الحوار المتمدن - موبايل



ناديجدا كروبسكايا - المرأة العاملة - الفصل الرابع: الخلاصة

عالية محمد الروسان

2018 / 12 / 21
الارشيف الماركسي


لقد لاحظنا مما سبق أنه بغض النظر عن صعوبة ظروف عمل المرأة في المصنع، والشقاء الذي تعانيه في حياتها، يظل هناك جانبان إيجابيان لهذا العمل، يتمثل أولهما بأن الدخل المستقل للمرأة يحررها من سلطة الرجل وتصبح أكثر استقلالية. والثاني إن عمل المرأة في المصنع يسهم في إيقاظ وعيها الطبقي.

دعونا شرح ما يعنيه هذا، عند التحاق المرأة بالمصنع للعمل، فإنها تتعرض لكم هائل من الضغوط لدفعها للعمل بأقصى طاقتها مقابل أقل أجر ممكن، ويتمكن أصحاب العمل من تحقيق ذلك بطرق عدة ملتوية، وذلك من خلال خفض معدلات الأجور، وفرض الغرامات، وخداع العمال واستغلالهم للحد الأقصى. تتعرض المرأة أيضا للتعنيف المستمر من قبل المشرفين والمدير وغيرهم من الرؤساء. إن الصراعات اليومية ألتي تخوضها العاملات تشكل عندهن وعيا حول التعارض التام الموجود بين مصالحهن ومصالح صاحب المصنع، فهو يسعى لدفع المرأة العاملة إلى العمل بأقصى استطاعتها مقابل أقل أجر ممكن، أما هي فتسعى للحصول على أجر أعلى مقابل عمل أقل، بالإضافة إلى ذلك، فإن وجود المرأة العاملة في المصنع يضعها في مواجهة مباشرة مع طبقة أرباب العمل، وسرعان ما ستبدأ بالمقارنة بين ظروفها وظروف صحاب العمل، الذين يمتلك المصنع بينما هي لا تملك شيئا، الذي يعيش في الرفاهية بينما هي تتضور جوعا، يعطي الأوامر لجميع العمال، ويسيء إليهم ويطردهم وقتما شاء، مصيرهم معلق بين يديه، فتعيش في توجس وقلق دائم من أن تلقى إلى الشارع في أي لحظة، مدركة عجزها الكامل عن حماية نفسها ضد المالك، مع كل اصطدام، مهما كان صغيرا، مع المشرف أو المسؤول، ستكتشف مرارة كونها انسان مضطهد مقهور، وهذا يثير في وجدانها السخط والحنق. هي ليست وحيده بهذه المشاعر، فبجانبها المئات من النساء والرجال العاملين في نفس الظروف ألتي هي فيها، ما يؤثر فيها يؤثر فيهم وما يجعلها غاضبةً يجعلهم غاضبين، والأهم، إن هذا كله يعني انه لن يعود بإمكانها أن تبقى لامبالية إزاء أي جرم أو ظلم يطال أحد زملائها في العمل.
كلٍ هذا يصبح واضحا بالنسبة لها، وشيئاً فشيئاً تدرك أن النساء والرجال العاملين إلى جانبها ليسوا مجرد زملاء عمّل، بل هم زملاء في الروح، تجمعها معهم مصالح ومشاعر مشتركة. انهم رفاقها لأنهم عمال، وحينها يصبح معنى شعار "الجميع للفرد والفرد للجميع " أكثر وضوحا ومعنى لها، وعندما تندلع مواجهات مع الادارة، سوف ترى أن رفاقها مستعدون دائما لدعمها، وهي بدورها ستقوم بدعمهم أيضا، وتدرك الأن انها ’الضعيفة الوحيدة’ لن تعود ضعيفة ولا وحيدة عندما تعمل في بالتنسيق مع رفاقها و تصبح أكثر وعيا بمقوله "الاتحاد القوة".

الصدام مع البوليس والقوى الأخرى إبان الاضرابات، إضطهاد العمال ونفيهم، وحظر مناقشة شؤونهم وحرمانهم من تشكيل النقابات، يكشف اصطفاف الحكومة ويؤكد وقوفها إلى جانب أصحاب المعالي والأغنياء. وبهذا فإنهم وبدون قصد، يعلمونها ضرورة النضال السياسي، وانتزاع حق العمال في المشاركة في وضع القوانين وإدارة الدولة.
تدرك المرأة شيئًا فشيئا حاجة الطبقة العاملة للحرية السياسية في طريق الظفر بمصير أفضل للعمال، فبدون تنظيم الطبقة العاملة يستحيل اقامة النظام الأشتراكي. وبهذا، يولد الوعي الطبقي عند المرأة العاملة تدريجيا، وبالطبع لا يحدث هذا كله في لمح البصر، بل يحتاج إلى سنوات أحيانا. لا تتمكن جميع النساء العاملات في المصنع من وعي ظروفهن بنفس الدرجة، ولكن، وبكل الأحوال، فإن العمل في المصنع يهيّئ النساء ـ كما الرجال ـ للنضال من أجل قضية العمال.
دأب القساوسة النمساويون والكهنة الكاثوليكيون البلجيكيون والسويسريون والعديد غيرهم على الانشغال بالمطالبة بسن قوانين تمنع النساء من العمل في المصانع. فهم يلقون باللوم على الصناعة لإبعادها النساء عن الأسرة ويشيرون الى الضرر الذي يلحقه العمل بصحة المرأة. إن كل هذا صحيح، لكنهم يغفلون شيئا مهما، هو السبب الذي يدفع النساء إلى المصانع، وهو الفقر والعوز، وإن النساء اللواتي يُطردن من المصانع سيتعين عليهن البحث عن مصادر دخل أخرى، سوف يتحولن إلى العمل من المنازل ويتورطن في نير الصناعات الحرفية المنزلية، حيث يكن مجبرات على مضاعفة جهودهن أكثر وأكثر في هذا العمل، مقابل مردود أقل. وإلا، لن يكون أمامهن خيار أخر سوى بيع أنفسهن. هؤلاء السادة الكرام يتأسفون على العاملات لكنهم يفشلون فشلا ذريعا في تقدير ظروفهن، أو حتى فهم الأثر التحرري للعمل في المصانع على النساء، إنهم يؤمنون بأن النضال من أجل قضية العمال هو عمل شيطاني شرير، وإنه سيكون من الأفضل بكثير للمرأة أن تبقى في المنزل، وتحمي نفسها من المشاركة فيه. أما العاملات، فيرين الأمور بمنظور مختلف تماما، فهن يرفضن فكرة حظر عمل النساء في المصانع.

تدفع للنساء أجورا أقل من أجور الرجال في العادة، وهذا يجعل أصحاب المصانع سعداء جدا بعمل النساء في مصانعهم، فيقومون بتوظيف النساء ليحلوا محل الرجال في بعض الأحيان. ولهذا السبب، يؤيد العديد من العمال الرجال القوانين ألتي تحظر عمل النساء، إنهم ينظرون إلى النساء كمنافسات خطرات، يخفضن من ثمن العمالة، حيث يعرضن عملهن مقابل ما هو أقل من الكفاف. ولكن، ما ألذي سيحدث لو فاز العمال بهذا الحظر؟ هل سيتمكنون من الحلول محل النساء فعلا؟ بالطبع لا. إذ لن يوافق أصحاب المصانع أبداً على استبدال عمل النساء الرخيص بعمل الرجال الأكثر تكلفة، نحن نعلم من خلال تاريخ تشريعات المصانع، أنه عندما تم إصدار قانون يحد من استخدام عمالة الأطفال، لم يحصل أن استبدلت عمالة الأطفال بعمالة الرجال، بل قام أصحاب المصانع بإدخال الات جديدة حديثة تساعدهم في الاستغناء عن عمالة الأطفال، وسيتبع هذا الأجراء نفسه في حال تم إصدار أي قانون يحظر عمل المرأة، سيدخل أرباب العمل الات جديدة لتحل محلهن، ولن يغنم الرجال سوى بالقليل. من أجل حرمان الملاك من اتخاذ النساء ذريعة لتخفيض أجور العمال بشكل عام، لا يجب على الرجال المطالبة بإبعاد النساء، بل يجب عليهم المطالبة بأجور متساوية للرجال والنساء. وبهذا، لن يكون لمالك المصنع أي أساس لتفضيل عمل المرأة على عمل الرجل.
يفضل صاحب العمل عمل المرأة على الرجل هذه الايام، وذلك ليس لأن عمل المرأة أرخص فقط، ولكن لأن المرأة أكثر إذعانا وتقبلا للمساومة من الرجل، ويمكن لأصحاب العمل استغلالها حتى الصميم. لذلك، يجب على الرجال مساعدة النساء العاملات في تنظيم أنفسهن، لإيقاظ الوعي الطبقي في نفوسهن، لأن المرأة الواعية والمنظمة ستكون أقل تقبلا لمطالب أصحاب العمل المجحفة ولن تسمح لنفسها بأن تكون لعبة في ايديهم.
وعندما تستطيع المرأة رفض القوانين ألتي تحرمها العمل، فسوف تتمكن أيضا من المطالبة بسن تشريعات تحمي حياتها وصحتها ومصالحها.


في عام 1897 في زيوريخ، سويسرا، عقد ممثلو النقابات العمالية مؤتمرا دوليا، ناقشوا فيه التدابير الرامية إلى حماية الصحة والسلامة للعمال في جميع هذه الدول، وفيما يتعلق بحماية حق المرأة في العمل، قرروا القيام بحملات في كل مكان من أجل تحقيق القرارات التالية:
1 . تقنين التأمين الشامل على الصحة والسلامة والحياة لجميع النساء العاملات في المصانع والمكاتب، في الصناعات الكبيرة والصغيرة، وفي الحرف اليدوية والمؤسسات، وفي مكاتب البريد، ووكالات التلغراف والهاتف، وفي السكك الحديدية والنقل البحري وفي كل مكان، على أن يغطي العاملات في الصناعات المنزلية كذلك. ولن يكون إقرار التأمين الشامل حبر على ورق، فيجب وضعه محل التنفيذ، على ارض الواقع وتحت غطاء قانوني، ولضمان تنفيذه، يجب سن عقوبات تردع المخالفين، والتأسيس لهيئة تفتيش مستقلة ومؤهلة لضمان تنفيذ القانون.
2 . أقر المؤتمر، قبل كل شيء، بأن لا يتجاوز طول يوم العمل للعاملات بشكل عام الثمان ساعات يوميا، بمعدل 44 ساعة عمل في الأسبوع، وأن ينتهي العمل منتصف النهار من يوم السبت ومنه إلى يوم الأثنين، إجازة اسبوعية، تضمن للعمال الانقطاع عن العمل لمدة 42 ساعة على الأقل.
3 . يُحظر على أصحاب العمل أن يفرضوا على العاملات في المصانع وغيرها، أي عمل إضافي، أو أي عمل يضطررن إلى إتمامه في بيوتهن بعد انتهاء أوقات العمل الرسمية.
4 . إقرار إجازة أمومة، لمدة ثمانية أسابيع تمتد قبل وبعد الانجاب، وأن لا تقل عن ست أسابيع بأي حال من الأحوال، وعلى قانون العمل أن يحدد المجالات الصناعية ألتي لا يسمح للنساء الحوامل أن يعملن فيها على الأطلاق. وخلال اجازه الأمومة يجب أن تحصل المرأة على تعويض عن انقطاعها عن العمل، بحيث لا يقل مدخولها عن مقدار أجرها المعتاد، وأن تتم تغطية هذا التعويض من قبل الدولة أو المجتمع.
5 . يجب سن قوانين تضمن حماية اصحة وسلامة النساء العاملات في القرى والخادمات، كتلك الخاصة بعاملات المصانع.
6 . يطالب المؤتمر بالمساواة التامة في الأجور بين النساء والرجال الذين يقومون بنفس العمل.
كيف يضمن العمال تنفيذ قرارات المؤتمر؟
أولا: مناقشة القرارات بشكل علني في الاجتماعات، ونشر هذه المناقشات على العامة.
ثانيا: صياغة المطالب على هيئة مشاريع قرارات وتقديمها للبرلمان، على شكل عرائض مطلبية موقعة من قبل مئات الألاف.
ثالثا: سيطالب ممثلو العمال في البرلمان بإقرار القوانين ونشرها على الملأ مما يضمن تنفيذ قرارات المؤتمر.
أما في روسيا، فليس من الممكن مناقشة ظروف العمال على الملأ، ولا حتى تقديم العرائض المطلبية، إذ لا يوجد برلمان من الأساس. انها لمدعاة للضحك أن نتوقع من الحكومة تنفيذ قرارات المؤتمر، إن أي قانون في صالح العمال لن يتم اقراره إلا من خلال نضال العمال. تماماً كما انتصروا في نضالات الأعوام 1885 و 1887. وحتى عندما ينتصر العمال، ويتم إقرار هذه القوانين، دائما ما يتم تجاوزها والتملص من تطبقها. فمن أجل الظفر بحماية حقيقية تصون مصالح العمال وحقوقهم، وجب عليهم الفوز بالحرية السياسية أولا، كما فعل إخوتهم، العمال الأوروبيون. إن النضال السياسي هو السبيل الوحيد أمام العمال لتحسين أوضاعهم. وفي درب النضال، سوف تعمل المرأة العاملة يدا بيد مع الرجل العامل، من أجل تحقيق ظروف أفضل في العمل، من أجل الحرية السياسية ومستقبل أفضل.


ملاحظات:
1. صناعة النسيج، هي الصناعة ألتي تجمع معالجة مختلف المواد الليفية (الألياف) : الكتان، والصوف، والقطن، والرغاوي.
2. البروليتاريا: أي شخصً لا يمتلك أي ممتلكات، ولا يعيش إلا بما يتلقاه من أجر مقابل عمل يوظفه فيه أشخاص أخرون، أو، كما تقول الكتب، يعيش من خلال بيع قوة عمله. والعامل هو بروليتاري، من حيث انه يعيش فقط من خلال بيع قوة عمله.
3. "الصناعة المنزلية" المرأة فيها بروليتارية، ونعني بالصناعة المنزلية: العمل الإنتاجي الذي تقوم به المرأة العاملة لأصحاب العمل في منزلها، ويمثل المراحل الإنتاجية الأخيرة للمنتج، وألتي ينقله أصحاب إلى ورشات خارجية تكون هي بيوت العاملات، على سبيل المثال: لصق قرم السجائر، تغليف الحلويات، وما إلى ذلك. ولتضمن النساء العاملات حصولهن على هذا العمل، فهن يقبلن بأدنى الأجور، ويحسب أجرهن على القطعة، وفي العمل بمثل هذه المعدلات المنخفضة من الأجور، تعمل المرأة من الصباح حتى الليل دون انقطاع للحصول على بنسات قليلة في المقابل. إنهم يقبلون بهذا العمل لأنه لا يوجد بديل أخر، وتعد أي مدخولات ولو قليلة بمثابة دعم لأسرهن. لكن، من المؤكد أن عمل المرأة في المنزل لا يمنحها الاستقلال المطلوب بل يؤدي إلى تقويض قواها وإنهاكها.
4. إن المرأة عبدة في المنزل بسبب كونها تعيش حياة لا استقلالية فيها، بل تعيش على تابعة لأفراد الأسرة الأخرين.
5. كلارا زيتكين "Zetkin" : هي واحدة من القيادات البارزة والموهوبة في حركة النساء العاملات في ألمانيا







اخر الافلام

.. -لا لعهدة خامسة- للرئيس بوتفليقة.. شعار رفعه آلاف المتظاهرين


.. آلاف المتظاهرين احتجاجا على ترشح بوتفليقة للانتخابات الرئاسي


.. زعيم حزب العمال البريطاني في بروكسل..لماذا؟




.. كيف يتذكر الشباب المغربي حركة -20 فبراير- بعد ثماني سنوات من


.. بوتين يهد الولايات المتحدة: مستعد لأزمة صواريخ كوبية أخرى إذ