الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


في زيارة مسقط رأس كينزابورو

منير المجيد
(Monir Almajid)

2019 / 1 / 5
السياحة والرحلات


بلدة أوچيكو (Uchiko (内 子 ليست فقط مسقط رأس أويه كينزابورو Kenzaburō Ōe (مواليد ١٩٣٥)، الحاصل على جائزة نوبل للآداب عام ١٩٩٤، بل هي تجربة يابانية فريدة في التسويق والدعاية.
هذه البلدة، يبلغ عدد سكانها الآن نحو ستة عشر ألفاً (محافظة إيهيميه، جزيرة شيكوكو)، بعد أن تمّ جمعها مع بلدات اخرى (إكازاكي و أودا) من مقاطعتي كيتا وكاميوكينا، بعملية تُشبه زواجاً بالترضية عام ٢٠٠٥.

لماذا كل هذا الصداع وزواج بلدات؟
في عصر إدو (١٦٠٣١٨٦٧) وطيلة عصر ميجي (١٨٦٨١٩١٢) كانت هذه البلدة المركز الصناعي الأهم في صناعة الورق الفاخر والشمع الأبيض رفيع الجودة، فجذبت إليها كبار رجالات وعائلات البرجوازية اليابانية، والكثير من المهنيين والطباخين، الفنانين المسرحيين والموسيقيين والمغنين. وكي تكتمل أسباب الإنتعاش والرفاهية فقد جاء أيضاً حفنة من القوادين والعاهرات.
أفل نجم أوچيكو، إثر تصدّع الإمبراطورية اليابانية في الحرب الكونية الثانية، فشهدت ركوداً إقتصادياً مُرعباً. تركها الأغنياء وبقي فيها الفقراء. هؤلاء امتهنوا الأعمال الزراعية، وخاصة التبغ والحمضيات.
في بداية السبعينات من القرن الماضي، قامت الحكومة المركزية بالتعاون مع عدة منظمات وجهات من القطاع الخاص، بعملية ترميم واسعة شاملة للبلدة، لتُصبح قبلة سياحية تجذب إليها اليابانيين وغير اليابانيين.
فضولي لمعرفة المزيد عن هذه التجربة، وأيضاً للتعرّف على مدينة كينزابورو جعلني أذهب في زيارة ميدانية.

أينما كنت في اليابان، فإنت لست بعيداً عن محطة قطار أو دورات مياه عامة أو مطعم. إلتزاماً بهذه الحقيقة، اخترت القطار من محطة ماتسوياما الرئيسية، وخطّطت لتناول الغداء في أوچيكو، وإن حاصرتني مثانتي فسوف تكون دورة مياه ما، بالتأكيد، بالمتناول.
دون أن أخطط للأمر، كان قطاري شديد البطء، ووقف في كل محطة على مسافة إثنين وأربعين كيلومتراً، لتبلغ المدة ساعة كاملة، دون أن أشعر بالندم إطلاقاً، لأن الطبيعة فاقعة الجمال. تلك التي تجعلك تسحب نفساً عميقاً يُشبه الآهة.
السكة الحديدية، في ممرها الضيق، مُحاطة بالجبال من الطرفين، وثمة أنهار وجدوال في كل مكان، وأنفاق مشقوقة بعناية، مخترقة صخور الجبال العملاقة. وخلف الجبال شديدة الخضرة، ترى خلفها سلاسل من الجبال تتلوّن بالأزرق والرمادي إلى أن تتماها مع السماء.

قبل سبر الشارع الرئيسي عرجت على مسرح كابوكيه Uchiko-za 内 子座الذي بُني عام ١٩١٦ ومازال يُستخدم في تقديم عروض الفرق المشهورة ونجومها، ويتميّز بأرضيته الدوّارة ومداخله السريّة.

الشارع الرئيسي، الذي بُنيت بيوته التي تبلغ التسعين طبقاً لأسلوب عصر ميجي في العمارة، رُمّم بالكامل ليبدو وكأنه بُني للتو، لكن منذ أكثر من مائة سنة.
يُشبه بلدة أفلام كاوبوي هوليودية. بعضٌ منها مفتوح للزوّار. ومنها معمل الشمع الشهير الذي حُوّل إلى متحف، حيث كانت عائلة Kamihaga تحتكر صناعة العلامة التجارية Crane in the Sunrise التي اشتهرت عالمياً، حينما قاموا بزيارة إلى معرض باريس إكسپو عام ١٩٠٠ وعرضوا منتجاتهم. وإمتداداً للمتحف مقرّ سكنى العائلة الفخم المهيب وسط الشارع الرئيسي.
أما متحف Uchikocho Rekishi Minzoku Shiryōkan المعروف تحت إسم «التجارة والحياة اليومية» فإنه، ومن خلال الأشكال المُجسّمة بالحجم الطبيعي، يُري كيف كان يعيش سكان البلدة في القرن التاسع عشر، بداية العصر الذهبي.

لم أجد أثراً لأهم أدباء اليابان، إبن البلدة. لا شارع بإسمه، لا إشارة إلى بيت طفولته. وحينما تساءلت عن ذلك، قيل لي أن الرجل ليس على علاقة جيدة باليمين الياباني الذي، بمفارقة غريبة، لا ترى أحداً يحبه، لكنه ينجح في كل مرّة تُجرى فيها الإنتخابات.
أو رُبمّا، ينتظرون وفاته كي يحتفوا به، تماماً مثل أي مكان آخر في العالم.

تنفيذاً لخطتي، بحثت في الشارع إيّاه عن مطعم، فوجدت أمامي مطعماً ألمانياً. اللعنة! كيف وصل الألمان إلى هنا. لكن، مهلاً، هي القصة المعروفة لمُغامر ياباني زار ألمانيا فوقع في هوى بيرتها وسجقها ومطبخها كثير الدهون والشحوم، تماماً كما فعل آخر جاء إلى الدانمارك، فأراد أن ينسخ طريقة صنع الكعكة الشهيرة التي، على فكرة، تُسمّى «دانيش» في كل مكان، إلا في الدانمارك فأسمها «خبز ڤيينّا». إفتتح صاحبنا مخبزاً صغيراً في طوكيو أسماه «مخابز أندرسن»، تيّمناً بالكاتب الدانماركي الشهير «هانس كريستيان أندرسن». الآن صارت مخابزه في كل مدينة وبلدة وقرية في اليابان، ليس هذا فقط، فهو أفتتح مخبزاً في كوبنهاغن أيضاً.
عدلت عن فكرة المطعم الألماني ووجدت آخر بإسم «موذر». الرجل النحيف يطبخ، والزوجة (الأم) تُقدّم وتوزع الإبتسامات. وجبة يابانية تتميّز بالشرف والأخلاق الحميدة. يا لهؤلاء اليابانيين.

اليابان، ربيع ٢٠١٨








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. رفح: اجتياح وشيك أم صفقة جديدة مع حماس؟ | المسائية


.. تصاعد التوتر بين الطلاب المؤيدين للفلسطينيين في الجامعات الأ




.. احتجاجات الجامعات المؤيدة للفلسطينيين في أمريكا تنتشر بجميع


.. انطلاق ملتقى الفجيرة الإعلامي بمشاركة أكثر من 200 عامل ومختص




.. زعيم جماعة الحوثي: العمليات العسكرية البحرية على مستوى جبهة