الحوار المتمدن - موبايل



إنزياح الذات الجمالية -لست ممتعضاً من دفق السرد-

كريم ناصر

2018 / 11 / 8
الادب والفن




لا يخرج الشاعر ناجي رحيم البتة عن سياقات يومياته التي تمثّل أحياناً تاريخه في الوقت نفسه، على اعتبار أنَّ الحدث اليومي يفرض نمطاً يشير إلى فعل سيكولوجي يصعب تأويله أو قراءة مجسّاته من دون الرجوع إلى تفسير نفساني أو سوسيولوجي لتحليل النصوص الشعرية المكتظة بالدلالات، وقد تكون الأنا في صيغتها الحالية حاضرة وذات صلة بوظيفة بديهية يختلط بها الزمان والمكان بكيفية أقل ما يقال عنها إنّها أدوات دلالية تمثّل ترسانة الشاعر ولا سيما عند المرور بالأشياء بصفة خاصة لتدوينها كوقائع إجتماعية.
وقد يحدث أن تنقذ جملة دلالية سياقاً شعرياً كاملاً، وذلك بإلحاقها بإصولها اللغوية بعد عملية حذف الحشو من تلافيفها وبالتحديد في المواضع التي تكون رهينة بتنشيطه:

"في رأسي قطيع غزلان يتقافز في تلافيف المخ" ص11

لا يمكن الاعتقاد أنَّ الشاعر ينحر شجرة، سيكون من قبيل الوهم إذا صدقنا أنفسنا بوجود هذا المفهوم، هناك في الواقع شعور نبيل يولّد إحساساً جمالياً بالأشياء تفرضه واقعة استعملت للدلالة أو للتعبير عن فكرة تخيلية غير متناهية، فلا يحدث في أغلب الأحوال أن يقطع الشاعر شجرة ويكون سبباً في مفارقة سيكولوجية، دون اعتبار نتيجة هذه العملية التي تطوي حياة العصافير، فضلاً عن انتحار شجرة الجيران، وعلى كلّ فالصورة في صيغتها التعبيرية الحالية ليست سوى تمارين لتحقيق غاية الغرض منها إغناء الجانب الانساني:

"قتلت شجرة وجلست مثل طفل يبكي ندماً" ص12
"مع كل كأس يطفر غصن في عيني
مع كلّ قنينة أسمع حشرجة أوراق" ص12

ففي لغة الشعر لا تحتلّ البلاغةُ مساحات تفرضها أحكام خاصة بها، لأنّ البلاغة ليست مقياساً للصرامة اللغوية، بل يمكن أن تكوّن موضوع الشعرية، نحن لسنا بصدد موضوع لغوي نمطي يفرض علينا نظرية، بل نحن إزاء إنزياح لغوي لا نرى فيه حقاً إلّا الشعر المحض الذي يسبر أعماقنا ولا يتنافر مع مجسّاتها.
سنلاحظ أنّ الانزياح في أكثر حالاته تألقاً قد يولّد اتجاهين متباينين نعزو الأول إلى خرق قانون اللغة الذي سيؤدي بداهة إلى صوغ حر وسلس وانسيابي لا يجد الشاعر نفسه فيه مبتكراً لكينونة شعرية على قدر ما يثير في الواقع جدلاً يقوده من غير اجهاد عقيم إلى المعاني..
وقد تضيع أحياناً المعاني الدلالية نفسها إمّا بسبب ضمور الجملة السياقية، وإمّا بسبب هيمنة سردية على صلب المادة الشعرية، أمّا في ما يخص الاتجاه الثاني فنستطيع أن نعزوه جدلاً إلى خرق قانون الكلام الذي سيؤدي بدوره إلى صياغة جملة دلالية من شأنها أن تحفظ ما هو شعري، وتهمل ما ليس شعراً يسمه اختلال.
وربما يولّد الانزياح نفسه فضاءً دائم التطوّر لا يني يحمل صيغتين متصلتين "من المعايير" لا تتقاطعان في سياقيهما ولكنهما بكل تأكيد تتنافران في وظيفتيهما، فالصيغة الأولى كما نراها هي صيغة متكاملة الملامح، وبخصوص الثانية تبقى تجسيداً شعرياً في حالة تطوّر، وقد ينحو الانزياح منحىً جمالياً مشاكساً للنسق يغدو فيه التمرّد تجسيماً من تجسيماته ولتخفيف حدّة الاستعارة، فلا بدّ من إثارة بنية سامية لتقويم آليه المغامرة المشاكسة بغية فصل صورة الشيطان عن صورة الإله ليصفو العالم بعد ذلك وتزهر أفانينه من باب أولى..
لا تسمو الصورة الشعرية قطعاً إلّا في ذاتها، فالذات كما نراها متجسّدة في اللغة الطبيعية والأفعال الحسية واليوميات، فلم تبتعد منفضة السجائر عن ناظره خلال صيرورة اللذّة، فالدخان قرينه ولا تكون الحياة لذيذة من دون سحابة كثيفة من البديهي أن تصبح حينئذ الكلمات من منظور الشعر مادة تخترق الواقع بكل تفاصيله، فدلالة الانزياح تقدّم معنى مشاكساً لا يُخفي ذاته المتشظية نظراً إلى كون المحتوى يمثّل في حقيقته صورة من الانزياح نفسه، يجب على القصيدة أن تكون ذات شأن وتنتمي إلى بنية اللغة لإدراكنا الكامل أنَّ الشعر لا يخرج كثيراً عن حقله وبالتحديد عن علاقته بوحدة الموضوع لتدلّ كلّ صيغه على قيمة يكون لها مدلول.
لا شك في أنَّ مهمّة الشاعر تفوق التصوّرات الطبيعية في استخلاص النواة، ولربما يسلّم الشاعر بضرورة توحيد جهوده بسياق شعري واحد ليمثّل مرجعاً لذات مضطرمة وهنا لا بدّ من أن يأتي على ذكر الفودكا والأوزو وفاء منه لتخليد صيرورته على الطريقة الهولندية، إذ يدرج سمات الحكايات السردية بدافع تدوينها لتصبح مذكرات لها مظاهر دلالية.
وهكذا نرى الصور من هذا المضمار، فلا تغيب الأدوات الروحانية كالخمور عن ذهنه، إننا لا نملك الحق في معارضة صيرورة تكاد تتكرّر بتلقائية وكأنّما حاضرة في كلّ ميدان، إنها تراكيب مسلّم بها تبعاً لروحانيتها التي تحيل على رغبة أي أنّها لا تنفك عن كونها رغبة تستحيل إلى سلسلة متواصلة من الوحدات التي لا تقوم إلّا بدور المطهّر الروحي استجابة لقيمةٍ وظيفتها إيحائية ويجب علينا أن ندركها، بل يجب علينا كذلك أن نعيها لأنها تمثّل من المنظور نفسه سجلّاً تاريخانياً يُصبح الخروج منه حينئذ مستحيلاً..
إنّنا نلاحظ في هذه الروحانية تضميناً لأسئلة وجودية تبحث عن مظهرها أي عن علاقة ثنائية توازي في مضمونها صيرورة الأداء نفسه وتستحضر من الفعل اليومي أشكالاً من العسير معالجتها في غياب تأويل يوازي في الأقل التمزقات الأسلوبية أو ما ندعوها بهذا المعنى.
فكلّ صيغة منبثقة من الأدب تكاد ترمز إلى معنى دلالي يكشف لنا عن بنية لا تناقض قطعاً الوحدة الأساسية، ولا تمنع ما يدعو إلى إغنائها بما يصوّره الواقع في ذاته، ولئن غدت الفؤوس رموزاً دلالية، فإنّ مهمتها لا تني تقطع الطريق عن لذاذة الحياة، وليس على الشاعر إلّا أن يتجاوز الوقائع المرّة التي تتجلّى في صيغة فؤوس تتخذ من تلاوينها موضوعاً.
لا جرَم أنَّ التعبير عن الذات أو التعبير خارج الذات لا يدل على أنه انجاز نوعي محض لا سيما في غياب وعي شعري لا ينتج إلّا انزياحاً مفرطاً، والحقيقة لا تتطوّر بنية اللغة إلّا بتبئير جوهري، وإنه ليس على الشاعر إلّا إدراك هذا المعنى الحصري..
سيكون الشعر في أغلب أحواله متنفّساً إقراراً بجماليته وبما تخلقه الدهشة من تجليات نفسية يكون حقلها الواسع لسعات السجائر وانزياحات الذات ودخان السكران والقناني الفارغة والكأس والشراب، ولهذا فلن يهدأ البال إذا لم يصنع من الحدث اليومي مادة ذات قيمة أدبية تقوم باستحضار الذات تحديداً ولا تخرج عن صلبه في الأقل..
ولنا أن نذكر أننا بإزاء سلسلة من الأفعال على وجه التقريب الأفعال المضارعة التي لا تجسّد المعاني المجرّدة في ظاهرها، بل تتخذ بداهةً ما يجعل من الفعل المضارع يظل حاضراً على الدوام ومتحركاً وملموساً، فما عاد الفعل اليومي يكفي لإثبات وجوده داخل فضاء درامي، وهذا ما يدعو بالضبط إلى تقديم صياغة أعمّ تسمح بالخروج منه لتظفر ببنية مستقلة تكشف عن أنساق لا تنفك عن جعل الجمال رؤية، وبعبارة أخرى نفهم أن لا وجود للشعر خارج سماته الذاتية، إذ يبدو وكأنه يقدّم وجهه المأساوي ليغدو أثراً أو قيمة جمالية تتخذ بالضرورة من النوستالجيا شكلاً، في حين أنَّ الأثر الذي يتركه الشعر يظل نفسه ولعلّ الجملة الشعرية كانت ترمي إلى تقوية الفعل المضارع في سلسلة من الصيرورات الجمالية، وقد نلمس أحياناً نزوعاً ما إلى التشظّي عن طريق الانزياح والتقصّي عن قيمة الذات، والبحث في قضايا الكينونة وإعمال الفكر فيها للكشف عن إشكالية آثار الحرب الملازمة ذاكرة الشاعر..
حقاً أنّ الذات حاضرة كما أيّ عنصر من عناصر التشظّي الشعري، ومثل أي فعل يستمد قوته من مضمونه، ولهذا قد تكون بعض البنى قارّة لا تقدّم صياغة شاملة لتجعلها في الواجهة، فالذات المتمثّلة بالوحدة يجب أن تخضع في العمق لتفسير حميم..
والحق أنَّ التوازن في الوحدات يعطي انطباعاً لإثبات إنسانية الشعر تضامناً مع الإنسان وإدراجه في صلب العالم، وفي خضمّه فضلاً عن إيقاظ المشاعر في الوقت نفسه، والعودة إلى عرض أسئلة وجودية تبحث غالباً عن أجوبة شاملة لكلّ ما له صلة بمتناقضات تظلّ دوماً قائمة.
وقد يذهب بنا الشاعر بعيداً عن الانزياحات اللغوية ليفتح قوساً على عنصر جمالي، وذلك لاستعادة ما فقده الشعر من خاصيات جوهرية في صلبه..
سيكون من الشطط إخضاع لغة الشعر لمنطق الكلام المباشر، أي في جعل الكلام صيغة متعالية على اللغة، ونظراً إلى كون هذه الطريقة المعهودة في جوهرها الباطني غير شاذّة، فربما ينمو من جهةٍ إنزياح مطّرد وهو ما يكوّن عالم الشاعر الذي نظنه ينطوي على صور من تجلّيات الحرب، إذ لا تكون المعايير ثابتة في نظر المنطق، ووظيفة الشعر باجتهاد (جان كوهن) هي الإيحاء مهما اختلفت أشكال التعبير.
صحيح أنّ مشهد الحرب درامي، فالحرب في حقيقتها ظاهرة تراجيدية، ومع ذلك لا يجد الشاعر ضيراً في استرجاع تمظهراتها السيكولوجية، كما تبرزها اللغة السردية التي تتكفّل بإيصال قيمة الصدق وبالتحديد آلية التعبير عن الحقائق في الميدان، فهناك إذاً واقعة وجد الشعر ذاته فيها من دون صرف النظر بالطبع عن التمزّقات الإنسانية..
فالشعر يستطيع من حيث المبدأ أن يخرق كلّ بديهية انطلاقاً من تعدّدية تسمح بتكوينها انزياحات جمالية، فتغيرات الوحدات وتعاقبها تمسك في الأغلب بجوهر التنوّع نفسه وتنتقل من موضع إلى آخر بالطريقة التي ترتئيها، فالتعابير السريالية في معظمها تمثّل قيمة هذا التنوّع الدلالي النادر، أمّا استعمال الشاعر للأفعال المتحركة فإنّه يأتي في سياق شعري محسّن، والحق أنّ فعل الأمر حماسي، والفعل المضارع يدل على القوّة بل إنّه يرمز أحياناً إلى الحركة، ومن المعروف أنّ الحركة لا تشير بالضرورة إلى ابتكار المعاني غير أنّها تعطي الانطباع بتعدّدية في البناء العماري بفضل الصيغ اللغوية المستعملة.
وقد تتحقّق الدلالة كذلك بفضل الومضات الشعرية التي تجسّد صوراً تبدو عميقة في مضمونها في كونها تختزل موضوعات ما فتئت تتضخّم وهذا ما يوضح لنا أن الأفكار التي تُوحى إليها في هذا الإطار لا تكوّن وحدها موضوع الشعر ولا تنفرد ملزمة به، ما دامت العناصر المكوّنة له تسمح بالإحالة.

"لن يسرقوا الهواء من رئتيك وقد عبرت هواء القنابل" ص92

فجلد الذات ولو افتراضاً لا يدخل غالباً في نطاق ما ندعوها الوقائع المرّة، بل إنّه يحمل معنى إيحائياً ـ سيميائياً ليكون تجسيماً من تجسيماته..
إنَّ الشاعر من الحكمة والفطنة يقدّم إلى العالم أسئلة وجودية تتجاوز أحياناً حدود المنطق، وما علينا إلّا أن نبحث عن تأويل مقنع يشخّص العلّة ويخضعها لاختبار عميق.

الذات والنوستالجيا:

فلنتفق كليّاً على أنَّ الذات المذكورة تمثّل المرجع الأول في وجدان الشاعر ناجي رحيم وتؤلف موضوع أشعاره في الأعم الأغلب، فما بين الذات والنوستالجيا يظهر جلياً خطّ وثيق الصلة بالحقبة السالفة، فالإشتياق إلى الركبة المخلوعة في الحالة الانسانية إنّما يعتمد على إحساس جمالي والرجوع الدائم إلى الماضي يستلزم استحضاره عاطفة خالصة..
إنَّ غياب عنصر القوّة كثيراً ما يكون سبباً في تفكك اللغة والتراكيب والدلالة، ولذلك نجد قسماً من السياقات في هذا الإطار مهلهلاً أو فضفاضاً ولا يحمل غالباً عمقاً إستراتيجياً، ومع ذلك فلا يمكن أن تكون سلاسة التعابير وحدها معياراً لهذا الاختيار، فلربما ثمّة تعابير انفعالية تخرج عن سياقها الطبيعي فتعمل على إضعاف الصورة الشعرية التي تعدّ ملمحاً مميزاً في البناء العماري.







اخر الافلام

.. تعلم اللغة في بلاد اللجوء بداية الطريق نحو الاستقرار


.. بتحلى الحياة – الفنانة كارلا رميا


.. #بروح_رياضية.. لاعب #تنس يفاجئ زوجته و يطلب من الجماهير الغن




.. تفاعلكم | تعرف على فنان سعودي بيعت لوحته بمليون ريال


.. هند رستم .. محطات في حياة مارلين مونرو السينما المصرية