الحوار المتمدن - موبايل



[8]. حوارات عميقة مع عبد برصوم حول التَّنوير

صبري يوسف

2019 / 1 / 6
الادب والفن


حوارات عميقة مع عبد برصوم حول التَّنوير
وكيفية استنهاض بلاد الشَّرق إلى مصاف الدُّول المتقدّمة

8

لم أصادفْ صديقاً، كاتباً، فنّاناً مفكِّراً، جادَّاً ورصيناً في علمانيّته وتطلُّعات آفاق رؤاه، ومحرّضاً إيجابيّاً في الحوار مثل النّحَّات المبدع الدُّكتور عبدالأحد برصوم! فقد وجدتُ أنَّ رؤاه الفكريّة، كانت إيجابيّة المنحى والتّحليل والآفاق. لم يحمل فكراً سلبيّاً في آفاق رؤاه العلميّة على الإطلاق، ومن هذا المنظور ممكن أن نصنّفه من المفكِّرين التّنويريين، فقد كان جلّ تفكيره منصبَّاً على التَّنوير وتحرير الإنسان من كلِّ ما هو متخلّف ومحبط ومعيق لتقدُّم الإنسان نحو أرقى معايير التَّقدّم في أغلبِ مسارات الحياة!

وهذه الرُّؤية الرّحبة الّتي عنده، جعلتني أن أتَّفقَ معه في الخطوط العريضة من أفكاره، وعندما كنّا نخوض في نقاشاتٍ فكريّة حول النّظريات العلميّة والقضايا العمليّة والمجتمعات البشريّة وتبيان كيفيّة نهوضها وتقدّمها، كنتُ أقنعه في الكثير من مفاصل الحوار وبعض دقائق الأمور الّتي فاتته في إمساكِ بعضِ تفاصيلها وبالتّالي توضيحها وتبيان كيفية نموّها وسيرورتها عبر مسارات تطوُّر المجتمع البشري، وكنتُ أضرب أمثلة له في كيفيّة تطوُّر الفكر الإنساني وتطوُّر النّظريات في بناء المجتمع البشري، وتوقّفت مراراً عند مسألة الشّك على سبيل المثال، كما فعل الفيلسوف ديكارت عندما قال إنَّي أشكُّ في أفكارها كلّها، والَّذي قال من الشّك ينبع اليقين! بمعنى أنّنا كلّما شكَكْنا في رؤية فكريّة فلسفيّة معيّنة، وحلَّلناها من جميع جوانبها، تمكّنَّا أن نصل إلى أنجع الحلول والنّتائج الدّقيقة عن سابقاتها، وهكذا إلى ما لا نهاية في التَّحليل لكلِّ الفكر البشري، وتوقّفتُ عند هذه النّقطة الجوهريّة في تطوُّر المجتمع البشري، حيث بدون نقض وتفنيد النّظريات وتحليلها تحليلاً عميقاً وإيجاد الحلول الإيجابيّة المثلى لها، لما تقدّمَ المجتمع البشري خطوةً إلى الأمام، ولذلك نرى يا صديقي كيف تتقدَّم المجتمعات الَّتي تسمع لشعوبها من خلال النّقد والتَّحليل وإخضاع كل بناء مجتمعاتهم إلى أسسٍ علمانيّة تنويريّة، متّخذةً من الأسس العلمانيّة صياغة الدّساتير النّاظمة للبلاد ومنطلقاً لتطويرها إلى الأفضل على عكس المجتمعات الّتي تهتم بالفكر الغيبي والماورائيّات والتّسليم المطلق للفكر السّائد الثابت، من دون أي نقاش في تعديل ما يجب تعديله وتغييره، سواء كان الفكر السَّائد، دينيَّاً أو اجتماعاً أو سياسيّاً، ناجماً عن الرّؤية الدِّينيّة أو العشائريّة أو السِّياسيّة والاجتماعيّة الضَّيَّقة، وغالباً ما يضع هؤلاء الَّذين يصيغون دساتير وقوانين وأنظمة البلاد على مزاجهم في التَّحليل والتّفنيد بموجبِ مصالحهم ورؤاهم الخاصّة، حتّى وإن ادَّعوا أنّها ناجمة ومنبعثة من رؤية دينيّة أو سياسيّة أو اجتماعيّة، لكنّها حقيقة الأمر هي رؤية ضيّقة لا تخضع إلى الرُّؤية النّقديّة للنخبة الفكريّة المثقَّفة كي تحلِّلها وتشرف على تجاوز ما فيها من ثغرات وأخطاء وعوامل تعيقُ تقدُّم البلاد، وتكون صياغة الدَّساتير والقوانين ناجمة عن جملة آراء دينيّة ومسنونةً بناء على بعض العادات والتّقاليد المتعلِّقة بالقبيلة أو العشيرة وما شابه ذلك من مصالح لا تقودنا إلى قيادة قرية، فكيف سنقود عبرها الدُّول والقارّات ونلحق بحضارة العصر وتطوُّرات العصر المذهلة؟! ولهذا نرى البون الحضاري والثَّقافي والعلمي والسِّياسي شاسعاً بين هذه المجتمعات والمجتمعات الّتي اتّخذَتْ من العلوم الإنسانيّة أرقى نظريَّات التَّقدُّم البشري ووضعت أنظمتها ودساتيرها بموجب هذه الأفكار التَّنويريّة، بعيداً عن أيَّة رؤية غيبيّة أو دينيّة، معتبرين أنَّ هذه الأفكار الدِّينيّة والغيبيّة عائقاً في تقدُّم المجتمعات، فقد جرّبت أوروبا وكلّ المجتمعات المتقدِّمة الاعتماد والاِنطلاق من الفكر العلمي والتّنويري وحقِّقت الدّيمقراطيّة والحرِّيّة والعدالة والمساواة وتركَت المواطن يؤمن بما يشاء ويعتقد بما يشاء من معتقدات دينيّة وأيديولوجية سياسيّة، وركّزَتْ على الدُّستور العلماني كي تحقِّقَ الدِّيمقراطيّة والحرّيّة والعدالة والمساواة وغيرها من المفاهيم الرّاقية الَّتي لها عمق في جوهر الأديان، لكنّها صيغتْ بطريقةٍ علميّة ومسنونة للجميع بدون أيّة تفرقة في المذاهب والأديان والقوميات وغيرها من التَّصارعات الّتي ممكن أن تحصل كما نرى في دنيا الشَّرق الغائص في متاهات وحروب وعنف غريب وعجيب، ولا يعكس إلّا حالة متخلّفة ومريبة ومخيفة وتصبُّ رؤاه في بوَّابات الغرق في قاع الحضارات وأسفل السّافلين.

كان عبد يسمعني بكلِّ دقّةٍ ورهافة عالية، لكلِّ كلمةٍ أقولها، وسرعان ما يجيبني قائلاً إنّني أراك علمانيّاً إلى درجةٍ مدهشة، تكادُ تكون أكثر منِّي علمانيّةً، خاصّةً فيما يتعلَّق في طريقة تحليلك لتطوُّر المجتمع البشري والمجتمعات ومقارناتها مع بعضها بعضاً، فأجيبه ولو يا دكتور هل نسيتَ أنّني متخصِّص في الدِّراسات الفلسفيّة والاِجتماعيّة ونُخضِعُ كل بناء المجتع البشري إلى أحْدث النَّظريَّات العلميّة في بناء وتطوّر المجتمعات، وبالتَّالي ننطلق دائماً من هذه العوامل الّتي تساهم في التَّغير الاجتماعي والسِّياسي والفكري نحو الأفضل بشكل دائم! فيجيبني عبد ولهذا نحن نلتقي في الخطوط العريضة، ولهذا أيضاً تعجبني مرونتك في تقبُّل الآخر وتقبُّل النَّقد والتَّحليل في أصغر الأمور، مروراً بكلِّ قضايا الحياة إلى أن نصل إلى أكبر قضيّة حياتيّة في بناء البلاد، فأجيبه، إنَّ الدُّول والبلاد والسِّياسات الَّتي لا تهتمُّ في صغائر الأمور، سوف لن تهتمَّ بكبائر الأمور والمشاكل الّتي تعيقها، لأنَّ الاِهتمام بصغائر الأمور في دولة ما، يجعل الدَّولة قادرة أن تهتمَّ بكبائر الأمور، لأنَّ كبائر الأمور تستند أولاً وأخيراً على صغائرها، وهكذا القضيّة مترابطة مع بعضها ولا يمكن أن نفصلها عن بعضها بعضاً، وأرقى ما في الدُّول المتطوِّرة الّتي تُخْضِعُ دساتيرها للرؤية النَّقديّة التَّحليليّة، أنّها حالما تجد قانوناً ما في دساتيرها يعيق التَّقدُّم الاجتماعي والثَّقافي والفكري والسّياسي للبلاد، سرعان ما تعدِّله بصيغةٍ أجدى وأكثر فائدةً ودقَّةً بحيث أن تساهمَ على تجاوز المعيقات إنْ وُجِدَتْ في طريق تطويرها، أسوةً بالدُّول الّتي تبنّت هكذا رؤية وهي في أوج حضارتها وتطوُّرها. وأمَّا الوضع في دنيا الشَّرق والبلاد المتخلِّفة فإنّها تصرُّ أن تكون متخلِّفة، وكأنَّ برنامجها الأساسي قائم على المحافظة على تخلِّفها والسَّير إلى أعماق التّحجُّر الفكري، بدليل لو نظرنا إلى قوانين ودساتير هذه البلاد، نجد أنَّ أغلب دساتيرها وقوانينها لا تناسب هذا العصر فحسب، بل لا تناسب عصور قديمة ساحقة، فكيف ستناسب عالم اليوم، الّذي في كل يوم يكتشف قوانين وبرامج في سرعة البرق، حيث الطّفل الغربي والمراهق الغربي يعرف ويفهم ويطبّق رؤى وأفكار أكثر من بعض القادة والسِّياسيين في دنيا الشَّرق والعالم المتخلِّف، لأنَّ هذا الطّفل وهذا المراهق والمراهقة، يُتاحُ لهم كل وسائل التَّنوير والتَّطوير والفكر الإنساني الخلّاق! والطَّريف بالأمر لو وجدنا في البلاد المتخلِّفة أيّة تباشير فكر خلّاق وتنويري لكاتب تنويري متحضِّر ويكتب في هذه السِّياقات، سرعان ما يكون مهدَّداً بالسُّجون والزَّنازين، لأنّ القيادات تعتبره مفكِّراً مفسداً للأجيال القادمة، وحالما كان عبد يسمع رأيي في هذا السِّياق تتعالى من جانبه القهقهات، قائلاً رائع يا صبري، لهذا لا مفرّ من الزّنازين الّتي تترقُّبنا من كلِّ الجهات!

4 . 9 . 2018







اخر الافلام

.. أفضل فيلم مصري في عام 2018


.. شاهد..وزيرة الثقافة تعلن ضم الأقصر لـ-ابدأ حلمك- بحضور محمود


.. (ما رح ندفع.. ما فينا ندفع) مسرحية تنتقد اوضاع لبنان




.. وزيرة الثقافة تفتتح أول ناد سينما أفريقية بالأقصر


.. شدو الموسيقى يغدو أروع وسط أحضان الطبيعة الخلابة في قلب موسك