الحوار المتمدن - موبايل



النظرية الثورية عند كارل ماركس

عبد السلام أديب

2018 / 11 / 8
مواضيع وابحاث سياسية


استدعيت في الفترة المتراوحة ما بين 20 و23 شتنبر من سنة 2018 بصفتي ككاتب عام للنقابة الوطنية لموظفي وأعوان وزارة الاقتصاد والمالية التابعة للاتحاد المغربي للشغل بالمغرب، من طرف رفاق لي في الحزب الاشتراكي الوطني الديموقراطي بتونس للمشاركة في الندوة التي نظموها بشراكة مع المنظمة الدولية للأحزاب والمنظمات الثورية وحظرتها العديد من الأحزاب والمركزيات النقابية من داخل تونس ومن خارجها. وقد كان علي أن أقدم مداخلة خلال خمس دقائق حول النظرية الثورية عند كارل ماركس، نظرا لتعدد المداخلات، فجاءت مداخلتي كما يلي

تحياتي للرفيقات والرفاق في الحزب الاشتراكي الوطني الديموقراطي بتونس والى المنظمة الدولية للأحزاب والمنظمات الثورية اللذان أشرفا على تنظيم هذه الندوة القيمة المتعلقة بذكرى مرور مائتي سنة على ازدياد كارل ماركس، تحياتي العالية للحضور الكريم من أحزاب سياسية ومركزيات نقابية وضيوف كرام من داخل تونس وخارجها.

سأركز مضمون مداخلتي على مناقشة عنصرين هامين من العناصر المكونة للنظرية الثورية عند كارل ماركس والتي تشكلان العمود الفقري في هذه النظرية. أحد هذه العناصر ذو طابع فلسفي والعنصر الثاني ذو طبيعة سياسية.

على المستوى الفلسفي جميعكم سمع بمقولة كارل ماركس التي أوردها في كتابه حول الأيديولوجية الألمانية والتي ضمنها في أطروحاته الاثني عشرة في نقده لفلسفة فيورباخ، وذلك حينما أشار إلى أن جميع الفلاسفة لم يعملوا سوى على تفسير العالم بينما ما يجب القيام به هو تغيير هذا العالم. ففي إطار هذه المقولة إضافة الى ما جاء في أطروحة كارل ماركس حول الاغتراب والواردة على الخصوص في المخطوطات البارسية لسنة 1844، وكذا نقده لفلسفة الحق عند هيغل وما ورد في البيان الشيوعي لسنة 1848. فما نستخلصه من هذه الأطروحات هو أن جميع الفلاسفة منذ سقراط والى غاية هيغل، لم يعمل الفلاسفة سوى على ترسيم الوضع الاجتماعي القائم واضفاء الشرعية عليه، علما أن الوضع الاجتماعي القائم أي منذ ظهور الزراعة في العصر الحجري الحديث (9000 – 4500 قبل الميلاد) وهو ما يصطلح عليه بالعصر النيوليثي وإلى غاية القرن التاسع عشر الميلادي، عبارة عن تركيبات وسيرورة تقوم على علاقات اجتماعية طبقية مغتربة، أي علاقات الاسياد والعبيد والاقطاعيين وأقنان الأرض والبرجوازية والبروليتاريين. فالفلسفات التي انتجت في ظل هذه العلاقات الاجتماعية المغتربة عبارة عن فلسفات تفسيرية مغتربة لإضفاء الشرعية على ما هو قائم والذي هو مصدر للاستغلال والاضطهاد من جهة ومصدر للشقاء والمعاناة والبؤس والفقر من جهة أخرى. لذلك فالعنصر الفلسفي الثوري عند كارل ماركس يقوم على الدعوة الى الخروج من هذا التفسير الفلسفي الاغترابي الذي يزكي الشقاء القائم والبحث عن كيفية احداث تغيير جذري في العلاقات الاجتماعية المغتربة من اجل مجتمع شيوعي لا وجود فيه للاستغلال ولا للطبقات ولا للعمل المأجور المغترب.

ذلك هو باختصار المضمون الثوري في فلسفة كارل ماركس، والمتمثل في كيفية الخروج من مملكة الاستغلال والاغتراب والاضطهاد نحو مملكة الحرية والمساواة في ظل مجتمع شيوعي يقوم على براديكمات تنطلق من إنسانية الانسان.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه على كل متتبع لهذه الخلاصة الفلسفية الثورية هو عن طبيعة الاستراتيجية التي يقترحها كارل ماركس لإحداث هذا التغيير الذي يطالب به الفلاسفة؟

إن كافة أعمال كارل ماركس الفلسفية والسياسية والاقتصادية تقدم لنا الإجابة السياسية الفعالة لإنجاز التغيير المنشود. وإذا لم تسفر الحركة السياسية التي ساهم فيها كارل ماركس قيد حياته في إطار عصبة الشيوعيين وفي إطار الأمميتين الأولى والثانية عن احداث التغيير الجذري المنشود، من عالم مغترب تهيمن عليه البرجوازية الرأسمالية والامبريالية، نحو مجتمع شيوعي متحرر من الاغتراب، فإن منجزات الثوريين الماركسيين اللاحقين أكدت لنا عن إمكانية حدوث هذا التغيير السياسي الجذري، خاصة تجربة الثورة البلشفية سنة 1917 والثورة الصينية سنة 1949.

إذن فالعنصر السياسي الثوري الثاني المكون للنظرية الثورية لدى كارل ماركس يتمثل استراتيجية الخروج من عالم الاغتراب الى عالم الحرية والتحرر، ويمكن استخلاص هذه الاستراتيجية من اعمال كارل ماركس نفسه مضاف اليها ما انبثق عنها من تجربة البلاشفة تحت قيادة فلادمير اليتش لينين، لذلك أصبحت هذه الاستراتيجية تسمى بالماركسية اللينينية، والتي تشكل خارطة الطريق للثورة الشيوعية للخروج من الاغتراب.

فأصل النظرية الماركسية الثورية تقوم إذن على الأعمال الفلسفية الأولى لكارل ماركس والتي تتكون من عنصرين اثنين، هما الفلسفة المادية والمنهج الديالكتيكي، وحتى وان استقى كارل ماركس شكلهما الأخير لدى كل من هيغل (المنهج الديالكتيكي) وفيورباخ (الفلسفة المادية)، الا ان كارل ماركس استخلص اسسهما الأولى كما تبلورت في الفلسفة اليونانية التي سادت ما قبل سقراط حينما كان يدرس الفلسفة في جامعة برلين وناقش حولهما أطروحة دكتوراه سنة 1841 تحت عنوان: "الفوارق في فلسفة الطبيعة عند كل من ديموقريطس وأبيقور".

فبناء صرح النظرية الثورية الماركسية ارتكز على هذين العنصرين، وهما الفلسفة المادية كمضمون والمنهج الديالكتيكي كمنهج متداخل عضويا بالمضمون، حيث أن الديالكتيك يشكل حركة المادة، فالنظرية الماركسية تجاوزت في هذا الإطار الفكر المثالي الهغلي فيما يخص الديالكتيك، كما تجاوزت المادية الميكانيكية كما بلورها لودفينغ فيورباخ.
وقد دفع التوظيف اللينيني للماركسية وللمادية الديالكتيكية في روسيا والذي كان بلدا فلاحيا مشابها لوضعية أغلب بلدان العالم الثالث في انجاز الثورة الثورة البلشفية السوفياتية في أكتوبر 1917 مما أحدث قفزة نوعية للمجتمع الروسي وللإنسان السوفياتي من بلد متخلف الى مصاف المجتمعات المتقدمة. كما دشن لينين إمكانية الثورة في بلد واحد بسبب شروط النمو المتفاوت للرأسمالية وإمكانية تفجير الثورة في الحلقات الضعيفة من النظام الرأسمالي الامبريالي العالمي في أفق ثورات متلاحقة على الصعيد العالمي الى حين اسقاط النظام الرأسمالي بالكامل.

ويعترف أغلبية الشيوعيين في العالم، بأن اللينينية عبر ابداعاتها في تطبيق المادية الديالكتيكية أغنت النظرية الماركسية وأضافت اليها كم هائل من النظريات الجديدة، وأيضا مجالات واسعة ملموسة، لتقدير وتطبيق هذه النظريات، وذلك على المستويات الاقتصادية والسياسية والتنظيمية. إذن فنحن إزاء تكامل جدلي بين النظرية الماركسية والتي تشكل الأصل ثم إضافات لينين نتيجة فهمه العميق لها في مرحلة الامبريالية وهي الفرع. ويظل أهم مجال أبرع فيه لينين هو التنظيم الحزبي اللينيني والذي جعله مجالا لتطبيقات المادية الديالكتيكية.

إذن فالاستراتيجية الثورية عند كارل الماركس وما انبثق من جوفها من ممارسات سياسية عند البلاشفة تحت قيادة لينين هي ما نعبر عنه اليوم بالماركسية اللينينية والتي تشكل افضل خارطة طريق للتغيير الثوري في عالم مغترب نحو عالم من التحرر والشيوعية. إذن فما هي العناصر المشكلة للماركسية اللينينية كاستراتيجية ثورية؟

ترتكز الماركسية اللينينية على ثلاث مكونات رئيسية وهي، أولا، الاقتصاد السياسي ثم ثانيا، الاشتراكية العلمية وتعلم الصراع الطبقي عن طريق الممارسة الميدانية، ثم ثالثا، المادية الديالكتيكية والمادية التاريخية. ويوجد هذا الجوهر الموضوعي للماركسية اللينينية في صلب الأفكار التي طورها ماركس وانجلز ولينين على الخصوص، مع إضافات وتفسيرات وتطبيقات باقي الثوريين. فالماركسية اللينينية ليست إيديولوجية دوغمائية جامدة، بل تشكل منظومة توجيهية حية من أجل تفعيل الحركة العمالية. وتكمن القاعدة الخلاقة للماركسية اللينينية في الديالكتيك المادي أساسا.

وتتمثل الفلسفة المادية في الاقتصاد السياسي في انتاج وإعادة انتاج الحياة المباشرة والتي تتكيف على أساسها العملية الاجتماعية بكاملها، السياسية والذهنية ونظرة الانسان للحياة وللعالم. كما أن مجموع علاقات الإنتاج المادية تشكل القاعدة الاقتصادية التي تقوم على أساسها البنيات الفوقية القانونية والسياسية والأيديولوجية.

وتتناول الماركسية اللينينية قضايا الاقتصاد السياسي عبر منهج الديالكتيك الماركسي من خلال التطبيق الواعي لهذا المنهج من اجل اكتشاف القوانين الموضوعية الكامنة في قاعدة العلاقات الاجتماعية بين الأشخاص في ظل الرأسمالية.

كما تتناول الفلسفة المادية الصراع الطبقي والاشتراكية العلمية كقانون موضوعي يحدث آثاره في سيرورة مستقلة عن إرادة الأشخاص. فكل استغلال واضطهاد لمجموعة من العمال يقود بشكل تلقائي الى ردود أفعال ضد هذا الاستغلال والاضطهاد. بينما تسير الإنسانية جمعاء تاريخيا نحو التحرر وانهاء الاستغلال والاضطهاد وبناء مجتمع تسوده الحرية والمساواة متمثل في المرحلة الشيوعية العليا.

ويلعب المنهج الديالكتيكي هنا دورا أساسيا في خدمة الأداة السياسية للطبقة العاملة وفي اختيار الاستراتيجية والتكتيك الماركسي اللينيني كتطبيق واعي للمنهج الديالكتيكي من أجل بناء الحزب البروليتاري وفي نفس الوقت دفع وتطوير الصراع الطبقي البروليتاري نحو مستوى أعلى.
باختصار فإن الديالكتيك المادي يشكل النظرية والمنهج العلمي الذي بواسطته يشتغل الماركسيون اللينينيون من أجل تغيير العالم بطريقة ثورية. ولا يمكن دراسة وبلورة قوانين التطور الاجتماعي، والجوهر المتناقض لكافة الظواهر والتفاعل بين العوامل الذاتية والموضوعية الا على أساس مادي ديالكتيكي.

إن الديالكتيك المادي يمنح للفكر الإنساني قوة استيعاب نتائج التجارب العلمية والتاريخية ومعرفة العلاقات والتطورات المعقدة للواقع وتغييرها. وتكمن القاعدة الطبيعة الخلاقة للماركسية اللينينية أساسا في الديالكتيك المادي كنظرية وكمنهج.

نستخلص مما سبق ان النظرية الثورية عند كارل ماركس تقوم على قاعدتين احداهما فلسفية تستهدف استيعاب العالم والواقع الاجتماعي بشكل صحيح انطلاقا من المادية الديالكتيكية والمادية التاريخية والقاعدة الثانية تقوم على مكونات الاستراتيجية السياسية الماركسية وما انبثق عنها لاحقا من تجارب ميدانية خاصة عند البلاشفة تحت قيادة لينين والتي تبلورت في الماركسية اللينينية.







اخر الافلام

.. العراق.. أزمة الحكومة وشراء الوزارات


.. عقوبات إيران.. الزيارة البريطانية والتحذير الأميركي


.. اليمن.. الحل السياسي ومناورات الميليشيات




.. تحالف الأديان لأمن المجتمعات..كرامة الطفل في العالم الرقمي


.. نافذة من إسطنبول- متابعة لآخر تطورات قضية اغتيال خاشقجي