلك المأكولات، انطلاقا من النسق الفصيحة أو قبولها كما هي عليه في النسق العامي إذا كانت تحترم الشروط الصوتية والتركيبية والدلالية للغة العربية. ونظرا لغياب هذه الاستشارة اللسانية، وعدم الأخذ بمخرجات الأبحاث اللسانية والمعجمية على الخصوص، فقد بهُتت حججهم وفقدت مصداقيتها، وعكست تدني المستوى المعرفي واللغوي لديهم، ويؤكد ذلك تسمية أحدهم أسماء تلك المأكولات بأنها "أسماء أعلام".
نخلص مما سبق ذكره إلى ما يلي:
أ‌. ضرورة مراعاة الفرق بين مسألة تعليم اللغة والتعلّم باللغة؛ فالأولى تعتبر فيها اللغة هي الأداة والغاية وهي مضمون المقرر الدراسي، أما في الثانية فتعد اللغة أداة فقط لتبليغ مضامين المادة، وقد لا تُختبر فيها الكفاية اللغوية للمتعلم، وإنما حسبه أن يبلُغ مراده بالنظر إلى اللغة في وظيفتها التواصلية.
ب‌. ضرورة الاستفادة من الدراسات اللسانية والسوسيولسانية لنهج سياسة لغوية ناجحة في التعليم والإدارة والحوار الاجتماعي....
ت‌. يجب الحرص على تطوير العامية المغربية والارتقاء بها إلى مستوى أقرب للعربية المعيار، على الأقل من حيث التصويت والدلالة، إذا أرادنا تدريسها، أو إدخالها للبرامج الدراسية؛
ث‌. إن مسألة نقل الموروث الشعبي للبرامج الدراسية يجب أن يُبنى على شروط وضوابط محددة منها: ألاّ يتم هذا النقل على حساب اللغة العربية، أو لغات أخرى متعلمة، وإنما يمكن تخصيص مواد لهذا النقل، كمادة "الثقافة الشعبية" أو "التربية الفنية" مثلا.
ج‌. إن السياسة اللغوية والسياسة التعليمية تقعان في يد الدولة والحكومة، من شأنهما صياغة القوانين التي تحفظ هذه السياسات، قوانين يجب أن تأخذ بعين الاعتبار الهوية المغربية، وطبيعة نظامه الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، وموقعه الجغرافي أيضا، قوانين تحترم المنهاج التعليمي، وضوابط الميثاق الوطني للتربية والتكوين. قوانين تنطلق من مخرجات دراسات ميدانية – لغوية واجتماعية- شاملة لخصوصيات المجتمع المغربي.

الهوامش:
ـ إبراهيم أنيس، في اللهجات العربية، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، ط 8، 1992، ص 19.
ـ جين إتشسن، اللسانيات مقدمة إلى المقدمات، ترجمة عبد الكريم محمد جبل، المركز القومي للترجمة، القاهرة، ط 1، 2016، ص 233.
- Jean Dubois et autres, 1973, Dictionnaire de linguistique, Librairie Larousse, Paris. p 155.
ـ لويس جان كالفي، حرب اللغات والسياسات اللغوية، ترجمة: حسن حمزة، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، ط1، 2008، ص 79.







اخر الافلام

.. تفجيرات إدلب.. النصرة ومعارك النفوذ الدموية


.. أنقرة وواشنطن.. مقاتلات أميركية وصواريخ روسية


.. رئاسة الجزائر.. فشل المعارضة في اختبار المرشح الواحد




.. موسكو وواشنطن.. -اتهامات خيالية- وتوعد بوتن بالرد الحازم


.. معتقلو داعش والغرب.. تحديّات سحب الجنسية