الحوار المتمدن - موبايل



عرض وقراءة في كتاب - الاغتيال الاقتصادي للأمم -، اعترافات قرصان اقتصاد (4)

عطا أبورزق

2018 / 12 / 18
قراءات في عالم الكتب و المطبوعات


منظمة الأوبيك وأزمة البترول
في أواخر الستينيات وبداية السبعينيات من القرن الماضي شكلت البلدان المنتجة للبترول اتحاداً عرف باسم (منظمة الأوبيك) وذلك رداً على تزايد نفوذ شركات تكرير البترول، وبخطواتها الجماعية والمدروسة جعلت الشركات الصناعية العملاقة تركع على ركبها.
حظر تصدير النفط في العام 1973 أحدث أزمة غير مسبوقة في الولايات المتحدة وكادت أن تكون أكثر تأثيراً من كارثة الكساد الاقتصادي الكبرى في ثلاثينيات القرن العشرين. خصوصاً أن الولايات المتحدة كانت تمر في أسوأ حالاتها، عودة جنودها يجرجرون اذيال الخيبة من حرب الفيتنام الفاشلة، وفضيحة وترجيت، ومستقبل الرئيس نيكسون في مهب الريح. يقول " بركنز " أن معدلات التنمية الاقتصادية بعد أزمة البترول انخفضت إلى النصف عما كانت عليه في الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين، صاحب ذلك تضخم مالي أكبر مما سبق، وزاد معدل البطالة، وحدث انهيار في النظام المالي الدولي، أجهز على الجميع، وعصف بالاقتصاد الدولي وبشبكة معدلات التبادل الاقتصادي الثابتة. كان انهياراً لم يحدث منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
يشير " بركنز " بأنه في الاحاديث الجانبية مع الأصدقاء وزملاء العمل كان " مكنمارا " الحاضر الغائب، كان الجميع يعرف بأمر صعوده السريع إلى القمة. من مجرد مدير تخطيط إلى محلل مالي في شركة فورد للسيارات في العام 1949، إلى منصب رئيس الشركة في العام 1960م وكان الأول من خارج عائلة فورد يتولى هذا المنصب، إلى وزير دفاع في عهد الرئيس كينيدي. يضيف " بركنز " أصبح " مكنمارا " مدافعاً شرساً عن الاقتصاد الكنزي، وعن القيادة الجريئة. وشكلت دفاعاته اساساً لمدخل فلسفي جديد في علم الإدارة في كبرى كليات الاقتصاد في الولايات المتحدة. يقول "بركنز" كنا مفتونين بدور "مكنمارا" في رئاسة البنك الدولي بعد تركه وزارة الدفاع. وكنا نرى بأنه يرمز للرابطة بين الجيش والصناعة. لقد أدركت الأن أن إسهام "روبرت مكنمارا" الأكبر والأكثر شراً في التاريخ هو الاحتيال على البنك الدولي وجعله وسيلة للإمبراطورية العالمية بمقياس لم يشهده أحد من قبل. إضافة إلى أنه أرسى سابقة تحتذى على التنقل بين السلطات المختلفة المكونة لمجموعة الكوربوقراطية للتناغم مع من يأتي بعده. لقد ذكر "بركنز" نماذج متعددة ممن تنقلوا في مناصب متعددة في عهد الرؤساء المختلفين للولايات المتحدة فعلى سبيل المثال: جورج شولتز كان وزيراً للخزانة ورئيس مجلس السياسات الاقتصادية في عهد نيكسون، وعمل رئيساً لشركة بكتل Bechtel، ثم صار وزيراً للخارجية في عهد ريجان.
يقول " بركنز " لقد أهدانا "كيرمنت روزفلت " سبيلاً أفضل من الوسائل القديمة التي كنا نعمل فيها لبناء الإمبراطورية عندما أطاح برجل إيران الديمقراطي ووضع مكانه مستبداً طاغية. ولكي نغير هذا الأسلوب اقتضى منا التعامل مع المملكة العربية السعودية العضو الأهم في الاوبيك.
المملكة العربية السعودية
يقول " بركنز " بأن السعوديون لا يمارسون الاعمال التي يعتبرونها تحط من قدرهم، فعلى سبيل المثل كانوا يستخدمون الأغنام للتخلص من القمامة. هذا ما صرح به أحد الدبلوماسيين السعوديين ل " بركنز ". كانت قصة الأغنام التي يستخدمها السعوديون لتخلص من القمامة مدخله وسر الهامه في ابداع رسم خططه للمشاريع التي تنوى مؤسسة MAIN التي يعمل فيها لتطوير المملكة كما طلبت منه شركته.
من المعلومات التي جمعها "بركنز" عن المملكة العربية السعودية، هو مدى تخلفها الاجتماعي والاقتصادي، وتغلغل الفكر الوهابي المتطرف في تفكيرهم وتحكمه في سلوكهم، ونظرتهم الدونية للمرأة، وتطبيقهم الصارم لأحكام الشريعة مثل قطع يد السارق أو اعدام القاتل ... الخ.
يعتبر " بركنز " أن الحدث الكبير الذي هز أركان الولايات المتحدة وكاد أن يعصف باقتصادها مثلما عصفت بها ازمة الكساد الاقتصادي الكبير في العام 1929م هو قرار منظمة الأوبيك بحظر تصدير البترول إلى الولايات المتحدة وباقي دول أوروبا في العام 1973م. ويقول "بركنز " أيضاً بأن المرجعية الدينية في المملكة هي من كانت خلف هذا القرار استجابة للضغوط التي مارسها الرئيس السادات على الملك فيصل لمساندته في حرب أكتوبر 1973، ورداً على طلب الرئيس الأمريكي " نيكسون " من الكونجرس الموافقة على مساعدة إسرائيل بـ 2.2 مليار دولار . ويضيف "بركنز" بأن صدمة شهور الحظر أدت إلى تقوية الكوربوقراطية Corporatocracy ، واتحاد أعمدتها الثلاث (الشركات الكبرى والبنوك الدولية والحكومة) كما لم يحدث من قبل. فأزمة الحظر جعلت واشنطن تدرك الأهمية الاستراتيجية للمملكة العربية السعودية على اقتصادها، لهذا شجعت قيادات الكوربوقراطية Corporatocracy للبحث عن سبل استعادة أموالها المدفوعة في البترول مرة أخرى. ويشير " بركنز " إلى ان واشنطن فاوضت السعوديون لتطوير بلادهم لتلحق بركب حضارة القرن العشرين مقابل عدم تكرار حظر البترول مرة أخرى وعوائده من الدولارات، واسفرت هذه المفاوضات عن إنشاء (اللجنة الأمريكية السعودية للتعاون الاقتصادي) التي عرفت بالاختصار JECOR، وقد عُهد للإدارة بأكملها والمسؤولية المالية لوزارة الخزانة الأمريكية وتمتعت باستقلالية تامة، وانفقت خلال 25 عاماً مليارات الدولارات دون رقابة من الكونجرس الأمريكي.
ويضيف " بركنز " بأنه طلب منه تطبيق قدراته الإبداعية بأقصى ما يستطيع في تبرير استنزاف مئات الملايين من الدولارات من الاقتصاد السعودي، بشرط إدراج شركات الهندسة والبناء الأمريكية، وقد أبلغ بأن المهمة التي كُلف بها تتعلق بالأمن القومي الأمريكي ومن المحتمل أن تُدر على شركة MAIN ربحاً مالياً كبيراً. ويؤكد بانه قد فهم بان الهدف من ذلك ليس كالمعتاد أي اثقال كاهل البلد بالديون التي تعجز عن سدادها، بل جر المملكة العربية السعودية إلى جعل اقتصادها أكثر تشابكاً وخضوعاً لمصالح الولايات المتحدة، مستغلاً رغبتها المتزايدة لتقليد نمط الحياة الغربية حتى تصبح أكثر ميلاً وتبعية للنظام الأمريكي.
حالة التخلف التي كانت تعيشها المملكة العربية السعودية ورغبتها المحمومة في اللحاق بنمط الحياة الأوروبية والأمريكية، والثروات الهائلة التي أمتلكتها نتيجة تدفق عوائد البترول عليها، مثلت صيداً ثميناً للمخططين الاقتصادين أمثال " جون بركنز " وغيره وللشركات الأمريكية والبقرة التي يمكن أن يحلبوها حتى سن التقاعد كما يقول " بركنز ". فهي بحاجة إلى تنمية وتطوير في كافة المجالات بدأً من البنى التحتية وبناء المصانع والأسواق الكبيرة والمستشفيات ومباني الشرطة والمحاكم، وشركات توليد الكهرباء، ومحطات تحلية مياه الشرب وتعبيد الطرق والمطارات والموانئ وأماكن سكن للعمالة الوافدة التي ستتولى العمل في الاعمال التي لا يعمل ها السعوديون. فكل هذه المشاريع وغيرها لم تكلف المخططين الاقتصادين وقراصنة الاقتصاد الكثير من الجهد والمعاناة كي يقنعوا حكومة المملكة بهذه المشاريع. وركزوا جل اهتمامهم كما يقول " بركنز " على تحقيق أهدافهم كقراصنة والتي تتمثل في رفع النفقات إلى الحد الأقصى لصالح الشركات الأمريكية وزيادة تبعية المملكة العربية السعودية للولايات المتحدة. يضيف " بركنز " بأنه بالإضافة للبعد الاقتصادي، هناك احبولة أخرى من شأنها جعل المملكة تابعة لنا، لكن بطريقة مختلفة، وهذه الطريقة تتمثل في تحوط المملكة من ردات فعل المحافظين في المملكة الرافضين لعملية التحديث وكذلك من البلدان المجاورة والتي من ضمنها إسرائيل، وهذا يتطلب توقيع عقود سخية وطويلة الاجل من الشركات الصناعية التابعة للجيش الأمريكي.
يقر " بركنز " أن حظر بيع البترول في العام 1973 لم يكن شراً كله، إذ سينتهي المطاف بمنح شركات الهندسة والبناء الأمريكية أرباحاً كبيرة غير متوقعه، مما سيساعد على المدى الأبعد في تمهيد السبيل نحو الإمبراطورية العالمية. ويشير بأنه رغم احتفاظ السعوديين بحقهم في ابداء الرأي في طبيعة تلك المشروعات، فالحقيقة أن فيالق الأجانب (أغلبهم كفرة في عيون المسلمين) حددت الشكل المستقبلي والبنية الاقتصادية لشبة الجزيرة العربية، ونتيجة ضعف البدائل المتاحة أمامهم، والضغوط الاقتصادية والعسكرية التي مارستها واشنطن لم يبدي آل سعود أي اعتراض على ما يطرحه الخبراء الأجانب من مشروعات.
يقول " بركنز " رغم أن المشروعات التي يعمل على التخطيط لها في المملكة لم تصبح بعد جزءاً من مشروعات (اللجنة الأمريكية السعودية للتعاون الاقتصادي JECOR) إلا أنه كان يرسل تقاريره إلى السيد مدير مشروعات وزارة الخزانة وأنه كان يلتقي مع رئيسه ونائبة في MAIN للنقاش حول هذه المشروع الذي اطلقوا عليه اسم SAMA وهو اختصار مزدوج المعنى، وكانوا يشيرون إلى عمليات غسيل أموال المملكة Saudi Arabian Money Laundering AFFAIR، وفي الوقت نفسه كان اختصاراً للبنك المركزي السعودي الذي يسمونه الوكالة المالية للمملكة العربية السعودية Saudi Arabian Monetary Agency، أو سما SAMA.

ومن الأشياء التي كانت ملفته للنظر، يقول "بركنز": أولاً: حالة التناقض التي يعيشها بعض اللاعبين الأساسيين في المملكة الذين تعامل معهم، فالأمير (و. W) رغم اعتراضه على أن تسير بلاده على درب النمط الغربي وما أظهره من تشدد ديني إلا أنه كان لديه نقطة ضعف تجاه الحسناوات الشقراوات، وقد مهدت نقطة الضعف هذه الطريق أمامه لتحقيق صفقته بنجاح.
ثانياً: أن المعاهدة التي تم توقيعها مع وزارة الخزينة التي اشترطت بأن تكون كافة المعدات مصنوعة في المملكة العربية السعودية أو الولايات المتحدة، رغم معرفتهم المسبقة نتيجة المسح الشامل الذي قام به " بركنز " ومجموعة القراصنة المنتشرين في المملكة بان المملكة تفتقد لمثل هذه الصناعات، كما أنها تفتقد للموانئ الكبيرة التي تستوعب كم السفن المحملة بالأدوات ومستلزمات المشاريع التي ستنفذ في المملكة، لهذا فقد سعى " بركنز " لأن تكون وسيلة النقل هي الطيران، وتحديداً شركة يونيتيد الأمريكية للطيران وبقيادة طيار بعينه.
ثالثاً: أنه سُمح للسعودية أن تلعب دور الممول للإرهاب العالمي، وغضت الولايات المتحدة الطرف عن تمويل بيت مال آل سعود لأسامة بن لادن في أفغانستان لمواجهة السوفييت في ثمانينيات القرن العشرين، حيث أسهمت الرياض وواشنطن معاً في امداد المجاهدين بمبلغ تجاوز ال 3.5 مليار دولار الذي اعلنتا عنه.
بعد هجمات 2001 كشفت الصحف الأمريكية الكثير من الاسرار التي كانت مخفية، ففي العام 2003 كشفت مجلة (فيرمن فير Vanity Fair)، في تقرير لها عن علاقة بيت آل سعود وعائلة بوش وابن لادن، حيث بدأت هذه العلاقة في زمن عملية غسيل الأموال التي جرت في المملكة العربية السعودية، وابان فترة وجود بوش الأب سفيراً لبلاده في الأمم المتحدة (1971-1973)، وحين أصبح رئيس ال CIA من (1976-1977). وقد أورد ما ذكرته صحيفة فانتي فير عن عمق العلاقة بين آل سعود وعائلة بوش وعن المصالح الاقتصادية التي تربطهما.
وبعد أيام من احداث 11 سبتمبر يقول " بركنز " انطلق بعض أثرياء السعودية ومن ضمنهم أفراد من عائلة بن لادن من الولايات المتحدة على متن طائرات خاصة لم يسمح لأحد تفتيشها.
يتبع ...







اخر الافلام

.. عدس الحكومة


.. بوتين يعد الروس بتحسين ظروفهم المعيشية -بدءاً من هذا العام-


.. ماي تواجه تشدد الاتحاد الاوروبي حول ملف بريكست




.. الأحد القادم.. الإمارات بلا مركبات


.. المعارضة السنغالية تندد باستبعاد اثنين من المعارضين الرئيسيي