الحوار المتمدن - موبايل



فرنسا متعهدة الثورات الجذرية ...

مروان صباح

2018 / 12 / 7
مواضيع وابحاث سياسية


فرنسا متعهدة الثورات الجذرية ...

مروان صباح / هكذا وقفت بطلة فيلم كازبلانكا الشهير في وسَط ركام الحرب العالمية الثانية وهي تردد بضحكة لاذعة محملة بالمرارة والسخرية والنقمة التلقائية ، أن العالم كله يتحطم ونحن نقع في الحب ، وكانت الممثلة أنغريد بيرغان 1915 - 1982م من السويد والحاصلة على جائزة اوسكار التى أدت دور إليسا للمخرج الإبداعي مايكل كورتيز أمريكي مجري الأصل 1888 - 1962م طالبت بعزف الأغنية مرة ثانية . والجدير هنا التذكير بأن كورتيز قد قدم أعترفاً لا يقدمه سوى قلة من الواثقين بأفكارهم كان قد حصل ذلك في لقاء صحفي بعد إمتداد شهرته على نطاق عالمي ، وبالطبع قد اختارته لجنة التحكيم لاوسكار كأفضل من جاء على السينما العالمية وبحصوله على جائزة أوسكار أعترف بأن أفلامه جزء من تفكيره وعواطفه وتوتراته وأحلامه ورغباته ، تأتي احياناً من الماضي وتنشأ اطوراً من حياتها الخالية ، وقد لعب هذا الفيلم وبعض الأفلام الأخرى دوراً أساسياً في تكوين الفكر الغربي بشكل عام ، بل أسس للفصل بين الحياة والحرب ، الذي جعل من منتفضين فرنسا عام 1968م أن يرفعوا شعاراً مأخوذ من الفيلم إياه ( كانوا واقعين واطلبوا المستحيل / إعزفها مرة واحدة يا سام من أجل ايّام الخوالي ) لأغنية مرّ الزمان ، كان ايضاً قد سبق الجميع المنظر والفيلسوف الألماني هربرت ماركوزه وقدم في كتابه الإنسان ذو البعد الواحد نقداً شَدِيداً للانحطاط التى وصلت له الأنظمة الغربية بل كان قد طرح في كتابه العقل والثورة لأمثال المخرج مايكل وغيره أفكار متجددة تناقض واقع الحال ، الذي دعى من خلاله إلى نظرة جدلية مناقضة للعلم الإجتماعي الوضعي كما عند أوغست كونت وإخوته الشهير بمقولته ، أن هدف الفلسفة اعادة تنظيم المجتمع، بل إذا صح لنا القول بأن ماركوزه اتكاء في نظريته الجدلية على أفكار هيجل وحول أفكار ماركس إلى هيجلية راديكالية جذرية ، فحارب بطرحه الاستلاب والاغتراب الذي يقف خلفهما قوة خفية تمتلك التقنية العائدة إلى نظرية الهرم المقلوب والتى ستسيطر على الطبقتين البورجوازية والبروليتارية على حد سواء .

وبالفعل كانت أفكار الألماني هربرت والسينما الجذرية دافع مؤثر وبليغ في تشكيل الفكر لدي الأغلبية الطلابية ، الذين بادروا في الثالث من أيار عام 1968م من جامعة نانتيز التأسيس عام 1460م والواقعة جغرافياً في مدينة نانت بالإعلان عن رفضهم القاطع للسياسات القائمة بل سرعان ما تطور الأمر حتى شمل التحرك إحدى أهم ركائز الإنتاج الفكر الأوروبي ، جامعة السوربون التى تحولت الانتفاضة من الضواحي إلى ثورة في عموم الجمهورية الفرنسية وبدعم من نقابة العمال أصبحت فرنسا جميعها تقف وقفة واحدة بوجه محررها من الإحتلال الألماني ومؤسس الجمهورية الخامسة ، بل في اليوم الثالث عشر تغيرت الأهداف التى طالبت بتغيرالأوضاع الإجتماعية والسياسية والاقتصادية على الأخص بعد دخول المفكرين على خط الثورة إلى ثورة عالمية تحاكي البشرية جمعاء وأصبح المطلب الأساسي إنهاء السلطة المطلقة التى هيمنت على الأحزاب والنقابات وبدورها جعلتهم متواطئون وأدوات فاعلة فقط بأيدي السلطة التنفيذية ، فبدل أن تكون وظيفة هذه القوى تقليل الفجوة بين القوة الخفية للرأسمالية والطبقات المجتمع تحولوا إلى عناصر تبريرية لها ، لهذا كانت الثورة الفرنسية والتى امتددت في أرباع رياح أوروبا ، أهم تفاعل إجتماعي على الإطلاق .

في حصيلة الاشتباك الحاصل داخل مربع قوس النصر بين حكومة الرئيس ماكرون وجماعة السترات الصفراء ، هناك ما يسمى بالتوازي التخاصمي بين الأزمنة والأمكنة ، فالنظام الرأسمالي بشكل عام مصاب بالاهتراء ومهدد بعدم قدرته على الإستمرار ، وهذا بالطبع يعود للفجوة الحاصلة بين أسياد يمتلكون التقنية وشعوب تقاوم في النهار من أجل وقف استيلابها وغربتها وفي أخر الليل ترضخ للاستسلام لها بل تدفع من كرامتها من أجل امتلاكها ، وبالتالي الطرفين أصبحوا يبحثون عن مخارج تنقذهم ، الأول يريد في القرن الجديد الراهن توسيع الفجوة بينه وبين الطبقات العاملة من خلال التربح أكثر من فائض القيمة وتحويل النظام التنافسي إلى نظام احتكاري دولي لا يقتصر على المحليات بل يهدف إلى أحتكار الفكر والمجهود أينما كان ، والآخر يعتقد أن النظام الأسياد الذي يشمل الاقطاعيين والبروليتاريين وصلا إلى نقطة الاهتراء والضعف وبالتالي فرصة قابلة للتغير ، لكن الطرف الثاني يواجه معضلة كبيرة ، اولاً لأن الواقع الحالي خالي من فكر مقنع أو بديل عن النظام الرأسمالي أو الاحتكاري ، بل خلاصة الحراك الجاري ، هو مناشدة جدية من أجل الإبقاء على الحد الأدنى من قيم العدالة والحرية والمساواة ، لأن الذهاب دون فكر إلى أبعد من ذلك سيكون الفوضى والفوضى فحسب لكن الشعب الفرنسي من خلال السترات الصفراء أفلح دون شك في اختراق المشهد الحزبي والنقابي على نحو عميق عندما جرف عملياً جميع التشكيلات المؤطرة من طريقه وعلى الأخص الجناح اليساري الاشتراكي أو الراديكالي وقال من خلال التظاهرات ، الشعب يبقى صاحب الكلمة النهائية وأنه قادر على أخذ المبادرة عندما يصبح التواطؤ على عينك يا شعب ، بل ما هو أخطر من ذلك ، يكتشف المراقب بعد مرور عقود من طرح ماركوزه فكرته ، كأن هربرت كان يبحث مع الطبقتين الوسطى والعاملة عن السبل الوقائية كي لا تُسحق البورجوازية التى يمثلها بالولادة من قبل الأسياد الجدد .والسلام
كاتب عربي







اخر الافلام

.. -الفاو- تحيي اليوم العالمي للجبال 2018


.. عقوبات امريكية على مسؤولين كوريين شماليين


.. ماكرون و-ثمن التهدئة-؟




.. تيريزا ماي تعلن تأجيل تصويت البرلمان على اتفاق بريكسيت


.. هل استجاب ماكرون حقا لتطلعات -السترات الصفراء-؟