الحوار المتمدن - موبايل



الفن المعاصر

سعود سالم

2018 / 12 / 31
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


عن المراحيض والكراسي
إن العلاقة بين الفن والخيال هي علاقة تأسيسية بالنسبة للفن، بمعنى أن العمل الفني لا يمكن تصوره خارج عالم الخيال، فكل عمل فني هو بالضرورة مرتبط بالخيال لإدراكه والإستمتاع بخصوصياته وتراكيبه الجمالية، ولكنه لا يحتاج بالضرورة للخيال لإنتاجه وصناعته ماديا. على العموم هذه العلاقة تحتاج إلى المزيد من النقاش والتحليل، خاصة وان الكثير من الفنانين يرفضون هذه الفكرة حاليا، وذلك منذ ظهورما يمكن تسميته بالفن النظري او الفكري او التصوري Conceptual Art، والذي يهتم بالتصورات الفنية، اكثر من اهتمامه بالصور الفنية. مارسيل دوشان Marcel Duchamp، حين حاول وضع المبولة المشهورة باسم النافورة Fontaine -التي أشتراها من سوق الخردوات - في صالون الفن الحديث بنيويورك في سنة 1917، ورغم رفض لجنة الصالون لهذا العمل، غير ان دوشان كان قد فتح عصرا جديدا في تاريخ الفن المعاصر، بمقولة Ready Made او المصنوع الجاهز. وهي فكرة تحاول التخلص من نظرية المحاكاة Mimèsis، وذلك بوضع الشيء ذاته وليس صورته في الصالون او المعرض او المتحف الخ. غير ان هذا العمل رغم اهميته التاريخية، لم يقدم خدمة كبيرة للفن، ولم يقدم حلا للمشكلة القائمة ـ تعريف العمل الفني ـ ذلك ان هذا العمل لم يكن نابعا عن تغيير جذري في مفهوم الفن، بقدر ماكان رغبة ملحة فرضها تطور السوق الراسمالي ذاته. وذلك للتغيير وتقديم بضاعة جديدة، ذلك ان العمل الفني المختلف في الشكل عن الاعمال السابقة، لا يعد في ذاته تغييرا جوهريا، ولا ثورة فنية، وانما التجديدي يتمثل في تحطيم القواعد والاسس المبني عليها هذا المنظور الفني، وذلك ما ادركه كما يبدو شاعر كالبياتي حين يقول ان التجديد في الشعر ليس ثورة على العروض والاوزان والقوافي كما خيل للبعض، بقدر ما هو ثورة في التعبير. إذن السؤال الافلاطوني ما يزال مطروحا بدون اجابة حقيقية. حين نسأل احد النقاد الفنيين اليوم، عن الفرق بين التفاحة الحقيقية وصورة التفاحة، فانه يجيبنا بكل بساطة عليك ان تقضمها لتعرف الفرق، متجاهلا او ناسيا بأن أي انسان حين يقضم التفاحة، فانه يعرف قبليا ومسبقا بانها تفاحة حقيقية، وان التجارب العلمية والانثروبولوجية والنفسية اثبتت بما لا يدع مجالا للشك، بان أي انسان مهما كانت ثقافته، يستطيع ان يميز بطريقة واضحة وقبلية، بين الشيء وصورته، مهما كانت هذه الصورة مشابهة. وحتى بعض الحيوانات تستطيع ان تفرق بين الشيء الحقيقي وبين صورته في المرآة. وهذا ما دفع الفنان الامريكي جوزيف كوسوت Joseph Kosuth للعودة إلى فكرة افلاطون، وقام بعرض عمل فني يعتبره بعض النقاد اهم عمل فني في القرن العشرين، وهو العمل المسمى واحد وثلاثة كراسي One and Three Chairs عام 1965، وهو بداية عمل فكري اراد به ان يوضح او يشرح الفكرة الاساسية الافلاطونية، حيث عرض كرسي خشبي حقيقي وبجانبه صورة الكرسي ذاته، ثم صورة اخرى مكبرة لتعريف الكرسي في القاموس. ونستطيع ان نلاحظ بطبيعة الحال ان الفرق بين اسرٌة افلاطون الثلاثة، وكراسي كوسوت، هو ان السرير المثالي الافلاطوني هو الفكرة، أي فكرة السرير في ذهن الاله، تسبح في الفضاء، بينما كوسوت يضع مكان الفكرة المثالية تعريف القاموس اللغوي لكلمة كرسي Chair. وبذلك وضع كوسوت المشكلة في اطار جديد، لأنه يدخل عنصر اللغة كبديل للمثل الافلاطونية، والتي لها نتائج مختلفة كل الاختلاف فيما يخص مشكلة الادراك الحسي واللغوي والخيالي. وإذا كان لكوسوت اية اهمية في تاريخ الفن المعاصر، فان اهميته ناتجة عن هذه المحاولة الجريئة لتصوير الفكرة الفلسفية الافلاطونية. ووضعه في مكان واحد التساؤل الأول عن الفرق بين الوعي المدرك والوعي الخيالي، والوعي اللغوي أي الوعي المتعلق بالمعني والتصور. رغم ان محاولة كوسوت فكريا تظل محدودة لعدم تمكنه من الوصول إلى شرح هذه المستويات المختلفة للادراك. ففي النص المرافق لهذا العمل، يكتفي بالقول بأن هذا العمل لا يستهدف المخيلة، وانما هو لعبة فلسفية للمشاهد، وظل النص مجرد نص شعري لا يضيف شيئا، رغم احتواء العمل ذاته على امكانيات كبيرة للوصول الى تحليل علمي لمستويات الوعي المختلفة. ويكتفي كوسوت بهذه الفكرة المسطحة "فكرة الفن، والفن هما شيء واحد". ويعود بنا الفنان المعاصر إلى مئات السنين الى الوراء، وكأن كل تقدم فكري منذ افلاطون حتى اليوم، لم يكن له أي وجود يذكر. وليس المجال هنا للدخول في التفاصيل الفلسفية التي تجعل هذه الفكرة خاطئة او رجعية، وانما لابد ان نعاود التركيزعلى انه قبل محاولة معاينة العمل الفني، وما يميزه عن العمل الانساني عامة، ان نطرح مشكلة الصورة كمشكلة فلسفية ونفسية، لا نستطيع التغاضي عن ايجاد الحلول لها. خاصة ونحن نعيش اليوم في بداية القرن الواحد والعشرين، وهوعصر تحتل فيه الصورة مكان الصدارة في جميع جوانب الحياة اليومية، سياسيا وفنيا واجتماعيا، كالمجلات والسينما والكتب والتلفزيون والفيديو والمسرح والتصوير والاعلان الخ. الصورة اليوم هي البديل عن الواقع وعن وجوده المادي. ولابد ان هذا التضخم الصوري يؤثر بطريقة او باخرى على ادراكنا الحسي، ويغير في طريقتنا في رؤية العالم والاحساس به والتعامل معه. لابد لنا من التساؤل عن الفرق بين الكرسي الخشبي المادي، وبين صورة هذا الكرسي، وكذلك عن الفرق بين هذين الكرسيين وبين كلمة كرسي. رغم ان هدفنا هنا ليس التساؤل لمجرد التساؤل، وانما محاولة ايجاد مميزات العمل الفني، والذي نعتقد في النهاية بانه مجرد صورة Image لااكثر ولا اقل من ذلك. وان ميزة هذه الصورة هو عدم وجوديتها. فهذا العدم الذي ينخر العمل الفني من الداخل هو الصفة الاساسية والجوهرية التي تجعل منه عملا فنيا. رغم ان اللوحة او القطعة الشعرية او الموسيقية لها وجود مادي حقيقي يرتكز عليه العمل الفني ذاته، غير ان اللوحة بصفاتها المادية ـ الكادر ـ الالوان ـ القماش ..الخ. لاتشكل العمل الفني في جوهره. انها المواصفات المادية التي تسمح للعمل الفني بالظهور في لحظة معينة، لحظة التقائه بعين المشاهد، او باذن المستمع، والذي يخلق في تلك اللحظة العمل الفني ويعطيه وجوده. غير انه يخلقه بطريقة عدمية بالنسبة لقوانين الوجود المادية. يخلقه بطريقة غامضة. انه نوع من الوعي السلبي ـ الوعي الخاص الذي يخلق عالما خاصا خياليا منفصلا ومتعاليا عن العالم الحقيقي، وبمجرد ان يقفل المشاهد عينيه، يختفي هذا المحتوى الفني، وتعود اللوحة إلى شيئيتها المادية، وتغوص في صمتها وعزلتها الأبدية كشيء.








اخر الافلام

.. مئات الكازاخستانيين قيد الإقامة الجبرية في شينجيانغ


.. شاهد.. قوات الاستطلاع توقف رتلا من المدرعات في أورال وتخطف ع


.. مباشر.. أنباء عن قصف إسرائيلي لـ قطاع غزة




.. مطار إسرائيل يزعج الأردنيين


.. مشروع ترمب للدرع الصاروخي