الحوار المتمدن - موبايل



تأملات فلسفية - 6 -

شادي كسحو

2018 / 11 / 1
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع




1- بانتظار كلمات سعيدة:
حركة الكتابة هي حركة الوجود ذاته، حركة الروح المنخرطة في مغامرة حيث الدليل هو العطش. ربما كانت المعاناة كبيرة، لكن الجسد والفكر متيقظان. بتناولنا للقلم ندرك نوعاً من السكينة أو الاتراكسيا التي تحدث عنها الجد الوقور أبيقور. الصوت الخفي للحبر تلكم هي الكتابة. كما الصحراء التي تقول العدم الناصع لما كان. تلك الوشوشات الموسومة بالانتظار..هكذا هو حالنا أبداً معلقون إلى كلمات ثقيلة تشوش على الزمن بانتظار كلمات سعيدة تهيء قدوم الوجود. البداية في كل شيء هي دائما نهاية. نهاية، أو تدمير لا نهائي لكل بداية. في كل عصر تسري قوة ما تجعل الفكر يدمر نفسه لكي لا يفنى. لكي يظل مسموعاً في صمت الكلام المدان. النسيان والمحو هما للفكر شكله الأكثر شساعة وتماسكاً.

2- محاولة في وصف الكاوس:
بعيدا عن الصيرورة، هناك فيما وراء الزمن، يقبع كيان صغير مجهول يعج بوجودات حية وحرة وناصعة. كيان مليء بكلمات سرية بلا ماض ولا قدر. الصخب يرعى الصخب. الماء يحاصر الماء. لحظة حلم ملتهبة. أضواء هاربة. خلوة زرقاء. فسحة مضاءة بما لا ينتمي للصيرورة. رتل طويل من الكائنات بلا أسماء. كانت الأرض خربة وخالية كما جاء في سفر التكوين. كان مسكن الكائن سهاد طويل. كانت الأشجار في الفاكهة. السواد في الطبشور. الطبيعة في الحبر. هناك كان من الاعتيادي أن نرى نجمة تستريح على كتف الطريق. أن نشاهد الزهور تثرثر حول موت الموت. هناك كانت السماء صافية، وكانت الأرض تستحم في عقم ميتافيزيقي. والأيادي تمتد بلا حدود. كان الله جوهراً محضاً لم تتعين أسماؤه بعد. كانت الساعات ساكنة حيث يسيطر صمت الرمال على أحداق فرحة لا حصر لها. هناك لم يكن الأسود نقيض الأبيض، بل الأسود المبيض المنحدر من اللا لون. يقال أن الوجود كان يومها كياناً عاشقاً لنفسه حتى جاء الزمن وبث فيه الحركة وجعله يدور. أي لعنة حلت على الكائن وجعلته يسقط في الزمن؟ أي نذر مشؤوم كان علينا أن نفي به للدخول في التاريخ؟ هل هو انتقام الزمن من الجمال الفطري للكاوس؟ أي أياد عابثة استرعت انتباه الصيرورة وجعلتها تدمر ذاك البيت الأصلي للكائن؟.
الكاوس..ذاك الذي لا يعطي إلا منسحباً. حياد الحياد .باب نسي اسمه. ما يربطنا هو ما يفصلنا. خاو هو قلب الخواء. يصمد الكاوس أمام الصيرورة..الذهاب نحوه لا يكون إلا به. كل اللا شيء، لا شيء الكل هما روح الكاوس. فتنة اللا اسم. الكاوس أو مرايا نرسيس الملئى بالنرجس. لا مبالاة فاترة في سلبيتها المعطلة. `الخدر اللذيذ الخالي من كل معنى. الصوت الذي يوشوش بتمائم على شكل كلمات غامضة. آه نسيت. أن نعود لمواجهة كل الأمكنة .الهواء، السديم، الغبار، السراب، البخار، أليست هذه هي قلاعنا الأكثر تماسكاً؟. الكاوس أو حياد الكل إزاء اللا وجود. الكاوس أو عندما يكون مفتاح الوجود هو غياب المفتاح.
لا ينفتح الكاوس على اللا معنى. ولكن على قول متعذر يجب إعادة صياغته أبدا بالكلمات. يوجد الكاوس في الكل. يوجد في التفكك الحتمي لكل كينونة. في اللا ديمومة. في الأسماء الحسنى للآلهة. في الموت. في الحرب. في الصيرورة. في الجنس. في اللعب. في أكداس الجماجم لمقبرة جماعية. في تلال الحجارة لبناء متهدم. هل ثمة ما يبقى أبدياً في النهاية؟ يحيى الكاوس في خط متواز مع الوجود. يحيى من قابليتنا الدائمة على التفكك. من انعدام قدرتنا على إيقاف التعفن. لا يوجد موجود أسمى من الغبش الأصلي للكاوس. يبقى الوصول إلى هذا الليل هو مهمتنا الوحيدة. لا تبحث عن الواحة وراء السراب الرمادي الذي يعتقلها. خاطر بما هو أكثر قسوة. وحده الكاوس من يتحالف مع اللغز. مع الامل. مع السر. ليس الكاوس شيئاً. إنه لا شيء مزمن. لكن هذا اللا شيء هو كل ما يقع في حوزتنا. أن نفهم أخيراً أننا كائنات تفرز الأسرار. تراكم المجهولات. تطارد الفراغات. كائنات فاجرة وملتوية. قردة مغرورة، تبتغي مطاردة الوجود في أكثر لحظاته سرية. هناك حيث تنطفىء نيران الصيرورة ويصبح الوجود في العالم تحليقا لاوراق ميتة. همساً في الهواء. يقظة في الفراغ. صفيراً في الليل. هناك حيث تزول كل الأشياء المجيدة ويستمر الوجود في الانوجاد كـ غبار أبدي لحروف ضائعة في ملكوت هائم بلا أسماء.

3- من أجل إصلاح الفلسفة:
تتغذى الفلسفة من ذاتها. من قدرتها اللولبية على تدوير أفكارها حول الوجود، لذلك لن يكون في وسعها أن تتجدد أو توسيع مداراتها دون الانفتاح على طباقها الكامل. سيكون على الفكر وقتئذ أن يقوم بهجرة داخلية في الاتجاه المعاكس. إننا نظلم الكاوس حين نمنحه منزلة ثانوية أدنى بكثير من منزلة الوجود. الحق أن الكاوس أكثر فتنة، وأكثر حدة، وأكثر سطوعاً، لكنه يربأ بنفسه عن الاستعراض الشمسي الذي يشغف به الوجود. إنه أكثر تواضعاً وأكثر سيولة وإن كان أكثر هشاشة وأكثر خراباً وأكثر إظلاماً وقابلاً للانبثاق في كل لحظة. إن الكاوس هو خبيئة فلسفية على درجة عالية من الغنى والعمق. إنه ضرب من التفكير فيم لم نعاينه أو نجربه أو نراه من قبل. إنه وجود قبل-ذاتي يعمل دائماً في صيغة وجود معطل أو مخبىء. لم لا نحاول ابتكار شيء أفضل من الكينونة؟. إنني أدعو الفلاسفة لمزاولة تفكير فلسفي جديد حيث تتم معاملة الكاوس والعماء وما قبل الزمن كـ موضوعات لقاء، لقاء ما قبل انطولوجي حيث يتم التفكير في أفق مفتوح ومنزاح دوماً عن مركزه السادي المتمثل في الأنا. يفتح الكاوس الباب واسعاً لمشاركة الغريب، والمقصي، والمعتم، والحاّفي، والكارثي، والضبابي، والسديمي، والسرابي، واللا متوقع. إنه يفتح الباب لأكثر المفاهيم جنوناً وعمقاً. يستدعي الفاجعة والخديعة والكارثة والوهم واللا يقيين. يكشف لنا عن الجانب الآخر. عن الظل الداخلي والمتواري للكينونة. الوجود يؤذي الجميع بينما لا يؤذي الكاوس أحداً. تخيب الكينونة أمل الجميع، أما اللا كينونة فهي عاجزة عن التخييب أصلاً. ألا يكفي هذا الإقرار المتعذر تفنيده إلى تشويه سمعة الفلسفة الرسمية؟. ثمة حضور طاغ ومؤذ للكينونة بات يشكل عائقاً فعلياً أمامنا نحو الخلاص. لنضع نفسنا في مواجهة حاسمة مع الوجود ذاته. الوجود أو تلك النقيصة الخطرة التي ما زالنا عاجزين عن الاعتراف بأنها باتت بؤرة ملوثة بـ الأنا والوعي إلى الحد الذي يجعلها بلا قيمة ولا وظيفة ولا معنى.

4- في الحاجة إلى السلب:
الوجود..هل تعرفون أن الوجود معتقل ليل نهار؟. هذي هي صورته الأصلية لكنه عندما يسلب وينسلب يتحرك ويتوتر ويصير. ليس هناك نهار بلا سلب. لا نهار ولا ليل. لا كمال ولا نقص. لا حياة ولاموت. السلب هو بمعنى ما مقاومة خالصة. تناقض نشيط. ليس العدم شكلاً آخر للسلب، لكن الأصح القول: السلب هو التناقض في شططه الأنيق. في شكله المبالغ فيه. إنه انحياز للأكثر إبداعاً واختلاقاً وتفرداً وتفتحاً وعلواً. لا يوجد السلب سوى على الحافة. على تلك الروابي أو المناطق الصعبة التي تقترب فيها الأسماء من مسمياتها والأشياء من ما صدقاتها والفكر من اكتماله وتحققه الكلي. ربما كان هذا أهم درس من دروس السلب على الإطلاق. يسمح السلب للوجود بالتصالح مع نفسه. بالمجيء إلى ذاته. بالالتقاء مع شكله. بالتعرف على عناصره. يطوق السلب الوجود. إنه يجعله يدوم ويبقى. لا يمكن اختزال السلب في شيء. إن له ألف يد وألف غد. سيكون هناك سلب طالما يتنازل النهار في كل يوم لليل، وطالما تنهار الحياة كل يوم أمام دكتاتورية الموت. ربما علينا أن نقول من الآن فصاعداً: إن السلب هو لعبة الوجود الأبدية. إكسيره السري لتجديد ذاته. لرؤيته طازجاً وحاراً ومفرطاً ونشيطاً وشاسعاً في كل مرة.
لا تكمن فرادة السلب في التوسط. إن السلب ليس منهج، ولا استعارة، بل هو العبور الانطولوجي بين ضفاف الوجود، أو بالأحرى، الانتقال الإجباري للوجود بين ما هو، وما سيكون، وما ليس إياه، وما لن يكونه أبداً. وهذا معناه، أن السلب، ليس أدة ولا وساطة لكشف العالم، بل لفهم أشكال النفي، والتطور، والتغير، والطرد، والإتلاف، والنمو، والحلول التي بحوزته. إنه بكلمات أخرى: الكيفية التي يختفى فيها الوجود ليعاود الظهور بأشكال وصور أخرى. إنه موقف انطولوجي في غاية الخطورة، لأنه يمس هوية وكينونة العالم ذاتها، ويجري تعديلاً جذرياً على علاقة الحدود ببعضها، وعلاقته بذاتنا، وبالآخرين، وبالأشياء والكائنات الأخرى. لا مكان هنا للحياد الوضعي أو للتعالي الترانسدنتالي الذي تمارسه الذات على موضوعاتها. ولا مكان لـ دكتاتورية الموضوع التي يمارسها على الذات. إن السلب هو تغيير جذري لكل قواعد اللعب لا يعود فيها الموضوع سوى الذات نفسها، بمعنى أن الهوة القائمة بين الذات والموضوع يتم ردمها وتجاوزها، فالسلب هو في نهاية المطاف دوام الحركة بين الذات والموضوع، أو هو ذاك الانقلاب الأبدي للأدوار، الانقلاب أو التأرجح أو التوتر الذي ينبىء عن هول الصيرورة وشساعة الاتلاف وبهاء التقدم ودوام التناقض وتبدل أشكال وقسمات الروح بلا توقف.
يبتلع السلب كل ضجيج الثنائيات. كل مسافة. كل عدم. كل فاصلة. كل هوة تفصل بين المتناقضات. إنه ينزلق بنا نحو إبطال متعمد لكل ما لا يمكن تجاوزه. لا يستثني السلب من طموحه أو جموحه الهادر ولا حتى نفسه. قاسٍ هو السلب في هديره الدائم وحركيته المدوخة وزوغانه الذي لا ينقطع. هل يمكن المجازفة بالقول: إن السلب يجعل دائما من نقطة البداية هي نقطة الوصول ذاتها؟. من وجهة النظر هذه يمكن الإجابة بـ نعم. فالوجود لن يكون في نهاية المطاف سوى محاولته الدائمة للهروب من نفسه. للانزلاق بعيداً عن أشكال حضوره الثابتة. للمغادرة نحو كينونة جديدة بلا زمن متوقع أو مواضعات متوقعة. لن أقول يتركب، بل سأقول: يتهاوى الوجود في كل مرة في تركيب يظن العقل أنه قد بلغ به تناغمه الكلي وانسجامه المطلق ليكتشف بعد أول حركة للروح أن هذا التركيب أو أن سلب السلب هذا، لم يكن سوى تناغمه الأولي. انسجامه البدئي. إيجابه الزائف. اكتماله المتوهم، فالسلب هو عند هذه النقطة من التحليل سلب ذاته ذاتها. إنه اللا اكتمال الانطولوجي، والتراجيدي بطبيعة الحال، لكل كينونة ولكل شيء ولكل أثر. لا ضامن للسلب ولا حتى من ذاته. إنه ليس خارج فعاليته بل خاضع لها. لا منجاة آنئذٍ من التناقض ولا بأي حال من الأحوال ومن ثم فنحن مضطرون لمواصلة التقدم في مغامرة تتجاوزنا. للسير في ركب روح لا تستقر على حال إلا من أجل أن تسلبه استقراره وتضرم فيه روح التناقض من جديد.
ربما كان السلب هو تلك الريبة التي لا ينبلج وجود، ولا تتفتح ذات، ولا تورق روح، ولا تثمر يوتوبيا، ولا تندلع كينونة بدونها. إنه تلك الفوضى العارمة التي تلتهم الوجود، والتي تخل بكل توازناته وتعصف بكل مواضعاته وأشكاله الثابتة. هل ثمة وجود بلا سلب؟. في وجود بلا سلب، يغدو العالم شبيهاً بكثبان من الاسمنت على مد النظر. هناك حيث كل شيء يتكرر ويعيد إنتاج نفسه بلا أدنى فزع من السقوط في العدم. يغذي السلب أحلامنا وأشكال وجودنا في العالم ويمنحها حيوية لتثبيت التناقض في صلب حركة الذات التي تؤول إلى شوق مفتوح. الشائق وقد فقد قدرته على الالتقاء بالمشوق إلى الأبد. إن فرادة السلب تكمن في فهمه للكينونة بما هي حركة الذات الناجمة عن افتقارها لما يمنحها كمالها. ليصبح السلب هو التتويج الأقصى للذات، ليس فقط في التاريخ وإنما في الأبدية ذاتها. وليصبح الوجود برمته هو الإنجاز المباشر للسلب الذي لا وعاء يستوعبه غير التناقض الذي يضيق به ذرعاً فيسارع إلى التخلص منه ليتم حفظه في إعادة إنتاج مستمرة له بما هو ذات محرومة أبداً من اكتمالها أو تطابقها مع ذاتها. النتيجة العملية لكل هذا هو أن السلب يعمل كـ مجهود دائم لإثبات عجز الإيجاب وقصور الاكتمال. إنه تاريخ مضاد ينتصب في اتجاه معاكس تماماً للتاريخ المحكوم بمبدأ اكتمال دوران الروح.
السلب أخيراً، هو ضرب من الإقامة في ليس كبيرة. هو الحاضر في غيابه. الوجود في تناقضاته. الذات في تجاوزاتها. السلب أو الوجود كما لو أنه مصممٌ ليكون بئراً غير ممتلئة. يقودنا السلب نحو الأبعد، نحو الأرحب، بحيث في هذا الابتعاد وهذه الرحابة نحتضن تناقضاتنا حيث نمر من واحدة لأخرى إلى أن نصطدم بالروح في أرقى أشكالها وأبهى صورها. ليس السلب في نهاية المطاف: سوى ضجيج في الذات. ورم حميد في الوجود. حركات وتوترات وجروح ونُدب وتشنجات تروم بها الذات الإصغاء لأصوات الروح المتشابكة في صدىً لا نهائي. السلب ذاك اللجوج أبداً ، ذاك الملحاح أبدً، تلك الرغبة الشرسة والنزقة للتغلب على كل الجدران المحيطة بالوجود على أمل الوصول إلى القعر المدنس بالصيرورة الذي يجعل من كل ذات، من كل هوية، من كل رغبة، من كل إرادة، من كل يوتوبيا، من كل أمل، فردوساً مفقوداً للأبد. وجوداً مطهراً بالنفي والتوتر واللا اكتمال.







اخر الافلام

.. أمريكا تعرب عن قلقها بشأن الإعتقالات التركية


.. دراسة تنسف العلاقة بين نمو الرضع وساعات النوم


.. اتفاق بين بغداد وأربيل لاستئناف تصدير نفط كركوك




.. اتفاق بين بغداد وأربيل لاستئناف تصدير نفط كركوك


.. مساعد نائب وزير العدل الأمريكي سابقا: مديرة -سي آي أي- ستقدم