الحوار المتمدن - موبايل



الدارجة المغربية و السعودية أي علاقة ؟؟ تنقيب خفيف في اللغة والتاريخ ..

كمال آيت بن يوبا

2018 / 11 / 19
التربية والتعليم والبحث العلمي


شعارنا : حرية – مساواة –أخوة


السؤال المطروح هنا هو لماذا لا يتكلم الناس في حياتهم اليومية في المغرب و غيره هذه اللغة العربية الفصحى بل يتكلمون لغة تسمى دارجة أو عامية ؟ ما اصل هذه الاخيرة علما ان المغرب به جماعات بشرية كانت او لازالت لها لغاتها الخاصة ؟

من هنا جاءتني الفكرة و هو أنه في البحث عن الاصل لابد أن تكون هناك مستحاثات لغوية في لغة ما قريبة جغرافيا من شمال افريقيا ساهمت في أصل في هذه العامية المغربية ..لانه لا يمكنها ان تاتي من لاشيء .هذا اكيد.

والمستحاثات كمصطلح علمي حديث في الباليانطولوجيا هي بقايا كائنات حية نباتية أو حيوانية أو قوالبها بقيت منحوتة في الصخر منذ زمن طويل يُعد بملايين السنين... (الباليانطولوجيا هي فرع في الجيولوجيا و المستحاثات هو مصطلح ورد في القاموس العربي لعلوم الحياة و الأرض الذي أعدته وزارة التربية الوطنية المغربية) ..

أما المستحاثات اللغوية هنا فأقصد بها تلك البقايا القديمة التي نجدها في اللغة الحالية للغات شعوب بعيدة جغرافيا عن شمال افريقيا أو في لغة شعوب هذه الاخيرة .

هذه المستحاثات اللغوية التي كنت أتوقع وجودها ضمن فرضية تتعلق بأصل اللغة العامية (لغة الشعب) المستعملة في الحياة اليومية للمغاربة رغم وجود الفصحى غير المستعملة سوى في دروس المدارس و في المراسلات الرسمية و القوانين و دواليب الدولة و غير ذلك...بعبارة أخرى لماذا هذه الإزدواجية اللغوية ؟؟

و وجدتها فعلا في العامية السعودية حينما كنت أتابع قناة الجزيرة و الشات (الحوار المكتوب ) المباشر على الجانب الأيمن من قناة يوتيوب المباشرة التي تتحدث عن السعودية و مشاكلها ..و كذلك بمشاهدة بعض الفيديوهات التي تتعلق بالسعودية و المتكلمون فيها سعوديون ..لم يكن موضوع الفيديوهات ما يشغلني بل اللغة الدارجة التي يستعملها اصحابها السعوديون ..


كان البعض على الشات يستعملون الدارجة السعودية المفروض أنها متوارثة أبا عن جد كما يقولون (و لو ان الأطفال يأخذون اللغة عن أمهاتهم و ليس عن آباءهم ..لأن الأمهات هن الاوليات اللواتي يتحدثن الى اطفالهن و يقضين معهم كل الأوقات ريثما يشتد عودهم و حتى بعد ذلك ) ..

المهم أن هذه الدارجة السعودية المتوارثة فيها كلمات توجد بنفس المعنى في الدارجة المغربية ...سأسوق هنا بعضا منها مع مقابلاتها في الفصحى ..

......أنا أبغى ....= أنا أريد

أنا بغيت تْوَرِّي = أنا أريد أن تُظهر

أنا أبي أفهم ...= أريد أن أفهم

إن كلمات بغيت ، بغى و بيت و توري تستعمل بنفس المعنى أيضا في الدارجة المغربية.

كلمة بيتْ تستعمل بمعنى أردتُ أو أريد في منطقة مدينة مراكش المغربية ..

........كلمة اخرى واردة في الجملة التالية :

أنا أبي أفهم وِش السعودية حارقة رزقكم ؟ = أنا أريد أن أفهم هل السعودية حارقة رزقكم ؟

فيها كلمة "وِشْ" (بكسر الواو) المقابلة لاداة الاستفهام "هل" في الفصحى..

في الدارجة المغربية تستعمل الكلمة بفتح الواو أي "وَشْ" التي تعني نفس المعنى أداة الاستفهام "هل" في الفصحى.

و قد تستعمل بمعنى "ماذا "؟ عند السعوديين.لكن في هذه الحالة تأخذ شكل "إيش" و ليس "وِش" ..

في الدارجة المغربية تستعمل بفتح الهمزة" آشْ" بنفس المعنى الآنف الذكر ..

كلمة أخرى :

......لِيشْ = لماذا ؟

تُستعمل في الدارجة المغربية على شكل "لاشْ" أو "عْلاشْ" .

كلمة أخرى

......مَرْقَة marga= صلصة

هذه الكلمة تُنطق بالقاف في الدارجة المغربية بنفس المعنى "مَرْقا" و ليس بالمنطوق g اللاتيني كما في السعودية .

كلمة أخرى

.....وينْ = أينَ؟

أداة الاستفهام عن المكان هذه مستعملة في الدارجة المغربية لكن بإستبدال الواو فاءً هكذا : "فينْ"؟ و بنفس المعنى كاداة استفهام عن المكان "أين" ...

كلمة أخرى

شِنو : ماذا
تستعمل في المغرب يا إما هكذا "شْنو" أو "آشْنو" بنفس المعنى

عبارة "إتفو عليكم"..(انا آسف على ذكر هذه العبارة هنا .لكن الهدف هنا علمي فمعذرة )

... "إتفو عليكم".. في السعودية ربما يقصد بها ما تعنيه العبارة الانجليزية fuck you التي تتحدى الآخر.. و هي مستعملة بنفس المعنى في الدارجة المغربية .

كلمة أخرى

بَحْ ....لاشيء .

نفسها "بح" في الدارجة المغربية بنفس المعنى ..

و إذن كيف نفسر هذا التشابه في اللغة العامية بين السعودية والمغرب بناء على معطيات التاريخ ؟؟

فمن المعلوم ان شمال افريقيا تم احتلالها من طرف بعض الغزاة العرب القدامى في بداية القرن 8 الميلادي.

وكما يقال الحفنة تدل على الشعير. هذه العينة التي رأينا كافية للاستنتاج بأن لغة الغزاة العرب الأوائل لشمال إفريقيا لم تكن هي "الفصحى" و إنما هي هذه اللغة العامية التي نقلوها للأمازيغ و غيرهم في المنطقة . فإنتشرت بين الجماعات و القبائل القليلة آنذاك و التي صار المحتلون الجدد يفرضون عليها لغتهم و ربما يمنعونها من الحديث بلغتها الخاصة تحت طائلة العقاب الإرهابي مثل ما وقع مع الأقباط في مصر حيث كانوا يهددونهم بالعقاب الجسدي ان تكلموا القبطية علنا .

و هذا يفسر كيف فقد أجدادنا نحن ذوي الاصول اليونانية لغتهم الخاصة أي اللغة اليونانية القديمة التي كانت هي لغة الانجيل و لغة الصلوات و القطع النقدية و رموز المسيحية في الكنائس التي لا تزال آثارها شاهدة الى اليوم في مدينة الصويرة المغربية .. فمن المعلوم و المؤكد تاريخيا ان اجدادنا كانوا مسيحيين ...

و بقيت رغم التعريب بعض أسماء العلم في عائلاتنا و بعض المفردات القليلة والتي ضمنتها في مقالات بعنوان " الركراكيون أصلهم إغريقي" 1 و 2 و 3 ...الخ هنا في موقع الحوار المتمدن ..

و بما أن هؤلاء الغزاة في بداية القرن الثامن الميلادي (804م) لم يكونوا يتكلمون اللغة الجديدة عليهم هم ايضا و هي الفصحى المتكونة حديثا في شبه الجزيرة العربية آنذاك فقد كانوا يعيشون في إزدواجية لغوية مثل اليوم نقلوها معهم للمغاربة و لشمال افريقيا كلها بل حتى لشمال شبه الجزيرة العربية نفسها .فالفصحى ليست هي اللغة اليومية في السعودية مثل المغرب تماما و باقي البلدان في شمال افريقيا و شمال شبه الجزيرة العربية .

و لذلك في المغرب حيث كثافة الامازيغ مرتفعة مقارنة مع باقي المناطق الشمال افريقية فقد دخلت عليها مفردات امازيغية كثيرة و يونانية و سومرية قديمة و غير ذلك حسب المناطق المغربية .

فكلمات :
"بْرا" (رسالة)

و "ساروت "(مفتاح)

و "شحال ؟" (كَمْ ؟ أو بِكَمْ ؟ )

و الكثير من المفردات الامازيغية الموجودة داخل اللغة العامية المغربية ،
و المفردات اليونانية مثل كلمة "ركيا reguiya"(الأرض) التي نجدها في منطقة مراكش حيث الركراكيون ذوي الاصل اليوناني ،
و المفردات السومرية مثل الفعل "قِ" (إفعل) و "قَ" (فَعَلَ) المميزة لقبائل جبالة ذات الاصل السومري ،

التي نجدها مختلطة مع العامية السعودية المعاد نطقها بشكل مختلف تدعم هذا الاستنتاج الذي توصلنا له هنا ..

و بما ان الناس في اغلبهم لم يكونوا متعلمين و لا يكتبون ، فقد كانوا لا ينطقون المفردات بالضبط مثل ما كانوا يسمعونها من المحتلين العرب القدامى.لأنها كانت غير مكتوبة .و غالبا ما كانوا ينطقونها مختلفة عن نطقهم حسب المسافة التي كانت تفصلهم عن المتكلمين و التي سمعوها منها ..

و هذا ما يفسر ما رأينا أعلاه في الأمثلة أن هناك فتح الواو في كلمة "وش" (هل) السابقة الذكر عوض كسرها كما تنطق في السعودية اليوم بنفس المعنى .و كلمة "ليش" (لماذا) صارت في المغرب "لاش" بل البعض زادها حرف آخر فصارت "عْلاش"..و كلمة "وين" (أين) صارت "فين" بنفس المعنى في المغرب ..و قس على ذلك ...

بل يمكننا أن نذهب أبعد من ذلك في الإستنتاج بأن اللغة العامية السعودية أو ما يشبهها ، نظرا لتطور ممكن عبر الزمان، هي التي كانت مستعملة عند القبائل السائدة في الحجاز (المنطقة الشمالية الغربية للسعودية الحالية) قبل الإسلام .و إستمرت بعده إلى اليوم .و هذا ما أدى لهذه الإزدواجية اللغوية الملاحظة في السعودية منذ إصطناع اللغة الفصحى (بتعبير الدكتور طه حسين) أثناء حلول الإسلام .لأنها لم تُكتب و لم يتم ضبط نحوها و تصريفها و قواعدها إلى بعد الاسلام بفترة ليست بالقصيرة ..

و هي الازدواجية التي نقلها إلى شمال افريقيا من إتخذوا القرار في الحجاز بغزو المنطقة بعد وفاة الرسول ، وضدا على تعاليمه التي تقول " و لا تعتدوا" ...بل نقلوها الى كل مكان حلوا به ضيوفا غير مرغوب فيهم نحو شمال شبه الجزيرة العربية في العراق و فلسطين و سوريا و لبنان و غير ذلك، و شرقها جهة إيران و أفغانستان و غيرهما و جنوبها نحو إفريقيا السمراء .

إلا أن العامية السعودية في المغرب و غيره من بلدان شمال افريقيا إصطدمت باللغة الامازيغية و غيرها من اللغات و المفردات التي بقيت صامدة عند شعوبها و اخترقتها حتى صارت مختلفة عنها بقدر غير يسير...(وكمثال آخر على ذلك العامية المصرية المتأثرة بلغة الشعب القبطي في مصر ).

إذن يمكننا الاستنتاج دون هامش كبير في الخطأ أنه في العامية المغربية إذا وجدنا أي مفردات ليست من الفصحى أو ليست من الامازيغية أو اللغات الأوروبية أو السومرية ، فأصلها غالبا سيكون من العامية السعودية أي من دارجة الحجاز بكل تاكيد ..

و للاسف ان كثيرين في بداية هذه السنة الدراسية ، حين وردت مفردات من الدارجة المغربية في مقررات دراسية مغربية ، غضبوا و أرغوا و أزبدوا بل منهم من هدد بحمل السلاح ضد صاحب الفكرة نورالدين عيوش ، وهم لا يعلمون أن بعضا من أصل هذه الدارجة سعودي اي من بلاد الحرمين كما بيننا بكل وضوح اعلاه .

و لتحقيق الاستقلال الثقافي عن الشرق و عن كل ما يمت بصلة للارهاب فاعتقد ان الحل الوسط بين العربية و الامازيغية ، نظرا لحساسية الموضوع السياسية ، هو تبني لغة جديدة في المغرب .

هذا هو السبب الذي جعلني ذات مرة ، متجردا من كل انتماء ، اقترح في مقال سابق و قديم ان تكون اللغة الرسمية في المغرب و لغة العلوم الحديثة هي اللغة الفرنسية .

بطبيعة الحال تبقى هذه الافكار مجرد اراء و اقتراحات قابلة للنقد العلمي و للرفض .هدفها المساهمة في حل مشاكل المنطقة .و لا طمع في جني اي ربح مادي من وراءها كما تعلمون في المغرب .لان رفع الحرج عنكم و تحقيق ارتياحكم عندي هو اغلى من كل ربح مادي وما سواه..

مع تحياتي







التعليقات


1 - الهاجس الديني كان أولى من الهاجس التعليمي والتربوي
حميد فكري ( 2018 / 11 / 19 - 20:27 )
تحية للسيد الكاتب .
للأسف أغلب من أشهر سيفه ضد إستعمال بعض الكلمات بالدارجة المغربية في أحد المقررات الدراسية ,.لم يكن على أساس علمي وتربوي ,بل على أساس أيديولوجي ديني صرف .فالهاجس عنده ,كان في المقام الأول الحفاظ على موروثه الديني لا الحفاظ على المستوى التعليمي ,الذي هو أصلا دون المستوى ,-إعتقادا منه أن إدخال الدارجة هو إستهداف لهذا الموروث بالذات .خصوصا وهو يربط بين الدين واللغة العربية ويماهي بينهما .
فالتعليم يأتي في المرتبة الثانية ,بينما الموروث الديني له الأولوية .لهذا خسروا التعليم ومعه خسروا كل شيء ,فبالتعليم يدشن الإنسان الحضارة المعاصرة وليس بالدين .

اخر الافلام

.. الجيش الوطني الليبي يحرر حقل الفيل النفطي


.. الاتحاد الإنجليزي يفرض عقوبة على يورغن كلوب


.. إيران.. استمرار لغة التصعيد




.. ولي العهد السعودي يصل بكين في زيارة تستمر يومين


.. مظاهرات -موكب الرحيل- بالخرطوم.. مطالبة بإسقاط النظام وتشكيل