الحوار المتمدن - موبايل



انعكاسات الانسحاب الأمريكي المفاجئ على روج آفا

محمود عباس

2019 / 1 / 12
القضية الكردية


1- أسباب زيارة بومبيو المفاجئ لإقليم كردستان؟
ترك جون بولتن (مستشار الأمن القومي للرئيس الأمريكي) إستانبول على عجل، دون أن يتمم مباحثاته، بعدما كان متوقعا أن يزور كردستان روج أفا خلال جولته في دول المنطقة، وبتقليص الزيارة تم طمس الكثير من التوقعات والاتفاقيات، ومنها السحب الأمريكي لجزء من قواتها اليوم من سوريا، وإصرار تركيا وعلى لسان وزير خارجيتها اليوم الجمعة 11/1/2019م الاستمرار في مخططها على دخول شرق الفرات، مقابل التصريحات الفرنسية والروسية المتضاربة والمتعارضة مع التركية حول المنطقة الكردية. كما وغطيت معظم ما تم التباحث بين تركيا وبولتن حول القضية الكردية مع الإدارة التركية، وتبين ومن خلال تهميش أردوغان له، وعدم استقباله، وبحجج واهية، والتي ماثلت الصفعة العثمانية التي نوهها سابقا لإدارة ترمب، أن عدم رضى تركيا لتصريحه في إسرائيل حول الكرد كان متجاوزا كل توقعاتها، والمؤدي إلى توسيع شرخ الخلاف بين دولتي الناتو، من حيث الظاهر، والمتضارب مع المعلن، والتي عكسها الرد الأمريكي السريع، والواضح والمرن، كعادة القوى العظمى في العالم عندما تتعامل بوجهين مع الدول التابعة، وتود أن ترسل لهم رسائل مبطنة تحذيرية.
وهذا ما تم فعلا وذلك بإدراج العراق، وبشكل خاص إقليم كردستان الفيدرالي، ضمن جدول زيارات وزير خارجية ترمب السيد مايكل بومبيو، الذي يدور في الشرق الأوسط لتهدئة الأوضاع بعد توتيره ترمب حول سحب القوات الأمريكية من سوريا. ركز الإعلام على لقاءات الوزير مع قادة الإقليم الكردستاني الثلاث، السادة مسعود برزاني ونيجيرفان ومسرور، علما أنه كان بالإمكان الاجتماع مع الثلاثة في جلسة واحدة، مع ذلك، أجريت اللقاءات بإسلوب دبلوماسي عالي المستوى، ولا شك أنها تندرج ضمن أعداد المصالح الأمريكية في المنطقة، ولكنها تساير والمصالح الكردية، كما وعندما تم فتح ملف روج آفا مع السيد مسعود برزاني كممثل عن الكرد، وإخراجها إلى الإعلام، أرادت إدارة وزير الخارجية منها مآلات عدة، إلى جانب تحجيم التمدد الإيراني في المنطقة، رسالة تحذيرية لأردوغان، وتتضمن على أن أمريكا على أبواب احتمالية التعامل مع الإدارة الذاتية سياسيا، إلى جانب استخدامهم كقوة عسكرية.
كانت الرسالة واضحة لأردوغان، فلم ينتظر طويلا، ليرد بإعلان عن لقاء قادم قريب بينه وبين بوتين، تحت صيغة أن الدعوة جاءت من روسيا، وفي الواقع أنه مطلب تركي قبل أن يكون روسيا، لأن إشكالية التخلص من المعارضة السورية المسلحة في إدلب لا تزال عالقة، بعدما همشت أو بالأحرى تأجيل خطة أردوغان، وبرضى الروس، والمرسومة على خلق معارك دموية بين فصائل من المعارضة التكفيرية السورية وبين القوات الكردية وقسد، وذلك بعد تراجع الأمريكيين عن عملية سحب قواتها من سوريا، وتحذير تركيا من قبل جان بولتين، ووزير الخارجية بومبيو، بعدم التعرض للكرد، أو كما قيل عدم قتل الكرد والقوات المتحالفة مع أمريكا في حربها على داعش.
2- مستقبل شرق الفرات
وهكذا بدأت الأنظار تتركز على شرق الفرات، ومن ضمنها القضية الكردية، إن كانت على سوية الإدارة الذاتية الحالية، أو قادمها، وأصبحت، رغم ضبابية مصيرها، من بين الإشكاليات الرئيسة ضمن القضية السورية المتشابكة، والتي رغم انتصارات السلطة النسبية، لا تزال تثير خلافات حادة بين القوى المتداخلة في سوريا، وعلى رأسها خلافات تركيا مع أمريكا والكرد، علما أن إيران والسلطة السورية لا تقلان تحركا منها ضد الكرد وتحالفهم مع الأمريكيين، لكن بضجة إعلامية أقل، وهذه الأطراف ومعهم فصائل المعارضة، يخططون للقضاء على المكتسبات الكردية أو تصاعد قضيتهم في المحافل الدولية، وسوف لن يتهاونوا على تدميرها إذا دعت الضرورة، وهذه الاحتمالية متوقعة بعد مرحلة الخروج الأمريكي والمتوقع حدوثه كما تبنيها انسحابهم المفاجئ اليوم، رغم التطمينات الصادرة من إدارة ترمب بحماية الكرد بعد انسحابهم.
رغم كل هذه الأنظار المحدقة بالمنطقة الكردية، واحتضانها للملايين من المهاجرين والمهجرين من الداخل السوري، فهي تواجه خطراً رهيباً، وكثيرا ما لا ينظر إليها كجزء من سوريا، عندما تطرح القضية الكردية، (الدولة المحطمة) فسوريا، مثلها مثل جميع الدول التي دمرت على مر التاريخ، بيد الطغاة وتجار الحروب، والتي حتما ستنهض من بين الركام والرماد، ولكن ليس كما تريدها تركيا وإيران، وليس كما تود روسيا أن توهم العالم أن الواقع بلغ مرحلة البدء بإعادة بناء ما دمر، وهي تدرك أنه في الحقيقة، وحسب مجريات الأحداث، لا تزال لحظة البداية ضبابية، ولا يرى في الأفق أية تصالحات بين الدولتين الأكثر قدرة على وضع نهاية لمأساتها، ومصالحهم لم تنفصل عن بعضها بعد، ورغم هذا يريدون أن يحطموا الأجزاء التي نجت من شنائعهم، وجل أنظارهم تتجه نحو المنطقة الكردية، والتي كانت ستظل آمنة لولا الحقد والعنصرية التركية الإيرانية ومعهما مرتزقتهم والقوى التابعة والمأجورة.
3- مصير المعارضة التكفيرية؟
وكما نوهنا، فإشكالية التوسع الإيراني في سوريا، كانت من بين أهم المسائل الموجودة ضمن جدول مباحثات بومبيو خلال جولته، المثيرة لإسرائيل وأمنها بشكل دائم، وهي من بين الإشكاليات المقلقة لأمريكيا، إلى جانب معالجة التهديدات التركية، الصادرة تحت حجة خطر قوات الحماية الكردية على شرقي الفرات، وعلى خلفيتها تحاول توسيع قواعدها العسكرية، وتصمت حول الموجودة في إدلب وعفرين، والتي مع روسيا قطعا الطريق على الأمريكيين والكرد في بلوغ البحر. والإشكالية الأصعب، هي المعارضة التكفيرية المحتلة حتى اللحظة جزء واسع من شمال غربي سوريا، وهي المعادلة المتلاقية فيها مصالح روسيا وأمريكا، والأكثر أهمية بالنسبة للجميع وخاصة الدول الأوروبية، قبل أن تكون للسلطة السورية، ولمستقبل شعوبها، ولا بد من التخلص منهم، بحلهم أو القضاء عليهمٍ، أو خلق عوامل التآكل الداخلي بينهم، قبل وضع حلول للسلطة القادمة، ودستورها، وقبل أن يتم البحث في مستقبل إعادة تعمير سوريا والتخطيط لعودة المهجرين، وتشكيل الحكومة القادمة، وتوزيع المصالح بين القوى المعنية.
لا شك، على أطراف شرق الفرات، وبعد تراجع أمريكا عن قرار سحب قواتها من سوريا، دخلت إدارة أردوغان، في مأزق، مثلما صدمتها قرار الانسحاب المفاجئ، فقد كانت تتوقع أن تستمر في عرض مسرحية تحرير شرق الفرات من قوات الحماية الشعبية، عن طريق إقحام فصائل من المعارضة التي شكلتها أخيرا تحت أسم الجبهة الوطنية للتحرير، وخلفها حركة الزنكي، ضمن معارك مع الكرد، وبها كانت تريد التخلص من الجهتين واحتلال المنطقة الكردية، ولكن الخطة رغم عدم تخلي تركيا عنها حتى اللحظة واحتمالية حدوثها في أية فرصة مناسبة، وجهت أنظارها إلى الخطة البديلة، بدفع فصائل المعارضة المسلحة إلى عملية التأكل الداخلي، خاصة بعد رفض هيئة تحرير الشام الامتثال لأوامرها بحل ذاتها، أو الانضمام إلى الجبهة الوطنية للتحرير، وهذا ما يجري حاليا على أرض الواقع، وعلى الأرجح ستقضي هيئة تحرير الشام على معظم الفصائل باستثناء الجبهة الوطنية للتحرير لأنها مجهزة للهجوم على شرق الفرات، وبعدما تبقى الهيئة هي المهيمنة على المنطقة سيتم التخطيط بالتخلص منها بأية طريقة ولا يستبعد أن تكون دموية مثلما تمت في شرق حلب، لأنها منظمة إرهابية في سجل جميع القوى الدولية حتى التركية. اللهم لا شماتة بالمعارضة الوطنية النزيهة، فمن حسن حظنا ككرد لولا تكالب العالم على التخلص من المعارضة التكفيرية في إدلب، وصراعاتهم الداخلية، ودفعهم للتأكل الداخلي، لكانت شرق الفرات الأن في خضم معارك دموية مهلكة، وهل بإمكاننا دراسة هذه المعادلة والعمل لمستقبلنا في ظل تسارع الأحداث؟
ويبقى مأزق تركيا العام، ليس مع أمريكا بل مع روسيا والتي تم التخطيط معها بالتخلص من فصائل المعارضة بعملية الهجوم على شرق الفرات، أي إخلاء إدلب من بعضهم وحل البعض الأخر، وتسليم المحافظة إلى السلطة، والتي على أثرها توقف المخطط الروسي وسلطة بشار الأسد بتأجيل استخدام أسلوب التدمير الشامل، والتي كانت ستجر موجات جديدة من المهاجرين إلى تركيا، ومعهم العديد من عناصر المنظمات التكفيرية، وبالتالي كانت ستخلق مشكلة أمنية كبرى لأردوغان، وهو على أبواب الانتخابات في أذار القادم.
فإشكالية المنظمات التكفيرية المسلحة، أنها تحولت من قوى تصارع السلطة في كل سوريا إلى شبه دولة ضمن سوريا. وهمجية الأسد، وشراسة بوتين، سهلت لها في البدايات، فضاءات التنوع والتضارب والتوسع، وفتحت أبواب الدعم وبحنكة خبيثة، ولعدة أسباب، منها لإلقاء اللوم دوليا عليها فيما آل إليه الوطن، ولتتهرب روسيا من تهمة تدمير سوريا، شعبا وبنية تحتية. ولترسيخ هذه المعادلة كان لا بد لروسيا من إشراك تركيا، فتمكنت من نقلها كداعم للمعارضة التكفيرية بدءا من داعش إلى النصرة وحركة الزنكي وغيرها إلى مشارك في عمليات التخلص منهم، وكان أردوغان يود من مسيرة انخراطه في هذا التضارب التخلص من الكرد، وخلق صراع بينهم وبين العرب، وهذا ما نراه الأن.
4- ما يتطلبه من الحرك الكردي في ظل التطورات المتسارعة؟
جميع القوى تخلت عن المعارضة التكفيرية المسلحة ودفعت بها لتحارب بعضها، وهو المصير المحتمل للقوة الكردية بل ولنقل للحراك الكردي عامة، في حال انسحبت أمريكا كليا، وفضلت روسيا مصالحها مع تركيا والسلطة على البعد الإنساني مع الكرد، فليس لنا ككرد شيئا نقدمه مقابل ما تقدمه القوى المقتسمة لكردستان، والتآكل الداخلي ضمن حراكنا لا يختلف في كثيره عن مجريات الصراع بين أطراف المعارضة، والسؤال هنا كيف ستعالج الأطراف الكردية هذه المعضلة في حال مواجهتها، وهل بقي من بديل؟ الإشكالية التي لم تتمكن المعارضة من إيجاد حل لها لأنها خرجت من الإطار الوطني إلى حلقات التكفير وإلغاء الأخر، بعد التخلي عن شعار إسقاط النظام والتهافت على السلطة. فهل بإمكاننا ككرد أخذ التجربة منهم ومن ماضينا وسنتجاوز خلافاتنا وسنلتم حول منطق تفضيل القضية الوطنية على الصراعات الحزبية والتحرر من إملاءات القوى الإقليمية؟ ولربما ولحسن الحظ أن عملية مهاجمة شرق الفرات، أو محاولة ضرب المكتسبات الكردية، أو إعادتها إلى السلطة المركزية تأجلت، ولا يستبعد أنها ستأتي بعد التخلص من المعارضة في إدلب، وإعادة المحافظة إلى سلطة بشار الأسد. والسؤال ماهي تحضيرات الحراك الكردي لهذه المعادلة؟ وهل سنستمر على خلافاتنا وسنسهل تمرير مخططات المتربصين بنا وبقضيتنا أم أننا سنفضل المصلحة الوطنية على الحزبية؟







اخر الافلام

.. آلاف الجزائريين يتظاهرون ومطالبة بعدم تدخل الجيش في الأزمة ا


.. مصر.. هيومن رايتس تطالب بالكشف عن مصير النائب السابق مصطفى ا


.. الرئيس اللبناني يرجع أزمات بلاده إلى وجود اللاجئين السوريين




.. واقع حرية التعبير يشهد تدهورا في لبنان


.. اعتقال المتورط بتنفيذ هجوم أوتريخت