الحوار المتمدن - موبايل



عن المهمشين والثورة

حسن مصطفي

2018 / 12 / 20
الثورات والانتفاضات الجماهيرية


عن المهمشين والثورة

كثيراً ما نسمع في الخطابات الرسمية التي يلقيها المسئولون عن المهمشين والتي تدور في مجملها عن (تحسين أوضاع المهمشين معيشياً وخلق الظروف المناسبة التي تسمح لهم بالمشاركة الفعالة في المجتمع والاندماج في الحياة العامة)، كما أنهم محور الدراسات التي تتناول الأسباب التي أدت إلى اندلاع الثورات في البلدان العربية 2010- 2011، لا سيما وأن هذه الثورات لم تكن على جدول أعمال ولا من الأهداف القريبة أو البعيدة للاحزاب والنخب السياسية المعارضة في بلداننا العربية، وذلك على الرغم من ماَ تمثله تلك الانتفاضات والثورات من عمل سياسي صرف يهدف في جوهره إلى قلب الأوضاع السياسية والاجتماعية التي خلقتها الطبقات الحاكمة في تلك البلدان العربية على مدار عقود من الاستبداد السياسي والنهب الاقتصادي والتجريف الاجتماعي والذي أوصل بدوره أغلبية المجتمع لأقصي درجات التهميش والعوز والحرمان.

المهمشون هم الفئة الإجتماعية الأشد فقراً واستبعاداً من مجمل النشاط الاجتماعي للمجتمع والمحرومين من أي شكل من أشكال التنمية والغير مخول لهم المشاركة في صنع القرارات سواء كانت هذه القرارات محلية تتصل بحياتهم المباشرة أو قرارات عامة تخص المجتمع برمته، فهم يعيشون على هامش المجتمع ويقضي أفرادهم جلّ أوقاتهم في العمل تحت أي ظروف وبشكل قصري في بعض الأحيان وفي أي نوع عمل، بهدف واحد هو الاستمرار في الحياة ومنع تدهور أوضاعهم المعيشية لما هو أسوأ من أن يكونوا مهمشين وهو أن يصيروا مشردين أي بدون مسكن.

حسب أحد التقارير الصحفية والتي تتوسع في تعريف المشردين بحيث تعتبر سكان القبور من المشردين فإن مصر بها 12 مليون مشرد (1)، ويوجد علي مستوي العالم حوالي 100 مليون مشرد (2)، أما عن تعداد المهمشين والخاضعين للإقصاء الاجتماعي فهم أغلبية الشعب المصري، ويمكن معرفة وفهم ذلك عن طريق معادلة حسابية بسيطة وهي أن نطرح عدد الحكام (الحكام هم الأشخاص الذين يتمتعون بسلطة اتخاذ القرارات من أول رئيس الجمهورية وحتى المحافظين وكبار الموظفين بالدولة والمؤسسات والمصانع والضباط والمستشارين ورجال الأعمال) من عدد السكان والرقم الذي سيخرج كمحصلة لهذا الطرح هو تعداد المهمشين، ولو بدرجات متفاوتة.

المهمشين لا يسكنوا الشقق والفيلات الفاخرة و ليسوا من رواد الاسماء العالمية للملابس والاكسسوارات ولا يمارسون الرياضة ولا يترددوا على المطاعم وأماكن الترفيه الفارهة لكنهم يشاهدوا تلك الأشياء في التلفاز- هذا المنبر الدعائي للنظام داخل كل منزل- والذي يمنيهم بالفردوس المفقود في واقعهم البائس عبر مشاهد الثراء والإثارة التي تبث علي مدار ال24 ساعة والتي ترسخ بدورها في أذهانهم الخضوع للحكام وافكارهم الرجعية والتراثية بالشكل الذي يسمح للأنظمة والحكومات الرجعية والاستبدادية بالاستمرار في الحكم. فمن ناحية التلفاز هو وسيلة الترفيه الرئيسية للمهمشين ومن ناحية أخري هو الأداة الأساسية للأنظمة والحكومات بصفته المنبر الاساسي والاكثر تأثيرا في ادوات السيطرة الناعمة عليهم وابقائهم خاضعين ، وقانعين بمشاهدة الحياة الرغدة عبر هذه الشاشات المضيئةواخيرا لسلبهم اي فكرة او بديل عن امكانية تغيير واقعهم البائس - على الاقل عبر ما يبثه التلفاز من احباط ودونية الطبقات الشعبية ومهمشيها بالذات وكونهم لا يستحقوا ولن يصلوا لاكثر من فقرهم الحالي.

لا تشغل أمور الحكم والسياسة وقضايا الديمقراطية والحريات المهمشين كثيراً على الرغم من معرفتهم وفهمهم الجيدين لهذه القضايا، هذا الفهم الذي يمكن أن يكون غائباً عن كثير من المثقفين أو لنقل مدعي الثقافة - وجلهم من فناني النظام. الوعي عند المهمشين ليس نتيجة لمستوى ثقافي مرتفع أو تحليل موضوعي نظري علي قدر كونه وعي مكتسب من تجربة حياتية مريرة يعيشوها كل لحظة وكل يوم. المواطن المهمش يعرف من واقعه البائس الا ديمقراطية ولا عدالة في الحكم، ويعلم تمام العلم من تلوي أمعاء أطفاله جوعاً أو صراخهم مرضاً وهو غير قادر علي إطعامهم أو توفير العلاج لهم أن سياسة الدولة هي فقط خدمة مصالح الأغنياء. كما يعلم أنه لا ضمانات للحريات العامة لأفراد المجتمع وخصوصاً للمهمشين منهم وأن القمع البوليسي الوحشي لا حدود له، هذا الدرس تعلمه أحد المهمشين من خفقان قلبه المتسارع عندما أوقفت الشرطة يوماً الحافلة التي كانت تقله عائداً من عمله في ساعة متأخرة خشية من أن يكون عرضة للاعتقال العشوائي الناتج من الاشتباه الدوني لشخصه، ملبسه، لونه وشكله وحتى اسمه، من الرعب ان يذهب لما يطلق عليه في مصر (وراء الشمس) أي الإخفاء القسري.

المهمشون في الثورة

بحسب تعبير الثوري الروسي فلاديمير لينين فالثورة هي كرنفال المضطهدين- وازيده - بالذات المهمشين. فمع اندلاع الثورة يتغير موقع المهمشين اجتماعياً إلى النقيض تماماً فيصبحوا هم محور الأحداث وصانعي التاريخ، هذا ما تشهد عليه تجربة الثورة المصرية يناير 2011، فعلي الرغم من مراقبة الفئات المهمشة للحراك الناشئ ولمجريات الأحداث من 2005 مع التعديلات الدستورية والتي سمحت لاول مرة بانتخاب رئيس الجمهورية بشكل مباشر من المواطنين بدلاً من الاستفتاء عليه عبر مجلس الشعب كمرشح واحد ووحيد - تلك التعديلات التي لم تفعل بنهاية المطاف سوى ان أعطت الديكتاتور حسني مبارك فترة رئاسية جديدة - مروراً بإضرابات المحلة 2006-2007 ثم الدعوة للإضراب العام 2008 والتي خرجت أيضاً من المحلة لتتلقفها بعض المجموعات الشبابية المعارضة وتحولها لدعوة للإضراب العام، وقبل ذلك مظاهرات 2002 الداعمة للانتفاضة الفلسطينية الثانية والمطالبة بقطع العلاقات الدبلوماسية مع الكيان الصهيوني ووقف التطبيع، مرورا ايضا بالمظاهرات المنددة بالغزو الأمريكي للعراق 2003، ظلت الفئات المهمشة أو لنقل السواد الأعظم من الجماهير- وفقاً للمعادله الحسابية التي اشرنا اليها - تراقب وتتفاعل مع الحركة الناشئة بعواطفها فقط عن طريق التعاطف مع قليل من الانخراط دون أن نغفل النضالات التي صنعتها الكثير من الفئات سواء فلاحين للدفاع عن أراضيهم من الانتزاع علي يد الدولة أو علي يد مستثمرين، أو العمال والموظفين ايضاً بمحاولتهم للدفاع عن مصالحهم ومنع التغول علي حقوقهم سواء من طرف الدولة أو من المستثمرين - تلك التحركات التي تكون بصداها عدد غير قليل من النقابات المستقلة والاتحادات والروابط، لكنها مع ذلك ظلت قاصرة علي الشكل المطلبي دون التطرق لما هو سياسي متصل ببنية النظام وشكل الحكم بشكل عام.

لحين اندلعت الثورة التونسية في 17 ديسمبر 2010 لما اشعل محمد البوعزيزي أحد المهمشين التوانسة النار في جسده إحتجاجاً على مصادرة الشرطة العربة التي يبيع بها بضاعته لتقيه البطالة والتشرد، فكانت النار التي التهمت جسده وادت لوفاته هي الشرارة التي أشعلت الثورة التونسية وأدت إلى هروب الديكتاتور البائس بن علي بحراسة ليبية إلى السعودية في 14 يناير 2011، عند هذه النقطة التاريخية حدث تحول ذهني عملاق في الوعي الجمعي للجماهير العربية المهمشة والتي تم إقصائها ونهبها وقمعها لعقود، تحول يتمثل بان الجماهير العربية فهمت أنها تستطيع إقصاء حكامها الديكتاتوريين كما فعل التوانسة بديكتاتورهم البائس واجبَروه على الفرار. هكذا امتدت العدوى الثورية لكل الاقطار العربية كما النار في الهشيم ؛ من تونس إلى الجزائر والمغرب وليبيا وصولاً إلى مصر وسوريا واليمن والبحرين.

ما دعاني في الفقرات السابقة لاستدعاء الأحداث في مصر وتطورها وصولاً لمشهد الثورة 2011 بفعل الشرارة الثورية التي انطلقت عدوتها من تونس لتصل سريعاً لباقي البلدان العربية، هو شرح وتوضيح أن الجماهير المهمشة والفقيرة والتي صنعت الثورة المصرية ونصرتها بتدخلها الحاسم في 25 و28 يناير وحتى 11 فبراير 2011 كانت من ناحية تعبر بشكل عملي عن انعطاف حاد في وعيها الجمعي من النقيض إلي النقيض، فمن قبول استبداد الديكتاتور حسني مبارك الذي استمر ثلاثين عاماً إلي الرغبة الحثيثة في إسقاطه او رحيله دون إبطاء، وطبعا تم لها ذلك. لكن من ناحية أخري لم يكن لدي الجماهير أي تصور أو خطة لما هو أبعد أو بعد ذلك عدا بعض الشعارات التي عبرت عن المطالب العامة مثل الشعار الأشهر في الثورة المصرية (عيش- حرية- عدالة إجتماعية) وبالذات الشعار الاشهر والاهم ذاك الذي أنتجته الثورة التونسية وإستخدم من بعدها في مصر وفي كل اماكن الاحتجاجات في الساعة الثورية المعاصرة : الشعب يريد إسقاط النظام.

لم يكن هناك وعاء سياسي تنصهر فيه تطلعات وطموحات الجماهير التي صنعت الثورة لكي يتبلور من خلاله تصور وخطة محكمة للوصول إلي ما تنشده الجماهير بشكل حقيقي، هذا الوعاء لم يكن ليكون سوي حزبا ثوريا قادرا علي التعبير السياسي عن مصالح الجماهير المهمشة والفقيرة وترجمة تلك المصالح إلى سياسات حقيقية يستطيع وضعها موضع التنفيذ عن طريق الاستيلاء على السلطة السياسية والاطاحة بسلطة الطبقة الحاكمة التي تعبر عن مصالح الأقلية الحاكمة، وبالطبع لا يمكن أن يحدث ذلك دون أن يحوز هذا الحزب علي ثقة الجماهير بالشكل الذي يمكنه من قيادة ثورتها وتوجيهها بشكل فعال لتحقيق أهداف الجماهير.الأمر الذي يجعل من حزب كهذا (المطرقة) التي تستطيع الجماهير بواسطتها تحطيم سلطة الطبقة الحاكمة وتهشيم بنيان النظام الجمهوري ومنع عودته أو انبعاثه عبر تجميع قوته من جديد وتأسيس وبناء سلطة ونظام جديدين من الجماهير ولمصلحة الجماهير.

لم يكن يوجد في مصر على ساحة العمل السياسي الحزبي بعد اسقاط حسني مبارك سوى طرفين رئيسيين وطرف ثانوي - من وجهة نظر الفاعلية السياسية - الأمر الذي دفع قسم كبير منها للتأرجح في تحالفات وولاءات بين الطرفين الرئيسيين؛ وهما المؤسسة العسكرية عصب الطبقة الحاكمة من ناحية والإخوان المسلمون الحزب الوحيد ذو القاعدة الجماهيرية من العمال والمهنيين والطبقة الوسطى ، اما الطرف الثانوى فهو الأحزاب الديمقراطية بتعدد اطيافها وتنوع مرجعياتها السياسية - لكن المتوحدة على أرضية دعم الراسمال والملكية الخاصة للمصانع والشركات - تلك التي تحالف قسم منها مع الإخوان المسلمون في انتخابات 2012 تحت مسمى (التحالف الديمقراطي من أجل مصر) والذي ضم الكرامة الناصري بزعامة حمدين صباحي والحزب العربي الديمقراطي الناصري وحزب غد الثورة وحزب الوفد وحزب النور قبل أن تنسحب بعض من تلك الأحزاب من التحالف أعتراضاً على نسب تمثيلها في قوائم التحالف الانتخابية!، وبسرد بسيط لوقائع سير وتطور هذه التحالفات يمكن أن نصل لنتيجة هامة - أرجو أن يتسع له صدر القارئ الكريم - فعشية اندلاع الثورة وبعد إسقاط حسني مبارك مباشرةً تحالف الخصمان التاريخيان (المؤسسه العسكرية والإخوان المسلمون) لهدف وحيد وهو كبح الثورة وعرقلة ووقف تطورها الذي مثل تهديدا حقيقيا لمصالح الطبقات العليا (المالكة او الحاكمة) ومن ورائهم مصالح الراسمال الامبريالي العالمي، وبمقتضيَ ذلك التحالف جرى تسليم المؤسسات السياسية للاخوان المسلمين (مجلس الشعب - مجلس الشورى - الرئاسة) وبمقتضاه ايضا سلم الإخوان الشوارع والميادين لينهشها ويجهز عليها الجيش باقصى درجات القمع الوحشي فتوقفت الهيمنة والتصاعد الثوري - وللحق وفر الإخوان غطاءاً كاملا باقصى درجات الانضباط لأعمال الجيش القذرة ضد الثورة والثوار (3).

لكن وبسبب رغبة الإخوان المسلمون في تدوير دولاب العمل الحكومي بنفس طريقة العمل للنظام القديم دون إدخال أي تعديلات هيكلية أو حتى شكلية والاكتفاء فقط بأحلال عناصر موالية لهم في المواقع الهامة للجهاز الحكومي ذلك من ناحية، ومن ناحية أخري السير علي نفس النهج الاقتصادي للنظام القديم والمتمثل في السياسات النيوليبرالية التي يمليها صندوق النقد الدولي وفقاً لشروط الاقتراض منه، دفعهم ذلك إلى أن يحوزوا - وبسرعة بالغة - على سخط الجماهير الشعبية وحنقها الأمر الذي تلقفته واستغلته المؤسسة العسكرية وأطلقت على أثرة مخابراتها لكي تدفع بهذا السخط الشعبي إلى حدوده القصويَ، وقد ساعد في ذلك ممارسات الإخوان انفسهم والتي كانت تتسم بقدر من الصلف والغباء ندر ما وجد في عالم السياسة مثيله، سواء كانت تلك الممارسات عبر السلطة التي كانوا يحوزها في ذلك الوقت أو عبر قواعدهم الشعبية.

في هذه الأثناء تشكلت جبهة الإنقاذ التي شُكلت من طيف واسع من الأحزاب (منها أحزاب الكرامة والعربي الناصري والوفد التي كانت في أنتخابات 2012 في تحالف انتخابي مع الإخوان المسلمون!) والتي تحالفت في انتفاضة 30 يونيو بشكل واضح مع المؤسسة العسكرية وقدمت له الغطاء السياسي الذي مكنه من القيام بالإنقلاب العسكري الذي لم يكن موجه أو يهدف فقط الي الإطاحة بالإخوان المسلمين من السلطة، بل هداف في الأساس لمنع وقطع الطريق علي الجماهير للتجاه لمطالب أكثر جذرية، والذي تمثّل في ثورة مضادة مكتملة الأركان مارست أقصى درجات القمع الوحشي وإراقة الدماء في حق أنصار جماعة الإخوان المسلمين بشكل كان الهدف الرئيسي منه هو ترويع المجتمع برمته والعودة به الى أوضاع ما قبل ثورة يناير 2011

الشاهد من ما تقدم من سرد هو توضيح أنه لم يكن هناك مسار آخر كان يمكن أن تسلكه الأحداث أو طريق آخر يمكن أن تسير فيه الجماهير التي صنعت الثورة، فقد دعمت الجماهير الفصيل المعارض الأبرز علي الساحة السياسية واوصلته للسلطة عبر صناديق الاقتراع، ثم ما لبثت أن تكشف لها زيف شعاراته وافلاسه وخوائه السياسي فثارت عليه من جديد لتنقض على أثر ذلك المؤسسة العسكرية على السلطة مستَغليه هذا الحراك الجماهيري، لينفتح عصر جديد من الإرهاب العسكري الذي لا صوت يعلو فيه فوق صوت الرصاص وصليل المجنزرات، وهذه هي النتيجة المنطقية الوحيدة لسير وتطور الأحداث ومعادلة القوى في المجتمع، حيث أنه ثورة بدون قيادة ثورية وحزب ثوري ستؤول السلطة فيها في نهاية المطاف للمؤسسة العسكرية بصفتها الفصيل الأكثر تنظيماً والتي تستطيع انتزاع السلطة وفرض نفسها بقوة السلاح، فهي الطرف الوحيد في المجتمع الذي يمتلك السلاح والعتاد القادر علي تمكينه من ذلك، حتي لو احتاج إلي إبرام تحالفات تكتيكية بشكل مؤقت.

في نفس الوقت فإن صراع ومواقف كلاً من المؤسسة العسكرية والأخوان المسلمين - والذي انتهي بتصفية الأول للثاني- ليست سوى تعبير عن المصالح الطبقية لأجنحة مختلفة من الطبقة الحاكمة التي تمثلها تلك الأطراف، فالمؤسسة العسكرية تعبر عن مصالح الطبقة الحاكمة المصرية التقليدية أو القديمة المتكيفة مع السيطرة الإمبريالية والمشكلة من خليط من فئات رأسمالية مافياوية "من يطلق عليهم رجال أعمال" وضباط ومستشارين وكبار موظفين بالدولة، اما الإخوان المسلمين فيعبروُا بدورهم عن مصالح خليط من فئات رأسمالية جديدة مافياوية هي الاخريَ وجزء من الطبقة الوسطى من المهنيين مستغليه شعارات دينية لجذب شرائح أخر من الطبقة الوسطى والفقيرة، وهم في حالة تكيف ايضاً مع السيطرة الإمبريالية كشفت عنها تجربتهم في السلطة والتي رغبوا من خلالها في أن يرثوا موقع الطبقة الحاكمة التقليدية لدولة يوليو العسكرية عن طريق مشروع الجماعة للتمكين، لكن دولة يوليو العسكرية عاجلتهم برصاص بنادقها وصليل مجنزراتها بالإنقلاب العسكري قبل أن يتثنى لهم ذلك.

خاتمة

لا يمكن فصل سياق عدم وجود حزب ثوري يعبر عن المصالح السياسية والإقتصادية للمهمشين والفقراء عن النتائج التي وصلت إليها ثورة 2011، فلم يكن يوجد طرف أو بديل موضوعي يمكن أن ينازع الأطراف التي كانت سائدة حينها لحرف النتائج عن ما وصلت إلية، وأقول أنه لو وجد في 2011 هذا البديل الموضوعي وهذا الحزب الثوري الذي تحدثت عنه أنفاً لوصل المشهد بنا محلياً وإقليمياً وحتي عالمياً لصوره مغايرة تماماً للصورة القاتمة الماثلة اليوم أمام أعيننا، لكن هل هذه هي النهاية ؟ وهل هذه الصورة القاتمة ستبقي صوره أزلية ؟...علي الإطلاق فالأسباب الموضوعية التي أدت في الأساس لاندلاع الثورة مازالت قائمة بل وتتعمق، فالمجتمع منقسم وبشكل حاد ألي أقصي درجة ما بين أقلية تتحكم في الاقتصاد بشكل كامل وقد حولته إلى اقتصاد ريعي قائم علي الخدمات والسياحة والعقارات والاستيراد والتجارة الداخلية والبنوك والمتكيفة كما أسلفت مع السيطرة الامبريالية، والتي جعلت من مصر ثامن أسوأ دولة في العالم من حيث توزيع الثروة. إذ استحوذ ال10% الأغني علي 73.3% من الثروة في عام 2014، ويمتلك أغني 1% من السكان حوالي نصف الثروة (48.5%). كما ترصد دراسة أن القاهرة تضم 170 أسرة يفوق دخلها مليون دولار في السنة، ويعتقد الباحثون أن هذا التقدير أقل من الواقع(4).

وعلي الناحية الأخري الأغلبية العظمي من الشعب من المهمشين والفقراء والعاطلين والمشردين والذين يعيشون في حالة بين الموت والحياة بفعل شبح المجاعة الذي يتهددهم يوماً بعد يوم. ولا ازيد.

إن أوضاع كهذه للمجتمع تجعلنا نفهم أنه حتي وإن هزمت الموجة الأولى للثورة (ثورة يناير2011) فلا يعني ذلك أن المجتمع قد استقر، حتى ولو بدا على السطح ذلك بفعل القمع البوليسي الوحشي وبفعل تزييف الآلة الدعائية للنظام العسكري، فليس ذلك سويَ رماد يخفي تحته نار الثورة التي لم تخمد أو تنطفئ شعلتها يوماً في نفوس وعقول المهمشين والفقراء، فالمجتمع لم يستقر ولن يستقر قبل أن يحدث فيه تغيير جذري حقيقي ليس في شكل السلطة وحسب بل في النمط الاقتصادي والسياسي السائد بالشكل الذي يفضي إلي إحداث تغيير جذري للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية لأغلبية الشعب.

لا شك في أن موجة ثورية جديدة ستندلع في المستقبل، ستكنس على اثرها الجماهير الزبالات الشرطية من الشوارع ومن مقراتها، وستستعيد هذه الجماهير هيمنتها على الشوارع والميادين والمؤسسات من جديد، فالتاريخ سيُعيد نفسه مره اخري ربما ليس وفقاً لنفس الصيرورة لكن علي الاقل وفقاً لنفس الإطار العام للأحداث والمتمثل في وضع ثوري متقد يخرج السلطة عن عقالها فتحاول وقفه وتطويقه بالقمع والإرهاب البوليسي والعسكري فيستفز ذلك قطاعات أوسع من الجماهير ويدفعها للانخراط في الثورة ما يؤدي لكسر شوكة الشرطة والجيش في العاصمة والمدن الرئيسية. 25- 28 يناير 2011، يقول ماركس (أن جميع الأحداث والشخصيات العظيمة في تاريخ العالم تظهر مرتين المرة الأوليِ كمأساة والمرة الثانية كمهزلة)(5) لقد شهدنا جميعاً المأساة فلا داعي فيما أعتقد أن نشهد المهزلة.

أن المعضلة الرئيسية التي واجهت ثورة يناير 2011 هي معضلة غياب الحزب والقيادة الثورية التي تستطيع أن تترجم أهداف الجماهير الثائرة إلي واقع عن طريق تصدر مسؤولية السلطة بأن تطرح نفسها كسلطة وكبديل سياسي عن السلطة القائمة، فمسألة السلطة هي المسألة الجوهرية الأولي في الثورات وجود البديل الذي يمكن أن يحل محل السلطة القائمة ويمنع انبعاثها من جديد هو مربط الفرس وبيت القصيد والأمر الذي يتوقف عليه نجاح الثورات أو فشلها، فبدون وجود البديل السياسي المتمثل في الحزب والقيادة الثورية القادرة علي أن تحوذ ثقة الجماهير ودعمها بالشكل الذي يتيح لها قيادة تلك الجماهير في معمعان الثورة والوصول بها للإجهاز على السلطة القائمة وتأسيس وبناء سلطة جديدة ستتمكن الطبقة الحاكمة دائماً من بعث نفسها من جديد سواء بنفس الصورة القديمة وبتغيير فقط في الوجوه أو بصوره مغايره لكن بنفس الجوهر، والثورتين المصرية والتونسية خير دليل على ذلك، فالطبقة الحاكمة المصرية انبعثت من جديد برداء ديني في البداية عن طريق التحالف الذي تم بين المجلس العسكري والإخوان المسلمين عشية الثورة والذي ما لبثت أن انقلبت عليه المؤسسة العسكرية مستغليه في ذلك الرفض الشعبي الذي نتج عن سياسات وممارسات الإخوان المسلمين كما أسلفت، أما في تونس فقد انبعثت الطبقة الحاكمة من جديد عن طريق تحالف بين اعضاء النخبة السياسية لنظام بن علي وحركة النهضة (الإخوان المسلمين في تونس) والذي ماذال قائماً الي اليوم.

أن بناء البديل الثوري ليس بالأمر الهين أو البسيط الذي يمكن أن يحدث بكبسة زر، لا سيما في مناخ تفرض فيه الديكتاتورية العسكرية لعبدالفتاح السيسي القمع والإرهاب البوليسي كوسائل أساسية للحكم، مع ذلك لن يتمكن عبدالفتاح السيسي ودولته القمعية بأي حال من عرقلة مسار التاريخ أو وقف تطوره، هذا التطور الذي سيتجاوز دون شك في المستقبل السيسي ونظامه، لكن الضمانة الوحيدة لأن يصب هذا التجاوز للسيسي ونظامة في مصلحة الأغلبية من المهمشين والفقراء هو وجود بديل ثوري قادر على انتزاع السلطة من الطبقة الحاكمة وألا ستتمكن الطبقة الحاكمة من المناورة من جديد وتثبيت مواقعها بشكل أو بأخر، أن اتخاذ خطوات عملية في اتجاه بناء البديل الثوري ولو في شكل مصغر ببناء قاعدي يمكن أن يتم ربط بعضه ببعض لتأسيس حزب سياسي هو السبيل الوحيد لتحقيق أهداف الاغلبية من المهمشين والفقراء في الحراك الثوري القادم(6).


هوامش:

منى سليم، 12 مليون مصري مشرد: أحلام مكافحة البرد وواقع مكافحة الشغب، جريدة السفير العربي، 14 يناير 2015.
ويكيبيديا الموسوعة الحرة، تحت عنوان تشرد "علم اجتماع".
مجزرة استاد بور سعيد، مجزرة ماسبيرو، مجزرة محمد محمود، مجزرة مجلس الوزراء.
سلمي حسين، الاقتصاد المصري في القرن الحادي والعشرين، دار المرايا.
كارل ماركس، الثامن عشر من برومير لويس بونابرت.
المعنى في بطن الشعر.







اخر الافلام

.. الفصائل الفلسطينية بموسكو.. عود على بدء


.. البرلمان الأوروبي يدين استخدام قاذف الكرات الدفاعية ضد المتظ


.. الأوضاع في فنزويلا - القائم بالأعمال و د.عصام الخواجا




.. حماية البيئة.. طريق مختصر لحبل المشنقة في إيران


.. المغرب.. إدريس لشكر: حزب الاتحاد الاشتراكي تجاوز مرحلة الترا