الحوار المتمدن - موبايل



انزياح شمال شرق

عدلي عبد القوي العبسي

2019 / 1 / 12
اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي


تجربتان وثقافتان ومدرستان انزياح جغرافي تاريخي طرف ينسحب ويتراجع وآخر يحمل الرايه بدلا عنه ويواصل مشوار النضال والانتاج والابداع والاشعاع

مصر كانت مركز الثقل الثوري والنهضوي لقرنين من الزمن
مصر ام الدنيا
لا شك ان الحضاره العريقه القديمه المدهشه والارث التاريخي الممتد عبر العصور وسمعه البلد في الذاكره الجماعيه للعرب كل هذه الحقائق حفرت عميقا في وجدان المواطن العربي وجعلته ينقاد ويخضع للتأثير الثقافي المصري طوال القرون الماضيه
تاريخيا كان هذا هو الحاصل بالفعل وبشكل اكثر وضوحا طوال القرن التاسع عشر والثلاثه ارباع الاولى من القرن العشرين اي رياده وقياده مصر للنهضه في العالم العربي وكذلك في ما يسمى بالشرق الاوسط في العهدين العلوي والناصري
ولتقريب الصوره اكثر كان هناك زمن في القرن التاسع عشر وجد فيه بلد في عالمنا العربي ينهض صناعيا وعسكريا وتعليميا وعمرانيا وثقافيا وتتشكل فيه حياه برلمانيه وتصدر الصحف والمجلات بلد ينفتح على اوروبا الحديثه وتبرز فيه اكتشافات اثريه مبهره وتتفجر فيه ثوره شعبيه عارمه (الثوره العرابيه ) وتنشأ فيه حركه استجابه ثقافيه وجدنا اثرها في ( الاصلاح الديني ) وحركه التنوير الليبراليه وتستعر فيه جدالات عنيفه حول قضايا الدين والمرأه والاصاله والمعاصره والتجديد والديموقراطيه ووو
بلد اسمه ( مصر ) في وقت كان فيه اغلب العرب ( طبعا باستثناء بلاد الشام )يغطون في سبات عميق ويعيشون خارج العصر !!.
لهذا لن تتعجب اذا كانت الرحال آنذاك تشد الى مصر والانظار والنفوس والقلوب تتعلق بها !!
ثم استمر وتعاظم ذلك الدور مع انتفاضه 19الشعبيه وصعود نجم القاده الوطنيين سعد زغلول ومصطفى النحاس باشا
وبعد ذلك ظهور كوكبه رموز التحرر الوطني الديموقراطي من كوادر حديتو والضباط الاحرار
وصولا الى التجربه الثوريه الناصريه العظيمه
كانت مصر الناصريه بلدا يقود اغلب شعوب اسيا وافريقيا في مجابهه النفوذ الاستعماري وفي تجربه التحرر الوطني الديموقراطي
في تلك الحقبه كان البلد يخطو خطوات جاده في مجالات التنميه والتصنيع والزراعه والثقافه والقوه العسكريه والسياسه الخارجيه الثوريه الصلبه

كيف تغير واقع الحال ولماذا ؟!! ماالذي حدث حتى يحدث هذا التراجع الكبير والانكفاء والعزله الكريهه!!
هنا يأتي دور العامل السياسي المهم !! دور الثوره المضاده على الثوره الناصريه (ثوره يوليو العظيمه )

تغير وضع البلد 081 درجه تحولت السياسه والنهج من النقيض الى النقيض !!
وجاء فريق رجعي خياني ارتدادي الى الحكم باجنده تصفويه انهزاميه
تغير كل شئ بانهيار المشروع النهضوي الوطني الثوري المصري الناصري في مطلع السبعينات وانحسار الدور المصري وانعزال مصر عن العالم العربي والعالم الافرو اسيوي بعد السياسه الانهزاميه الانكفائيه الرجعيه الانقلابيه التي وضعها الرئيس الراحل الخائن انور السادات ثم بعد ذلك حدث دخول في نفق مظلم طويل و سبات عميق وغيبوبه عن الوعي والفعل الحضاري والثوري وارتداد رجعي مخيف سادت فيه الظلاميه الاصوليه القروسطيه والعسكريه الانكشاريه الارميتاريه البورجوازيه الدائره في الفلك الامريكي الصهيوني السعودي !
مصر التي كانت

مع هذا الانقلاب المشؤوم على الناصريه الذي قاده الراحل سئ الصيت انور السادات اوائل السبعينا شاهدنا خروج مصر من معسكر الثوره العربيه والعالميه وانتقالها الى صف الامبرياليه والصهيونيه والرجعيه العربيه وفقدت بذلك وزنها وثقلها العربي والاممي الكبير وتحولت الى دوله هامشيه في السياسه العربيه والثقافه والفكرالثوري العربي.
وكانت النتيجه الصادمه هي الخلاصه التاليه : مصر لم تعد ذلك المثال والنموذج الذي يحتذى لا في النهضه ولا في الثوره !! ولم تعد في الحقبه الجديده قبله الاحرار والثوار والملهم والمرجع لهم
انتقل كما قلنا مركز الثقل في الحركه الثوريه العربيه من مصر الناصريه الى اقليم شرق المتوسط او الهلال الخصيب
لتتصدرالمشهد النضالي المقاوم الاحزاب والتنظيمات والفصائل الثوريه ( سواء كانت في السلطه اوفي المعارضه ) التي ظهرت في تلك البلدان الممانعه
واخذ الكثيرون يطلقون على مركز الثقل الجديد او المحور الجديد تسميه (محور المقاومه )

ولكن ماهي ماهي ابرز سمات هذه البلدان ؟ التي غدت هي البديل الثوري والحضاري المناط به لعب دور القياده والارشاد والالهام لكل مواطن عربي ثائر ملتزم
ابرز هذه السمات انها تضم مجتمعات عربيه شرقيه اصيله ذات تنوع ثقافي فكري انساني بالغ الثراء ولها ارث حضاري عظيم
مجتمعات عظيمه حملت سمات (عبقريه المكان ) حيث الجغرافيا (الطبيعه والموارد والموقع ) لعبت دورا هاما في التهيئه لهذا الوضع ودور التراكم التاريخي حيث مرت بتلك التجارب التاريخيه الفريده في الامتزاج والتلاقح الحضاري مع الشعوب الحضاريه المجاوره وتعرضت لحملات غزو عديده عبر التاريخ واكتسبت في مواجهتها لتلك الحملات روح التمسك بالارض والمقاومه والاعتزاز بالذات وقد كان للعنصر القبلي الفارس الشهم دورا مهما في هذا الاطار
لا عجب اذا ان ازدهرت الفنون والاداب ولا عجب ان ظهر الفن المقاوم والادب المقاوم
لم يمنع التباين الايديولوجي والسياسي تلك المكونات السياسيه المناضله من التحالف مرارا وتكرارا طيله السنوات والعقود اللاحقه وشكلت جبهات وطنيه وقوميه ممانعه تجمعها القواسم الفكريه والثقافيه والاجتماعيه والسياسيه المشتركه
وكان تحالفها وتنسيقها في النضال والسياسه جيدا جدا عززت من هذا الانسجام والتقارب عوامل البيئه الجغرافيه الثقافيه ومعركه المصير المشترك ضد عدو واحد هوالثلاثي الشيطاني المتمثل بالامبرياليه والصهيونيه والرجعيه العربيه.
لهذا شاهدنا في العقود القليله الماضيه سجلا حافلا بالنضالات والنتاجات والابداعات في الفعل الشعبي الحضاري المقاوم وفي بزوغ دول وطنيه ممانعه ونشوء تجارب تنمويه واجتماعيه جيده وتطورا في الوعي الاجتماعي وازدهارا في الثقافه والفكر والعلم .
وهو ما جعل الكثير من المتعلمين والمثقفين والمناضلين والمبدعين ينجذبون ويتأثرون بهذا المركز الاشعاعي التنويري والثوري والحضاري الجديد ويستلهمون كل عطاءاته ونتاجاته في مسيرتهم النضاليه والانتاجيه والابداعيه من اجل التحرر والتقدم .
لماذا لا يزال الكثيرون من السياسيين والمثقفين مشدودين الى مصر ( بلد المركز الثوري السابق) !
لماذا لا نزال نرى بقايا من حاملي الصور الراسخه الاولى في الاذهان والقلوب حول المركز السابق !


نوستالجيا الزمن الجميل !
نعم لازال الكثير من المثقفين والسياسيين الحالمين المتأثرين بالمدرسه المصريه في النضال والفكر والثقافه الثوريه مشدودين بحنين جارف الى الماضي الناصري الثوري ماضي الرياده الناصريه للعالم العربي ولشعوب عدم الانحياز
يستبد بهم شعور الرومانسيه الثوريه والارتباط بماض قريب قد ذهب واندثر وولى الى غير رجعه
وبسبب من الانطباعات والقناعات الراسخه لديهم برياديه مصر وقيادتها للحركه الثوريه العربيه وحركه النهضه العربيه وبكونها الاقليم القاعده الذي تنطلق منهه مسيره التحرير العربي والتنميه العربيه والوحده العربيه والنهضه العربيه وبكونها الحارس الامين المدافع عن قضايا الامه العربيه والصخره الصلبه التي تتحكم عليها كل مؤامرات اعداء الامه
هذه القناعات والتصورات رسختها في اذهانهم التربيه الايديولوجيه الناصريه والاعلام والثقافه السياسيه والفكريه المصريه والدعايه النشطه للانظمه السياسيه المتعاقبه في هذا البلد العربي العملاق واجهزتها السلطويه المتنوعه بمافيها العسكريه وكذلك الدور الهائل الذي يلعبه الفن والادب المصريين عبر المسرح والشعر والروايه والقصه والدراما التلفزيونيه والسينما في تشكيل وجدان المواطن العربي في اتجاه الاعجاب والتأثر والعشق الكبير لكل ما هوابداع مصري في شتى المجالات والعامل الحاسم في تشكل هذا التصور لديهم هو ضخامه البلد جغرافيا واقتصاديا ومركزيته في الفكر والثقافه (مثال وجود الازهر الشريف كمؤسسه دينيه روحيه قائده ومرشده في العالم الاسلامي ) ولكونه خزان كبير للكوادر والمبدعين والكفاءات ولوجود نسبه اكبر من الانجاز والابداع والانتاج ولوجود تقاليد راسخه في الدوله والقضاء والاستقرار الاجتماعي النسبي المؤسس على الاستقرار الفلاحي الزراعي والمديني الحرفي العريق لالاف السنين .
لكن لماذا يتجاهلون واقع الحال وان الزمن لم يعد هو الزمن وان البريق قد خفت ومصر لم تعد هي مصر
هل هو التعصب الاعمى او الحب الاعمى او المصالح الضيقه او الارتباطات المشبوهه بالاجهزه الامنيه وسلطات النظام القائم
اوضاع سيئه لا تسر عدو ولا حبيب
انسحاب وانكفاء قطري مخجل وقبول بالتراجع الى دور تبعيه مهينه وفشل حكومي مستمر وتدني في الانتاج والابداع وحاله سخط شعبي وانعدام استقرار وفساد النظام واعمال عنف وقمع ومديونيه وبطاله وافقار وتفشي للجريمه ولثقافه الاحباط واليأس وحالات تشكك في كل شئ ومديونيه وقيم استهلاكيه وانحياز لاقتصاد خدمي واستفحال للظلم الاجتماعي واللامساواه وتفشي الاستبداد وووو نحتاج الى سطور وصفحات كثيره لتعداد مظاهر الفشل والاخفاق الذريع .

واكثر ما يغيظك هو الفلسفه البراغماتيه الاميركيه السائده
وحاله الكفر بالمبادئ والقيم والفكر الثوري السائده في اوساط الغالبيه العظمى من الشباب

فاين هي مصر اليوم من تلك المصر المبدعه المنتجه الثوريه المناضله شتان وفرق الثرى من الثريا .
يتبع







اخر الافلام

.. الإيغور في الصين.. أقلية مسلمة تعاني في صمت


.. النظام الغذائي المتوسطي الأفضل لعام 2019


.. -هيئة تحرير الشام- تحتفظ بالولاء للقاعدة سراً




.. رغم تراجعه عنها.. استياء بتركيا من تهديدات ترامب


.. التحركات التركية باليمن.. رسالة لمن يهمه الأمر