الحوار المتمدن - موبايل



[4]. بهاء الطَّبيعة ، قصّة قصيرة

صبري يوسف

2019 / 1 / 3
الادب والفن


4 . بهاءُ الطَّبيعة

(استلهمتُ فضاءات هذه القصّة من وحي مشاهدتي عشرات الصّور الَّتي التقطَها الفنّانُ التَّشكيلي الصَّديق كابي سارة ونشرَها عبر صفحته في الشَّبكة العنكبوتيّة، فإليه أهدي هذه القصّة!).

نهضَ من نومٍ عميق مسربل بحلمٍ لذيذ، فاستقبلُهُ بياضُ الثَّلجِ من النّافذةِ المطلّةِ على بهجةِ الطَّبيعة، فمسحَ شطراً من أحزانِهِ، وغمرَهُ فرحٌ عميق وهو ينظرُ إلى نُدَفِ الثَّلجِ وهي تتهاطلُ فوقَ الأشجارِ والبناياتِ والشَّوارعِ ومروجِ الغابات.
يا إله الفرح، لبسَتِ الطَّبيعةُ من جديد أبهى حُلَلها بعد اِنتظارٍ طويل، تمتمَ وهو في أوجِ فرحِهِ مثلَ طفلٍ يتلقَّى أجمل الهدايا، ما هذا الجمال الَّذي تمنحُهُ الطَّبيعةُ لنا في كلِّ الفصولِ؟! .. روحُهُ متجلِّية بنِعَمِ السّماءِ والأرضِ، توجّه نحوَ حاسوبه وبدأ يسمعُ كعادتِهِ في كلِّ صباحٍ إلى برنامج غذاء الرّوح للأب داؤود لمعي، متشرّباً بروحِ المحبّةِ، محبّة الله والبشر، نشوة غامرة تهدهدُ قلبه وتعمّقُ مشاعره الرَّهيفة، تبتسمُ حبيبته له، عناقٌ عميق يسربلُ روحيهما، تنمو الأزاهيرُ في قلبيهما، قفزَتْ إلى ذاكرته فيروزيات الصَّباح، بحثَ بشغفٍ عميق عن أغنية: "تلْجْ تلْجْ عَمْ تشتّي الدّنيي تَلْجْ"، وبدأ يسمع فيروز بفرحٍ كبير وينظرُ إلى الثَّلج ببهجةٍ عميقة، منحتْهُ دندناتُ فيروز تجلّيات منعشة للروحِ وهو يحلّق بكلِّ جوارحِهِ معَ بهاءِ الثَّلجِ، جميلٌ أن يتمتَّعَ الإنسانُ معَ روعةِ عطاءاتِ الطَّبيعة، جميلٌ أن نحافظَ على الطّفلِ الّذي في داخلِنا. قبَّلَ حبيبتَه بوهجٍ فرحيٍّ، نظرَتْ إليه بسرورٍ، وعرفَتْ أنَّ الثَّلجَ يمنحُهُ طاقات فرحيّة وعشقيّة، تراءَتْ أمامها أجمل الأيام وأبهجها معَ هذا الحبيب الَّذي يطيرُ فرحاً كالعصافيرِ مثلَ هذه الأيام. صوَّرَ الثّلجَ من خلالِ النّافذة الكبيرة، حيثُ القلوبُ وإيقونات القدِّيسين والأزاهير والورود متموضعة بتنسيقٍ جميلٍ فوقَ رفِّ الرّخام الممتدِّ على مساحةِ النّافذة، رحلةٌ مبهجة تنتظرُهُ في أحضانِ الطّبيعة، تناولَ فطوره ونظراته لا تنقطعُ عن الثَّلجِ، كانَ للزيتونِ مذاقاً لذيذاً وهو يتناولُ حبّاتها الخضراء، والجبنة والقشطة البيضاء تزيد من ولعه ببياضِ الثَّلجِ. ارتشفَ بمتعةٍ شايه المعبّقة بالقُرْفة، كانَتْ كامرة الفيديو والتّصوير تنتظرانه. ارتدى لباسه الشّتوي، قبّعته السَّميكة، ورداءً طويلاً ولفحته، ثمَّ خرجَ بفرحٍ كي يعانقَ بهاءَ الطَّبيعة. حنينٌ غامر يربطُهُ بها، تنامى لديه شعور أنّه ابن الطّبيعة المدلَّل، استقبلَ نُدَفَ الثَّلجِ وهي تتهاطلُ فوقَه بعذوبةٍ رهيفة، وكأنّها قبلات متهاطلة عليه من مآقي السَّماءِ، وجهه مبتسمٌ للحياةِ، بدأ يدندنُ هو الآخر "تَلْجْ تَلْجْ عَمْ تشتّي الدِّنيي تَلْجْ"، هامساً بينه وبينَ نفسه، فيروز انبعاثُ فرحٍ للطبيعة، للطفولة، للكبار والصّغار، لأزاهير الغابات، للجمال، للحب. فيروز صديقة ليلي ونهاري، صديقة صباحاتي منذ أن كنتُ هناك في أزقّة ديريك، مسقط رأسي وحبُّي الأوَّل وإبداعي الأوّل، وصداقات على مدى عقودٍ من الزّمان، ظلَّتْ متلألئة في مروجِ الذّاكرة، وتذكّرَ كيفَ وجّهَ أنظارَهُ نحوَ سماءِ دمشق كي ينهلَ من كلّيةِ الفنونِ الجميلة أبهى تجلّيات الألوان، شمخَتْ أمامه قامات أصدقائه الفنّانين، شعرَ وكأنّه يسمعُ صوتَ قهقهاتهم. كم مرّة سمعوا أغاني فيروز سويةً، ثمَّ حلَّقَ عالياً نحوَ الشَّواطئِ الدَّافئة، حاملاً فوقَ أجنحتِهِ أغاني فيروز وحبّ الوطن والأصدقاء، إلى أنْ هطلَ عليه الثَّلجُ كما تهاطلَتْ مراراً أنغامَها عليه في الكثيرِ من محطّاتِ العمرِ.
وفيما كانَ يسيرُ في قلبِ الغاباتِ، سرحَ بعيداً نحوَ ما وراءِ البحارِ، تذكّرَ كرومَهُ وأشجارَ اللّوزِ والوطنِ المحفور في جبينِ الرُّوحِ ووهجِ القلبِ، هذه الذّكريات الحميميّة ستبقى معرّشةً في هلالاتِ الذّاكرة طويلاً، هزّ رأسَهُ وآلافُ الصُّورِ تتراءى أمامه، ثمَّ راحَ ينظرُ باستمتاعٍ إلى جمالِ الأشجارِ المكسوّةِ بروعةِ الثّلجِ، وبدأ يصوِّر عشرات الصُّور، يلتقطُ صوراً للأشجارِ، للطرقات للسماء، ثمَّ التقطَ صوراً لنفسه وصادفَ صديقاً غارقاً في شغفِ التّصويرِ، وصوّره، ثمَّ تحدّثا عن روعةِ جمالِ الطَّبيعة، وهو في أوجِ حبورِهِ، بسمةٌ وارفة ارتسمَتْ على محيّاه، كأنّهُ في حالةِ ابتهالٍ لفرحِ أولادِهِ وأهلهِ وأصدقائهِ، جموحٌ رهيفٌ تدفَّقَ على مخيالِهِ نحوَ معانقةِ الحياةِ بكلِّ بهائِها وعطائِها وجمالِها وروعِةِ ما فيها من نِعَمٍ على مدى كلِّ الفصولِ!
مرَّ بجانبِهِ طفلٌ جميل على عربةٍ صغيرةٍ تجرُّها أمُّهُ زحفاً على الثّلجِ، يلهو مع الثّلجِ وهو يتساقطُ فوقَهُ، مداعباً خدّيهِ، ومتناثراً فوقَ معطفِهِ وقبّعتِهِ الصَّغيرة وهو في حالةِ مرحٍ، فجأةً شاهدَ عصافير فوقَ شجرةٍ قريبةٍ منهُ، وجّهَ الطّفلُ الكبيرُ كامرتَهُ نحوَ العصافيرِ مركّزاً على الطِّفلِ الصَّغيرِ وهو ينظرُ إلى العصافير بحبورٍ كبير، ويبستمُ لكلِّ هذا الجمال الَّذي يغمرُ الطَّبيعةَ والكائنات. صوّرَ الأشجارَ البعيدة، ثلاث أشجار متعانقة بين أحضانِ الثَّلجِ، شامخة شموخ الفرح والحبِّ والسَّلام، كأنَّ كلّ شجرة ترمزُ لهذه المفاهيم الرّاقية في الحياة، لماذا لا نكون معطائين مثل الطّبيعةِ وقلوبنا بيضاء مثلَ نصاعةِ الثّلجِ وصافية كصفاءِ هذا الطّفل وهو في أوجِ مرحِهِ، ينظرُ إلى العصافيرِ والأشجارِ والثّلجِ وقلبهُ يغمرُه السُّرور؟!
سارَ وهو يلتقطُ صوراً للكثيرِ من المشاهدِ الّتي تَتراءى أمامَه بكلِّ ما فيها من جمال، ويصوّرُ مشاهدَ فيديو بديعة. سربلَهُ شعورٌ عميق بالغبطةِ، وتساءلَ: كيفَ يفوتُ على الكثيرِ من البشرِ كلّ هذا الجّمال ولا يتمتّعونَ به؟ حياتنا قصيرة مثلَ الفصولِ، فلِمَ لا نستغلُّ هذه الفصول الممتعة من حياتِنا؟ مرّتْ فتاة جميلة تمرحُ معَ روعةِ الطَّبيعةِ وتعانقُ صديقها، التقطا صوراً للأشجارِ والطّيورِ والطَّبيعةِ والسّماءِ، عبرا بينَ الأشجارِ ثمَّ غابا في قلبِ الغابةِ، كأنّهما في رحلةِ عناقٍ معَ حبورِ الحياةِ.
لم يشعرْ بالبردِ رغمَ هطولِ الثَّلجِ لأنّهُ ارتدى لباساً سميكاً يقيه من البردِ، وخفّفَ جمالُ الطَّبيعة من البرودةِ. طنَّتْ أذنُهُ طنيناً طويلاً فتخيّلَ أنَّ هناك من يتواصلُ مع فرحِهِ، لفَتَ انتباهه مجموعة من الأطفالِ يدحرجون أنفسهم على الثّلجِ ويرمونَ بعضُهم بعضاً بالثّلجِ، الحياةُ قصيدةُ شعرٍ، والطّبيعةُ لوحةٌ من أجملِ اللَّوحاتِ، التقطَ صوراً للأطفالِ وهم يمرحونَ، توقّفَ مشدوهاً وإذ به ينظرُ إلى طفلٍ يلهو مع تساقطِ نُدَفِ الثّلجِ وعلى مقربةٍ منه فتاةٌ يافعةٌ، هل هي أخته وخرجا معاً إلى هذا الكرنفال الفرحي، يعبّران عن غبطتهما ويتمتّعان بكلِّ هذا الجمال؟ يغمرُهُ الفرحَ من كلِّ جانب، التقطَ صوراً للطفلِ وهو يلهو مع نُدَفِ الثَّلجِ ببهجة طفوليّة غامرة. يمرُّ شاب بالقربِ منه ومعه جرو صغير، فرحٌ يغمرُ قلوبَ الجميعِ، وكأنَّ ستوكهولم تهيِّءُ نفسها لأفراحِ ميلادِ السَّلام عبر هذا البياض المنعش للقلوب!
عادَ إلى منزلِهِ بعد رحلةٍ ممتعةٍ قضاها بين أحضانِ الطَّبيعةِ الخلّابة، الحياةُ جميلةٌ أكثر ممّا نظنُّ لكن علينا أن نعرفَ كيفَ نغوصُ في كُنهِ جمالها وأبجديَّات روعتها وبهائها. يأتي الإنسانُ إلى الحياةِ ويرحلُ ولا يدركُ الكثيرَ الكثيرَ من جماليَّاتِ الحياة، عشراتُ الأسئلة تتراءى أمامَه، وأكثر ما كانَ يراودُهُ أن يتمتَّعَ بقيّةَ عمرِهِ في أبهى ما في الحياةِ من جمالٍ وهناءٍ وسعادةٍ، مركّزاً على مصالحةِ الحياةِ معَ الحياةِ، مجنّحاً نحوَ زرْعِ الوئامِ والسّلامِ في قلوبِ البشرِ، عادَ وفي جعبتِهِ مئات الصُّورِ والكثير من المشاهدِ الممتعةِ الّتي صوَّرَها على كاميرةِ الفيديو، رنَّ هاتفه، نظرَ إلى المتّصلِ معه، وردَّ وهو في قمّةِ ألقِهِ:
آلو، ..
مرحباً، أين أنتَ يا صديقي؟
أنا في أحضانِ الطّبيعة أعانقُ الثّلجَ.
تعانقٌ الثَّلجَ، بديع، تمتّع يا صديقي بهذا الجمال، أراكَ لاحقاً.
إلى اللِّقاء!
توجّهَ نحوَ جنانِ البيتِ بعدَ رحلتِهِ الممتعة بين خمائل الطّبيعة وسط هذا الجوّ المفعمِ بأبهى حالاتِ السُّرورِ، دخلَ منزلَهُ، فاستقبلتْهُ الحبيبة ببشاشتِها المعهودةِ، استرخى قليلاً فوقَ كرسيٍّ هزّاز، ثمَّ نقلَ الصُّورَ إلى آرشيفهِ، اختارَ مجموعةً من الصُّورِ ونشرَها على جدارِ صفحتِهِ عبر الشّبكة كي يشاركَ فرحَهُ معَ أفراحِ الأحبّةِ، تمتَّعَ مئاتُ الأصدقاءِ والصَّديقاتِ بمشاهدةِ جمالِ وروعةِ الصُّورِ، لوحاتٌ تشكيليّة طبيعيّة بديعة بعدسةِ فنّانٍ تشكيلي مرهف في التّصويرِ وحبِّ الحياةِ!
نظرتُ بدوري إلى الصُّورِ بمتعةٍ غامرة، متمتماً ما هذا الجمال البديع الّذي التقطْتَهُ من منارةِ الزَّمنِ يا صديقي؟! أدهشْتَنِي بكلِّ هذه الرّهافة في التقاطِ هذه الصُّور الخلَّابة، حقيقةً شعرتُ أنّني أمامَ لوحاتٍ محرّضةٍ على انبعاثاتِ وهجِ الرّسمِ والشِّعرِ والإبداعِ، وأعجبتْني جدَّاً صورتُكَ الّتي صوّرتَها بنفسِكَ، وكأنّكَ تترجمُ حبورَ البراءةِ والفرحِ الطُّفولي الَّذي طغى على سيماءِ وجهِكَ، تزدادُ تألُّقاً أيُّها الفنّان الشَّاهق في رؤاك الفنِّيّة والوئاميّة والإنسانيّة، وفي تجليّاتِ الرّوحِ، تعالَ نرسمُ تدفُّقاتِ الحنينِ إلى سماءِ ديريك والوطن الغافي بين ظلالِ القلبِ، ونكتبُ شعراً محبوكاً من يراعِ الغمامِ، ونستمدُّ قصصاً من الذَّاكرةِ البعيدةِ ونفترشُها بينَ نُدَفِ الثَّلجِ في صباحٍ من صباحاتِ ستوكهولم المكلَّلة بأبهى بسماتِ حبورِ وحنينِ الأطفالِ!

ستوكهولم: 14. 11. 2016







اخر الافلام

.. أفضل فيلم مصري في عام 2018


.. شاهد..وزيرة الثقافة تعلن ضم الأقصر لـ-ابدأ حلمك- بحضور محمود


.. (ما رح ندفع.. ما فينا ندفع) مسرحية تنتقد اوضاع لبنان




.. وزيرة الثقافة تفتتح أول ناد سينما أفريقية بالأقصر


.. شدو الموسيقى يغدو أروع وسط أحضان الطبيعة الخلابة في قلب موسك