الحوار المتمدن - موبايل



القطط وأنا

منير المجيد

2018 / 12 / 30
كتابات ساخرة


كنّا، صديقي وأنا، نحتسي الشاي، في أمسية قامشلاوية ماطرة، منتصف شهر فبراير وفي مطلع السبيعينات. المدفأة كانت ترسل نوراً أصفر مهتزاً واضحاً بالرغم من هباب الكربون الذي كان يُغطي معظم النافذة الزجاجية الصغيرة من الداخل.
قطّة صديقي كانت تحوم حولنا، وتتوّقف كل مرّة تسمع نداء قطّط وأصواتاً تشبه النحيب في هذه الفترة من السنة.
فجأة، جلست على بطنها ورفعت مؤخرتها في الهواء وهي تتغنج وتتلوى.
التقط صديقي عود ثقاب غير مستعمل، وبهدوء أدخله فيها من الخلف، فصارت تتغنّج أكثر وتخرخر.
بورنو قطة وبني آدم.
«تريدها عدّة مرات في اليوم». قال صديقي وهو يبتسم.
الرجل مولع بقطته، وهو، ببساطة شديدة، يمنعها من الخروج خارج غرفته لسببين، الأول أنه يغار عليها من قطط الحارة، والثاني أنه لا يريد لها أن تفرخ.

تفاصيل هذه القصة العجيبة، من عالم القطط وأصحابهم من فصيلتنا، ماتزال ماثلة في ذاكرتي، فكيف أنساها، وأنا الذي كان عندي دائماً قطة في فترة طفولتي وشبابي.
لم أكن أغار على قطتي، كما صديقي، بقدر ماكان يزعجني ما تتعرّض له من مشاقٍ على أسطح بيوتنا والجدران التي تفصلنا عن بقية الجيران، حينما يتبادل عليها قطط الحيّ واحداً تلو الآخر، مُصدرين أصواتاً مخيفة أحياناً.
موسم الجماع قد يستمّر لمدة أسبوعين، تعود بعدها قطتي نحيلة منهكة جائعة ومُغطّاة بالأطيان.
حسناً، كنت أشتمها أحياناً وأنعتها بالقحبة، حينما أراها في تلك الحالة المزرية.

حدث في أحد المواسم، وكان قطّ جيراني بطلها الرئيسي. القط ضخم الجثة، عديم الفروة في بعض المناطق، وخاصة رأسه، وبعين واحدة، كل ذلك بسبب أحجار الأطفال التي قصفته طيلة حياته القططية. حاول التودّد إلى قطتي ضمن مجموعة من ثلاثة ذكور، فكانت تحيد عنه. أحياناً كان يتعارك بعنف وصراخ مع القطّين الآخرين فيفرّان. قطتي كانت معجبة بواحد من هؤلاء لم أره قبل الآن. على الأرجح شاب على وشك خوض تجربته الجنسية الأولى.
في أحد الأيام، رأيت مشهداً آخر من عالم القطط، لا يمكن نسيانه. على الجدار الفاصل بين بيتنا وبيت الجيران رأيت القط الكبير الأعور يمتطي الذكر الشاب، بينما قطتي جلست تراقبهما على مقربة. القطّ الثالث لم يكن موجوداً لسبب ما لا يعرفه سوى القطط. في الأيام التالية انفرد الملوط به بقطتي، ولم يعجبني حينها أنها ستلد من مثليّ.
القطط أيضاً تتلاوط. يا له من عالم، عالم الحيوان!

كنّا أيضاً، بعد أن تفطم القطة فراخها ولا تريد التعامل معهم، نحبسهم في شوالٍ، وهم ينتفضون بعصبية، ونذهب إلى سوق الخضار واللحوم، ونطلق سراحهم هناك. لطالما أبكاني المشهد، فأنا، علاوة على أنني كنت قد تعلّقت بهم وأعتني بإزالة البراغيث من فروهم، كنت أخاف على مصيرهم في السوق المليئة بقطط هائمة وكلاب متوحشة. إلّا أن هذا الحل كان الأنسب في كل الأحوال. عائلتي لم توافق أبداً على إحتفاظي بأكثر من قطة واحدة، ورمي هؤلاء الفراخ في الشارع سيُعرّضهم إلى موت بائس وعذاب أليم على أيدى أطفال الحارة.

في الدانمارك اختلف علي عالم القطط تماماً.
الكلاب هم المُفضلون، وأنا لا أحبذهم. تماماً مثل الذي يستعمل نظام أپل ولا يستطيع أبداً إستعمال أنظمة ويندوز أو غيرها، فالذي يحب القطط لا يُريد الكلاب. والذين يُبقون كليهما يُعدّون أقلّية.
تروقني القطط لأنها تفخر بكرامتها واستقلاليتها. تأتي إليك حينما تشاء وليس لأنك تريد. تنتظر منك أن تُقدّم لها الأكل، لأنك تقوم بواجبك تجاهها. وهي تهتم بنظافتها الشخصية وما حولها، فمثلاً، حينما تتغوّط تحرص على تغطية مخلفاتها بالتراب، وداخل البيوت لديهم تواليتهم الخاص المكّون من صفيحة مليئة بالرمل. لاحظت أيضاً أن هناك عشرات الفيديوهات على اليوتيوب عن قطط تجلس على كرسي التواليت وتقضي حاجتها.
الكلب، بالمُقابل، يتودّد ويتمسّح بطريقة مُهينة تفتقد إلى الكرامة. يضرط كثيراً ولا يعتني بنظافته الشخصية، لأنه يتغوّط حال خروجه ويترك قذارته ويمضي. يحتاج إلى دراية وعناية، لأنك ستضطر إلى المشي معه، على الأقل مرتين في اليوم، بالإضافة إلى أنهم يُصابون كثيراً بشتى أنواع السرطان والروماتيزم.
ويجب أن لا أنسى أيضاً، أنك حينما تشْتم أحداً تقول له يا كلب، وليس يا قط، وحينما تقابل فتاة جميلة دلّوعة وشقيّة، تقول لها ياقطّة.

لدى جيراني، في قريتي هنا، كلاب وقطط. في البداية كانت الكلاب تنبح وتنظر إلي بغضب كلبي. هي تعوّدت على وجودي الآن وتتركني بحالي. بينما، حتى الآن، تعرّفت على ثلاث قطط. الأولى بيضاء وعليها بقع صغيرة برتقالية، تأتي دوماً حين أعمل في الحديقة، تُقرفص، تاركة مسافة جيدة بيني وبينها، وتراقبني. حاولت عدة مرّات الإقتراب منها، لكنها تتراجع. الثانية سوداء بالكامل لا تريد التعامل معي على الإطلاق. الثالثة، لا، الثالث، ذكر فخم الفرو ألوانه عديدة يغلب عليها البنيّ، كبير الحجم، جسمه ممتلئ دون أن يكون بديناً، وهو شديد الوسامة، عيونه خضراء مثل لون العشب الطازج، يُسارع إلى الترحيب بي والتمسّح بساقيّ، رافعاً ذنبه الثقيل إلى الأعلى ويدور حولي عدة مرات. «أليكس»، أسمه مكتوب على صفيحة معدنية حول رقبته، وهناك رقم هاتف أيضاً. القطط هنا تصيد للتريّض، تقتل وتأنف على أكل طريدتها. يُفضّلون صيد الطيور وفئران الحقول الصغيرة، ويخشون الجرذان.
أصحابهم يعرّضون بعضهم إلى العقم لدى الأطباء البيطريين، حاجبين عنهم الرذيلة التي ينساقون إليها في الشهر الثاني وتجنبهم النزاعات الدموية والصاخبة.
لهم فنادق إن لم يشأ أصحابهم أخذهم معهم على متن الطائرات المتجهة إلى رحلات الجنوب، ولهم صالونات التجميل والتشذيب والحلاقة. لهم مقابر بشواهد عباراتها تُبكي الأحجار التي كُتبت عليها، وورود مزروعة حولهم حين يموتون في أرذل العمر أو يمرضون بجديّة، بعد أن يتلقون حقنة مخدرة سامة من البيطري، وسط دموع ونحيب أفراد أسرهم. هذا عدا تلك التي تصير الوريثة الأولى لصاحبها الذي سبقها إلى الموت.

نحن، وحيواناتنا الداجنة والبيتية، نتبع شروط مواقعنا الجغرافية وأخلاقنا «الثقافية». أليس كذلك؟







اخر الافلام

.. حورية فرغلى والفيشاوى وفيلم -يوم الدين- يحصدون جوائز الأفضل


.. مصطفي شعبان يكشف سبب تراجعه عن اعتزال التمثيل


.. نجوم هوليوود يعارضون تقديم بعض جوائز الأوسكار خلال فواصل إعل




.. الفنان القدير الراحل ا?براهيم بحر في سطور


.. بتحلى الحياة – ندى الحاج - شاعرة وكاتبة وابنة الأديب الراحل