الحوار المتمدن - موبايل



الثقافة والتاريخ ليس بإمكان أحد تغيبهما ..

مروان صباح

2018 / 12 / 4
مواضيع وابحاث سياسية


الثقافة والتاريخ ليس بإمكان أحد تغيبهما ..

مروان صباح / عاشت الجمهورية التركية زَمَن من التيهة بين حركتها الجديدة التى تسعى من خلالها إعادة المجتمع التركي إلى حقبة ما بعد يوم فتح القسطنطينية 1453م وبين حقبة الجمهورية الحديثة 1929 م التى إنتمت في تشكيلاتها الجديد للثقافة والمنطق الغربي وبالفعل اكتمل دور الانتماء من خلال عضويتها في كل مِنْ مجلس أوروبا والحلف الأطلسي والمجموعة العشرين وغيرهما ، لكن في واقع الحال ، لم يتحمل المجتمع التركي إجراءات الجمهورية الأولى التى سعت بلإطاحة للمفاهيم الراسخة وسرعان ما أخذت الأكثرية زمام المبادرة من أجل توقيف تلك العناصر الساعية لتغير ركائز البلاد من خلال إنتخابات ديمقراطية كانت قد جاءت بالرئيس المعدوم لاحقاً عدنان مندريس كأول رئيس حكومة منتخب بين 1950 - 1961 م وبالرغم أن الرجل يعتبر من مؤسسين حزب الشعب الذي آسسه اتاتورك وهذا يكشف عن خلاف نشاء مبكراً بين فكرين في الجمهورية الأولى والثانية التى كاد عدنان أن يحققها، وبالتالي كشف الواقع ايضاً عن النمط الذي اتبعه الرئيس الحالي اردوغان في معالجة وتقليل الخلاف والمخاوف بين رغبات الملتزمين من الأتراك والعلمانيين منهم ، لكن يسجل التاريخ لمندريس بأنه جاء من بين مكونات وشخصيات كانت ليست جديرة في ريادة تركيا في تلك الحقبة التى اتسمت بعسكرة الحوكمة فالرجل قد كان أسس مشروع تركيا الأكبر ، عندما وفر السدود في جميع مناطق الجمهورية الذي عكس ذلك على قدرة تركيا التصديرية بين الأوروبين والشرق الأوسط ، تفوقت تركيا في تصدير زراعة القمح والتين والبندق والعنب والقطن والشاي وفي مختلف أنواع وأشكال الخضروات والفواكه .

قد يتساءل سائل هنا عن هذا التعايش بين الماضي البعيد والحاضر الحديث ، فالمزج بين الدين والعلمانية لم يكن طارئ بقدر أنه كان مغيب ، فهو بنيوي بلا شك وله نسيج يعلو منسوبه أحياناً وينخفض تارةً ، فهناك من ظن بأن الأمر فوضوي أو مصادفة بلا مراجع لكن الحقيقة قد شهد نمو بشكل طبيعي لأن التدين في تركيا قائم على الفلسفة الصوفية التى تستطيع حسب أدبياتها أن تجّتمع مع الأخر حتى لو كان الخلاف عميق بل أحياناً لدرجة التماهى معه فكيف لها لا تجتمع مع مجموعات من المجتمع الواحد ، وهذا قد أظهره عدنان مندريس ويخطو الرئيس اردوغان على ذات الخُطى خلف سلفه في إظهار التمازج المحيّر للشكلانيين ، بالطبع صوفيون تركيا ( هم سنة أحناف ) لكن روح التصوف أي السلوك والطباع كامنين في المذهب الذي يجعلهم براغماتيون أمام مصالحهم العليا التى تفرضها أطوار السياسة الدولية على إرادة البلاد ، وهذا يفسر بإختصار سلوك أردوغان البراغماتي الذي يصعب على الكثير تفهمه من جانب ويؤكد أيضاً من جانب أخر ، بأن العلاقة الخاصة المأثورة ليست نهاية المطاف بل المزج أو التبدل احياناً ليس مثير للعجب لدى الأغلبية الساحقة ، وبالطبع في النهاية الخوض في تركيبات المذاهب التى جاءت بعد النص والسنة لها مجالاتها وتحتاج إلى تفكيك نشأتها وتطورها وامتداداتها الدوليّة لأن الصوفية مذهب متفرع من بين جميع الأديان وهو مذهب قد تفرع عمودياً احياناً ودائرياً اطوراً .

قد يفسر البعض حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بشكل اختزالي الذي أشاعته بعض التفسيرات التبسيطية للحديث ، لكن عندما يربط المرء الحديث بطبوغرافية تركيا وبالعالمين الغربي والشرقي يستطيع حينها فهم المعاني الدفينة لحث النبيّ فتح القسطنطينية ، يقول الحديث ( لتفتحن القسطنطينية فلنعم الأمير أميرها ولنعم الجيش ذلك الجيش ، وبالفعل بفتحها أصبح هناك سد هائل من البشر والثقافة أمام الزحف الغربي التقليدي الذي اعتاد على إستعمار المنطقة ، لكن تبقى هناك مسألتين هامتين ، الأولى قد عمد الرئيس اتاتورك تغير علائم الدولة الإسلامية تمهيداً لتغير الثقافة المجتماعية فجعل من أنقرة عاصمة للجمهورية وبالرّغم من سلسلة إجراءات متوالية أراد بها اثقال عاصمته الجديدة ، إلا أن إسطنبول تبقى العاصمة الأثقال ثقافياً وتجارياً وسياحياً وسياسياً ، فالعاصمة التجارية كما يُطلق عليها ، إنتاجها يقدر من الناتج القومي التركي 22 % وتنتج 55 % من الصادرات التركية إلى الخارج وتوفر 20 % من الفرص العمل لأبناء الجمهورية وتتجاوز ضرائبها ال 40 % من مجموع الضرائب الدولة وبالتالي جاءت الخلاصة مدوية بالفعل لمشروع اتاتورك ، قد أُعلن عن فشله تدريجياً وبجدارة وهذا ليس بفضل مشروع أخر بل بسبب تمسك المجتمع التركي بثقافته ، هي التى حددت المفاهيم وكان لها الدور الحاسم لأن كان من الصعب للطبقة العسكرية فهم الإشكالية التاريخية بين الثقافة والطبقة بل أعتقدوا بأن خريف الحضارة أول ما يسقط فيها الثقافة ، أما الأمر الأخر الذي لا يرقى إليه الشك ، ذاك الخلاف والتضارب بين المشروعين العربي والتركي فعدنان مندريس قد حشد قوة تركيا من أجل محاربة مشروع عبد الناصر وتحالف مع الأمريكان لإسقاطه واليوم يعاد ارتكاب ذات الخطأ دون العودة إلى مراجعة الماضي ، فإذا كان مشروع مندريس تلقى ضربات قاتلة وايضاً مشروع عبدالناصر تم ذبحه من الوريد الى الوريد ، إذاً من هو المستفيد من الخلاف القائم والتنازع الكاذب على قيادة المنطقة وهي تقاد من خارج ابناءها ، بل كان من الأجدر أن تتبدد جميع الخلافات وتعاد تقيم نتايج الماضي لأن إذا كانت إيران على سبيل المثال في غضون 15 سنة استولت على العراق واجزاء من سوريا وأخضعت لبنان إلى حكم حزب الله وباتت على مشارف ادلب بإتجاه عدوها التاريخ وتقف عند حدود الأردن واخترقت اليمن وأحدثت فيه تدمير للنسيج الأهلي والدولة ، فكيف سيكون الحال اذا ما استمر الخلاف .

هناك إستراتجية ثابتة كثبوت الشمس والقمر ، وهي من جدلية التاريخ ، الأقوى يستمد نفوذه من نقيضه الأضعف وما يجرى من خلافات ، تشير بأن القادم لا يبشر بخير أبداً بل يبتعد عن الحكمة ، لأن الحكمة تناقض ما هو قائم من معارك مختلفة مفتوحة في آن واحد . والسلام
كاتب عربي







اخر الافلام

.. -الموضة السريعة-.. خطر على البيئة ودمار لكوكب الأرض


.. قصة أخطر جاسوس لبريطانيا في تنظيم القاعدة


.. القضايا المتعلقة بالبيئة وحمايتها من أهم القضايا التي تشغل ك




.. ناسا تخصص فريقا من العلماء للبحث عن الكائنات الفضائية


.. بوتين: سنرد إذا نشرت واشنطن صواريخ في أوروبا