الحوار المتمدن - موبايل



تحليل ونقد تجارب الثورة والإصلاح في روسيا (3)

ميثم الجنابي

2018 / 11 / 30
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


بعد فشل "المحاولة الانقلابية" في عام 1991 برزت إلى الأمام مهمة "السير قدما صوب الإصلاح الديمقراطي". حينذاك، اخذ التاريخ المنصرم يجثم بثقله على عقول ونفوس المعاصرين، لكن من خلال موازينه المقلوبة. لقد أعطى انهيار "القدماء" الجديد فرصة "للجدد" في تعميق الانهيار القديم. وهي صيغة سادت في ابتذالها أعواما خمسة من التهليل والتضليل والمراوحة والتخذيل في الاجتماع والاقتصاد والثقافة والعلم المميزة "للإصلاح الغورباتشوفي".
لقد أثار فشل "الانقلاب" آنذاك لهفة الآذان للاستماع إلى كل الأصوات وكأنها جوقة لا مرئية في "سيمفونية" الديمقراطية الصاخبة. وكان بالإمكان أن تتناسى الجموع أرواحها وتطرحها على اكف الأحلام الهائجة في الخطابات الديماغوجية كما لو أن هذه الخطابات اكثر واقعية وصلابة من الواقع نفسه، كأن تقتنع بكلمات يلتسين عن أن روسيا حالما تستقل من الاتحاد السوفيتي سوف تصبح في غضون سنتين من أغنى بلدان العالم. ولكن يلتسن لم يوضح ماهية هذا الغنى، وما إذا كان يعني الازدهار والثروة أم الفقر والجريمة. أما الصورة الفعلية لهذه الرغبة الديماغوجية فتقوم في تحول روسيا بعد سنوات قليلة من سيطرة السلطة اليلتسنية إلى اكثر بلدان العالم فقرا! أما "الطوباوية السوفيتية" التي صوروها صندوقا للشر العالمي ولمثالب الكون كله، وليس لبعض ملامح التاريخ السياسي الروسي، فلم تعد كافية لإثارة الوعي الاجتماعي "الديمقراطي" أن يرى نفسه بمرآته. وأخذت هذه الديمقراطية تصور نفسها بعد أن تحسست للمرة الأولى "صعودها الثوري" إلى سدة الحكم بالصور النموذجية المتراكمة عن ثورة أكتوبر وأيامها التي "هزت العالم". لقد جرى تصوير أيام "انقلاب" 1991 الثلاثة، وكأنها الأيام التي هزت العالم"، كما لو أن الفرق بين أكتوبر1917 وآب1991 مجرد فرق كمي لا غير.
لقد استصغرت الديمقراطية الروسية الجديدة ما وراء الأعداد من رمزية التاريخ التي يستحيل محاكاتها بالعبارة، وأضفت أهمية على الناحية الكمية كما لو أنها ذات قيمة بالنسبة للثورة والتاريخ المعنوي للأمم. ويعكس ذلك أولا وقبل كل شيء ما تتميز به الديمقراطية الروسية (الليبرالية) من صعود طارئ ووجود هامشي وأيديولوجية مبتذلة.
ولاحقا أخذ ثالوث العرضية والهامشية والابتذال بالبحث عن "قدسيته" في تهميش وابتذال كل ما هو عظيم في التاريخ الروسي والسوفيتي. ومن الممكن الاكتفاء بالتدليل على الطابع الطارئ للديمقراطية الليبرالية الروسية المعاصرة بالإشارة فقط إلى افتقار أعلامها للكفاءة العلمية والمهنية. وإذا كان سلوكها في بادئ الأمر يتسم بالحذر والخوف، فان "راديكاليتها" اللاحقة تكشف أيضا عن صعودها الطارئ وعدم ثقتها بالآفاق السياسية الجديدة لظهورها على مسرح الأحداث التاريخية. لهذا سرعان ما أطلقت على محاولاتها الأولى في الإصلاح كلمة "الثورة". ثم عملت بخجل من خلال الدعاية الفجة بالأموال المسروقة لإقناع الوعي الجماهيري عن أن مضمون "انقلابها الثوري الجديد" يهدف إلى نقل روسيا من الاشتراكية إلى الرأسمالية! وهو شعار متميز بالفجاجة والاستخفاف بالعلم التاريخي والرؤية الاجتماعية والاخلاقية للتقدم الإنساني.
إن الطابع الطارئ للسلطة الجديدة يتبين كذلك في "المصير الشخصي" لأغلب رجالها الأوائل. فما هي إلا بضع سنوات حتى فاقت جرائمهم في السرقة والاندماج في مؤسسات الاحتيال والنصب والعصابات كل ما يتخيله المرء. وعلى خلفية ذلك اصبح من الممكن القول: إن رذائل الشيوعيين هي فضائل الديمقراطيين! فقد هرب الكثير منهم واختبأ في إسرائيل والولايات المتحدة ودول أوربا الغربية وفي بعض دول أميركا الجنوبية، وجرى سجن العديد منهم لسرقاتهم ونهبهم المفرط! وسقطت أغلبيتهم الساحقة حتى أصبحت اسماؤهم رديفا لسوء العاقبة! بينما تحول الصراع اللاحق بينهم من اجل سرقة ما تبقى (تحت شعار دفع الإصلاحات حتى النهاية) صيغة تكشف عن هشاشتها التامة. أما الحجم الحقيقي لجريمة العرابين والمنفذين في الأحداث التاريخية ونتائجها ما بعد "الثورة الديمقراطية" لعام 1993، فسوف يكشف عنه المستقبل سواء بمعايير التقييم التاريخي والاخلاقي او الحقوقي. الا ان صيغته الاولية اصبحت اقرب ما تكون الى بديهية سياسية، وي ان الليبرالية الروسية هي عين الرذيلة والخيانة!
فقد أعارت الديمقراطية اللبرالية الروسية جل اهتمامها لكيفية ركوب موجة الصخب الدعائي والاغتراب الإنساني وصحراء الخواء الروحي والخيانة المتراكمة في مجرى هزائم الغورباتشوفية والاشتراكية البيروقراطية. وجعلها ذلك تنظر إلى الإنجازات "النظيفة" للرأسمالية بمعزل عن قذاراتها وجرائمها التاريخية. لقد سعت إلى استعادة وتكرار تاريخ الرأسمالية في غضون سنوات معدودة. وهو وهم كان يصعب على رجال الديمقراطية الروسية المعاصرة رؤيته، بفعل افتقادهم للرؤية التاريخية، ولان تصوراتهم "العلمية" عن آفاق الرأسمالية المتطورة في روسيا اشد ابتذالا من أحلام البروليتاريا الرثة في بداية القرن عن شيوعية الغد. وحالما بدأت الليبرالية الروسية بتطبيق مشاريعها الأولى في الإصلاح الاقتصادي، فأنها سارعت إلى خصخصة ملكية الدولة البيروقراطية تحت شعار صنع طبقة وسطى عريضة.أما النتيجة المترتبة على "صكوك الملكية" فقد كشف عنها واقع هبوط قيمتها إلى ما يعادل ثمن علبة سجائر فقط! وهو الخداع التاريخي الأول في بدائل الديمقراطية الروسية. فقد استطاعت بين ليلة وضحاها جعل الأغلبية الساحقة من الشعب بدون ملكية فعلية، وأثارت في أتباعها حمية الخيانة للمصالح العامة وإغواء المنافسة القذرة و"تهذيب" روح السرقة و"تنقية" العصابات وكل ما حفل به تاريخ الرأسمالية من صيغ "متمدنة" للقتل والسرقة والنهب والابتزاز.
فقد صوروا الخصخصة في بادئ الأمر على أنها الدواء الشامل لعلاج الاقتصاد السوفيتي المريض، و"صكوك الملكية" هي العصا السحرية وتكديس الملايين. وكشفت عن سحريتها الواقعية (أو المقلوبة) في تبخيرها الأصفار الأربعة للعشرة آلاف روبل المعدة لكل مواطن روسي وتحويل هذا المبلغ في غضون فترة بسيطة إلى ما يعادل روبلا سوفيتيا واحدا! وهي نتيجة تعكس في رمزيتها صفر الديمقراطية الروسية المعاصرة في إصلاحاتها وسطحيتها في الاقتصاد والتاريخ. بصيغة أخرى، شكلت الخصخصة و"صكوك الملكية" الأسلوب المبطن لتمرير الرأسمالية، التي كانت في الواقع الأسلوب السياسي الاقتصادي للطفيلية الجديدة. وليس مصادفة أن تشكل الخصخصة الأجراء الأكبر و"الإنجاز الأعظم" للنظام الجديد في تخريب مناعة المجتمع والدولة. ويمكننا القول، بان الخصخصة و"صكوك الملكية" أساس بناء النظام الطفيلي العصاباتي الذي ساد روسيا ما بعد انهيار التجربة السوفيتية وبقايا الفاعلة لحد الان في مختلف مجالات الحياة. فالإحصائيات الرسمية لوزارة الداخلية تشير إلى أن عدد الجرائم المقترفة في ميدان الخصخصة منذ عام 1992 حتى عام 1996 بلغ حوالي (35000) جريمة اقتصادية كبيرة. وفي العام 1995 - 1996 جرى اقتراف حوالي (2000) جريمة. وهي أرقام رسمية يصعب الثقة التامة بها. ولكنها تشير في الوقت نفسه إلى واقع الجرائم الهائلة في هذا الميدان. والمقصود بالجريمة هنا يعادل القتل. هذه النتيجة أدت بمرور أعوام قليلة إلى ترسيخ قناعة تامة في أوساط المعارضة السياسية والاجتماعية والأغلبية الساحقة من الجماهير بطابع الخصخصة المدمر،الذي يصعب العثور على مثيل له في تاريخ حروب الشعب الروسي خلال تاريخه الحديث.
أفرزت سياسة "صكوك الملكية" والتي دعاها الشعب الروسي بصكوك السرقة، أسس المدنية التي فرّخت "الأهرامات المالية" (البنوك الكاذبة) والروح اليهودي الربوي بكل قسوته ورذائله "النموذجية". إذ طبقت الديمقراطية الروسية، رغم مفارقة الظاهرة حذافير الحقيقة التي سبق وأن قالها ماركس عن ثورات الماضي باعتبارها ثورات تستمد قصائدها من الماضي. "فالثورة الديمقراطية الروسية" هي "ثورة الماضي". لأن "انتصار" الثورة البرجوازية على الاشتراكية يبدو من الناحية الزمنية تفنيدا لما تمت البرهنة عليه بالأعمال الإنسانية الشاقة للملايين في بناء عالم خال من الاضطهاد والاستغلال والهيمنة والتسلط، ولأنه من الناحية التاريخية شبيه بمفارقة العصر و"الاستهزاء المرّ" بالحقيقة. أما في مضمونه الاجتماعي الأخلاقي فقد كان "الانتصار الديمقراطي" نكوصا شاملا للروح الإنساني، يعكس في جوهره الفوز المؤقت للثورة المضادة. أما الاعتقاد الذي توّلد في خلد البرجوازية الروسية عن معالم التقدم الاجتماعي في "انتصاراتها"، فلم يكن في الواقع اكثر من أوهام تعكس أولا وقبل كل شيء هامشيتها التاريخية والأخلاقية.
أصبح السير إلى الأمام وإلى الخلف بالنسبة للديمقراطية الروسية، شيئا واحدا. إنها أساءت فهم "الدورة الخالدة" للتطور. لهذا وجدت في الرجوع إلى ماضي الرأسمالية أسلوبا للقفز إلى الأمام. وهو أسلوب يعكس طفيليتها وابتذال وعيها الاجتماعي والتاريخي. وذلك لأن محاولاتها استمداد قصائدها من الماضي الروسي يضعها في تضاد معه. من هنا غربتها وغربيتها. إلا انه لا معنى لهذه الغربة (الغربية) في ضوء التاريخ الروسي للقرن العشرين. لذا حاولت رميه بشكل يعطي لأفعالها صبغة مضحكة في محاولاتها الاستحواذ على كل ما يمكن الاستحواذ عليه. والاقتصار على مظاهر البهرجة المزيفة المميزة لنفسية وذهنية البرجوازية الطفيلية والكومبرادورية كالانهماك الشديد في ترميم الكنائس وتخريب الأخلاق، وترميم بعض المباني القديمة من اجل بيعها في أسواق العصابات، واستعادة بعض شعارات القيصرية دون قياصرة وأمراء، وإعادة ترميم الكرملين بتكاليف تجعل من رئيس الديمقراطية شبيها بأباطرة القيصرية المتهرئة، وإحياء مومياء الأرستقراطية والنبلاء ببيع وشراء ألقابها في مزاد المضاربات، وإشاعة الحرية المحررة من كل التزام بقيم ومصالح الأمة والدولة، و"الدفاع" عن العلم من خلال دعوة الأساتذة للاعتماد على أنفسهم! ودعوة المنتجين الوطنين للمنافسة في ظل شروط لا تدفع فيها حتى أجور العاملين! وتطوير الزراعة "بالطريقة الأمريكية" التي قصمت ظهر الجميع. وهكذا تحولت روسيا في غضون سنوات معدودة إلى مستورد هائل لكل السلع التي لم تخطر على بال الانسان الروسي، بحيث شملت كل شيئ بدون استثناء حتى قناني المياه العادية للشرب، بل وتجرأ البعض على استيراد الثلج والجليد "النظيف"!!
وبغض النظر عما في هذه المقارنات من استخفاف يعكس "خفة" الروح الديمقراطي الروسي المعاصر فقد ظهرت نتائجها المباشرة في الانحلال التدريجي للبنية الاجتماعية الاقتصادية للدولة وإهدار الطاقات العلمية والتكنولوجية والثقافية التي تراكمت أبان عهد الدولة السوفيتية. وازدياد وتعمق عناصر الفساد والإفساد الشامل للدولة والمجتمع. فاقتصاد السوق الديمقراطي لم يؤد إلى الفقر والبطالة فحسب، بل وصنع على مثاله إفقار السوق الوطنية المنتجة، وتهريب الثروات الوطنية إلى الخارج (تقدر بمئات المليارات من الدولارات في البداية فقط!) وإبداع شبكة منظمة من اقتصاد الظل يشغل ما يقارب 45% من الاقتصاد الوطني.
لقد دفع التراكم الدائم للفساد الشامل بالسلطة لإنشاء ما دعته بمجلس الأمن الروسي، الذي دشن بداية عمله بخطة الحرب الشيشانية من اجل إعادة "الجمهورية العاصية" إلى أحضان النظام الدستوري! أما سياسته اللاحقة فلم تتعد في الأغلب حدود الإشارة إلى حالة التدهور، وصياغة ما سمي على التوالي بإستراتيجية الأمن الغذائي والأمن الحدودي والأمن الطبيعي والأمن الصناعي والأمن القومي والأمن الحقوقي والأمن الدستوري. ولا يعني ذلك في الواقع سوى الغياب الشامل للأمن. بمعنى النقص الغذائي والتسيب الحدودي والدمار البيئي والخراب الصناعي وغياب القانون وتشوه الدستور.
شكلت أحداث أكتوبر عام 1993 بداية الأزمة العميقة في السياسة الليبرالية الروسية. فاشتداد المعارضة الاجتماعية للسياسة الداخلية والخارجية دفع السلطة إلى افتعال ما سمي بإعداد البرلمان للانقلاب والثورة ومن ثم إلى قصفه بالأسلحة الثقيلة وحله وسجن العشرات من المدافعين عنه، إضافة إلى منع الصحف والأحزاب والحركات الاجتماعية من النشاط السياسي. وفي أعقاب ذلك ولد "الدستور الديمقراطي الجديد" الذي جرى تصويره آنذاك على انه الدواء النهائي لمرض الكيان السياسي الروسي. أما في الواقع فقد كان هذا الانقلاب "الدستوري" اقرب في حيثياته وغاياته إلى نماذج الانقلابات والمؤامرات التقليدية في الدول المتخلفة. إذ استطاعت السلطة آنذاك إخماد المعارضة وتوفير الجو المناسب لسن وإقرار "الدستور الديمقراطي"،الذي وصفته المعارضة بأنه مجموعة مواد يتحكم بها الرئيس كما يشاء ومتى يشاء. والغريب في الأمر أن يجري تصويره على انه الأكثر ديمقراطية. في حين تفتقر السلطة للتأصيل الفكري والسياسي للدستورية والديمقراطية. فقد كان الدستور "اليلتسني" السابع من نوعه في تاريخ روسيا القرن العشرين، وأسوؤها نوعية لإهماله عبرة التاريخ الوطني وعجزه عن صنع توازن في مكونات السلطة وديناميكية فعلها. وهي الأمور التي أخذت تظهر بوضوح بدءا من نتائج الانتخابات، التي أجريت بعد الانقلاب "الدستوري". ولم يحصل مؤيديها (من جماعة خيار روسيا) إلا على اقل النسب بعد جماعة (التفاحة)، بينما احتل الحزب الليبرالي الديمقراطي وحزب الفلاحين على أعلى نسبة من المقاعد. وهذه الحصيلة تأكدت ثانية في الانتخابات الثانية للدوما عام 1995، حيث فاز الحزب الشيوعي الروسي بأعلى نسبة(22،31) والحزب الليبرالي الديمقراطي (6،11) و(روسيا – بيتنا) على (89، 9) وتجمع التفاحة على (93،6).
إلا أن هذه النتائج كانت عاجزة عن تغيير السياسة الداخلية والخارجية بسبب فرعونية الرئاسة وخصوصية الدستور اليلتسني وشخصية الرئيس نفسه. فقد كان الدستور اليلتسني، الذي دعته الجماهير بدستور الجيب، لأنه يجعل من كل ما تقوم به السلطة قانونيا! فمن الممكن حل المحكمة الدستورية الأولى في تاريخ روسيا لأسباب سياسية (وذلك لمعارضتها الانقلاب) وتشكيل بديل لها لأسباب سياسية أيضا. وعوضا عن الكفاءة حلّ التملق والحذلقة والوضاعة والخساسة المتمرسة بروحها العبودي في خدمة السلطان والأعيان. وهي نتيجة طبيعية لوصول الهامشية الاجتماعية والسياسية إلى السلطة.
وكشفت نتائج الانتخابات التي جرت في ظل السيطرة المطلقة للسلطة على وسائل الأعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة وعلى مصادر الحياة الاقتصادية والعسكرية والأمنية الأساسية عن تحول عميق في الوعي الاجتماعي السياسي باتجاه تأييد الجماهير للمعارضة السياسية اليسارية. فلم يبق للسلطة التنفيذية المتحكمة بمقدرات البلاد سوى نسبة ضئيلة في البرلمان متمثلة بجماعة (روسيا - بيتنا). وإذا كانت هذه النتائج تعكس إلى حد ما رد الفعل المباشر والواعي على السياسية الاقتصادية والاجتماعية للسلطة، فأنها تتماشى أيضا مع إعادة تقييم الأحداث الماضية في الوعي القومي والاجتماعي السياسي ككل. فقد تراجع التشكيك ببطولات التاريخ السوفيتي، ووضع علامة مساواة بين الشيوعية والفاشية وبين ستالين وهتلر، واضطرت السلطة نفسها للاعتراف بعيد النصر على الفاشية (مع تغير الاسم إلى "يوم السلام") ورفع الرايات الحمراء، وبثورة أكتوبر (مع تغير الاسم إلى "يوم الوفاق"). ولم تعد كلمة الشيوعي والبلشفي والثوري سبة وشتيمة إلا على السنة "الديمقراطيين". وتغير الوعي الاجتماعي إزاء أحداث 21-8-1991 أو ما يسمى بالمحاولة الانقلابية وحلّ الاتحاد السوفيتي وأحداث الرابع من تشرين الاول عام 1993 (قصف البرلمان وحله)، باتجاه إدانة السلطة الحالية والتعاطف العميق كما ونوعا مع المعارضة.
هذه النتائج في خلاصتها دليل على أزمة الليبرالية الروسية. فليس مصادفة أن تتحول كلمة الإصلاح إلى مفتاح كل خطاب ومناسبة. لقد جرى توليف الطابع الطارئ والهامشي والمبتذل للسلطة في صنمية الإصلاح المعبّرة عن مصالح الطفيلية المتجسدة في الفكرة القائلة بأنه لا يوجد في روسيا حاليا سوى ثلاث طرق للتطور الاجتماعي السياسي والاقتصادي: طريق الرجوع إلى النموذج السوفيتي، أو إصلاح بلا ديمقراطية، أو الاستمرار بطريق الإصلاح الديمقراطي. وهي فكرة تحصر التاريخ وإمكاناته ضمن شرطية مسّطحة ورمزية مبتذلة من اجل توليد التداعيات المباشرة في الوعي العادي عن السوفيتي القديم، والديمقراطي الجديد، أو الأسود (السوفيتي) والأبيض (الديمقراطي) بدعوى أن السلطة الروسية المعاصرة تسلك الطريق الأمثل (الإصلاح والديمقراطية). وتتصف هذه الفكرة بذكاء المراوغة والمكر وحماقة الرؤية "الإستراتيجية"، التي هي أيضا رؤية أيديولوجية. بينما الأيديولوجيا مغّيبة في تاريخ الديمقراطية الروسية المعاصرة. وفي افضل احوالها تشبه خنزيرا سياسيا يلتهم سقط متاع الأفكار والوقائع من اجل تحويلها إلى شحم العبارات والشعارات المباشرة في تفكيك الدولة وإخضاع المجتمع الروسي للسيطرة الرأسمالية (الأجنبية).
أننا نقف هنا أمام الانهيار الكامل للشعارات التي حاولت الديمقراطية الروسية أن تجعل منها امتيازها الخاص على مسرح روسيا السياسي المعاصر. وهو انهيار وثيق الصلة بالطابع الطارئ للسلطة وهامشيتها الاجتماعية وفقدانها للرؤية الاجتماعية التاريخية. أي فقدانها أيديولوجيتها الروسية المناسبة.
فالديمقراطية (أو الليبرالية) الروسية المعاصرة لم تعان من الناحية الفكرية والسياسية، كما هو الحال بالنسبة للحركات الاجتماعية السياسية الكبرى ما قبل ثورة أكتوبر والبلشفية منها بالأخص، مخاض المساعي التلقائية لانتاج أيديولوجيتها الاجتماعية والقومية والدولتية. ولم يجر التأسيس لها فلسفيا ولا تاريخيا ولا سياسيا ولا أدبيا ولا حتى لغويا. أما ميدانها الوحيد فهو الصحافة والإعلام الدعائي، وهو أدنى مستويات التأصيل "النظري". وليس مصادفة أن تصوغ مفاهيمها السياسية والاقتصادية والعملية بمصطلحات لاتينية غير مفهومة للأغلبية المطلقة من الشعب. وهذا دليل عجزها عن إبداع أيديولوجية فعالة وقادرة على توحيد المجتمع وإنهاضه صوب تحقيق البديل الأعمق والأكثر إنسانية. إذ لم يكن بإمكانها الاعتماد على الدين (الارثودوكسي - النصراني الروسي) رغم استغلاله الجزئي (في محاربة الشيوعية!)، كما لم يكن بإمكانها الاعتماد على عناصر الفكرة القومية الروسية أو مبادئ الوحدة السوفيتية، لان كلا من (الأرثوذكسية والقومية والسوفيتية) يتعارض تعارضا شبه تام مع التوجه الغربي- الأوربي واليهودي (الصهيوني) الربوي فيها. مما حدد بدوره غياب عناصر القوة القادرة على توحيد المجتمع والدولة بمبادئ القانون والدولة القومية والعدالة الاجتماعية. فكانت الحصيلة المباشرة لهذه العملية هو استفحال الفساد وشموله كافة ميادين الدولة وانحلال مؤسساتها وتلاشي إمكانيات بناء المجتمع المدني والوحدة الاجتماعية والقومية بالشكل الذي يجعل منها مصدرا للتقدم الاجتماعي والإنساني.
إن غياب الأيديولوجية القومية عند الديمقراطية ( الليبرالية ) الروسية المعاصرة، أو التغييب الأيديولوجي للمصالح القومية والدولتية الكبرى لروسيا هو الانعكاس الفكري لإفلاس تلك الديمقراطية. وليست دعوة السلطة آنذاك، وبعد كل هذه المآسي والخلل، الى إنشاء أيديولوجية للدولة الروسية سوى الصدى الباهت والوهم الأيديولوجي عن إمكانية صنع أفكار قادرة على الفعل بقرار إمبراطوري (أو رئاسي أو ما شابه ذلك) خارج إطار تكونها وصيرورتها الطبيعية في مجرى تمثل الآفاق الأكثر تقدمية لإمكانيات التطور الاجتماعي والقومي. الامر الذي أدى في نهاية المطاف الى أن يتحول الاصلاح الى فكرة صنمية من حيث الشكل، اما في حقيقته الفعلية فقد كان إصلاحا مضاد! وقد وضع كل ذلك امام التاريخ والوعي السياسي الروسي قضية الإصلاح الحقيقي، باعتبارها الإشكالية الحساسة والضرورية للبديل الاجتماعي والسياسي والثقافي الروسي المقبل.
***







اخر الافلام

.. عاصفة الحزم أفشلت المشروع الإيراني باليمن


.. سباق الأخبار- أرديرن شخصية الأسبوع وردود فعل المجزرة حدثه ال


.. ازالة الإشارة من الفيس بوك .. قناة أبو رعود العراقي




.. ما هي الرسالة من -كفوا الأيادي عن بيعة البغدادي-؟


.. سوريا الديمقراطية تحذر من الخلايا النائمة لداعش