الحوار المتمدن - موبايل



أخلاق الحداثة عند أندريه كومت سبونفيل

محسن وحي

2019 / 1 / 12
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


يذهب الفيلسوف المعاصر أندريه كومت سبونفيل في كتابه présentation de la philosophie إلى التأسيس لأخلاق الحداثة. إذ يرى أن الأخلاق هي ما يرتكز على الذات وحدها، وليس على سلطة خارجية، سواء كانت سلطة مؤسسة على الدين أو على المجتمع. هذه الأخلاق التي يدافع عنها سبونفيل، جاءت نتيجة لظهور الحداثة الفكرية التي أسسها ديكارت، والذي أعلن عن ولادة مفهوم الذات. لم تعد الذات في حاجة إلى السماء، كما كانت في العصور الوسطى، بل أصبحت السماء في حاجة إلى الذات. إن الحقيقة لا تنزل من السماء إلى الأرض. هذا ما علمه لنا كوبرنيك في مجال الفلك، عندما قلب الكوسمولوجيا، من مركزية الأرض إلى مركزية الشمس. أصبحت، هنا، الذات مركز العالم. في هذا المضمار جاءت الفلسفة الكانطية كتتويج لمسار الحداثة. إن السؤال الذي طرحه كانط في كتابه نقد العقل العملي: ماذا يمكنني أن أعمل؟ والسؤال ما الأنوار؟ هو بمثابة سؤال جديد ومغاير. سيلقى هذا السؤال إجابة عند الفيلسوف المعاصر أندريه كومت سبونفيل من خلال مؤلفاته الفلسفية. إذ أن مدار الفلسفة عند الرجل تدور حول الأخلاق المؤسسة على الذات، بما هي أخلاق تؤدي إلى سعادة الإنسان، هنا، في هذه الحياة، بدون المرور عبر الوسائط كالإله أو عادات وتقاليد المجتمع.
يطرح سبونفيل فرضيتين: الفرضية الأولى هي امتلاك خاتم جيجيس. والفرضية الثانية عدم وجود الإله أو فكرة الثواب والعقاب الأخروي. بخصوص الفرضية الأولى فهي فرضية مشهورة ذكرها أفلاطون في محاورة الجمهورية، فحواها أن هناك راعي أغنام اسمه جيجيس معروف بأخلاقه وفضيلته ، عثر على خاتم سحري يمكنه من الاختفاء أو الظهور حسب رغبته. عندما امتلكه جيجيس استغله لأهدافه الشخصية، إذ أنه دخل القصر وقتل الملك، ثم تزوج بالملكة. يطرح سبونفيل على كل إنسان سؤالين: ما الذي ستفعله إذا امتلكت هذا الخاتم؟ وما الذي ستمتنع عن فعله ؟
يجيبنا سبونفيل بالقول، أن جميع السلوكات المذمومة التي لا يقوم بها الإنسان، وهو لا يمتلك خاتم جيجيس، وفي نفس الوقت مستعد للقيام بها عندما يمتلك الخاتم، ليست من الأخلاق في شيء، فهي مجرد نفاق أو احتراس خوفا من العقاب. لكن، في المقابل، كل الأفعال التي يقوم بها الإنسان، حتى ولو امتلك الخاتم، هي الأفعال الأخلاقية؛ لأنه آنذاك يمتلك وسيلة إغراء كبيرة، ولكن لا يمد يده إلى ممتلكات الآخرين. إن الجواب على هذا السؤال حسب سبونفيل يبقى مرهونة بأخلاق الذات وضميرها. ولا أحد يمكن أن يفرض عليها القيام بفعل ما أو عدم القيام به، إذ تصبح الذات، هنا، المصدر الوحيد للأفعال الأخلاقية، بما هي أخلاق مؤسسة على الواجب الإنساني. لابد من القول أن سبونفيل يتبنى الأخلاق الكانطية المؤسسة على فكرة الواجب. هذه الأخلاق التي ترتكز على مجموعة من القواعد التي ذكرها كانط في كتابه أسس ميتافيزيقا الأخلاق. لعل أبرزها هي القاعدة التالية: تصرف كما لو أنك تشرع للإنسانية جمعاء. يورد كانط في هذا الكتاب مثال لشخص دفعته الحاجة إلى اقتراض المال من الآخرين، مع علمه أنه لن يستطيع سداده. ومثال ثاني لشخص يحاول إقناع نفسه بالإقدام على الانتحار نتيجة معاناته من شرور وآلامه التي تكاد لا تنتهي. إن هذه الأفعال حسب كانط ليست أفعال أخلاقية؛ لأنها لا تصلح لتكون نموذج لسلوك كوني، ثم أنها لا تصلح لتكون مبدأ موضوعي ترتكز عليها الطبيعة الإنسانية العاقلة. على النقيض من ذلك، إن الفعل الأخلاقي يلزم أن يكون صادرا عن إرادة عاقلة تضع الإنسانية جمعاء نصب عينيه؛ بمعنى أنها تشرع للجميع وليس للذات وحدها، وبذلك تشرع بشكل كوني عام.
أما بخصوص الفرضية الثانية التي يطرحها سبونفيل، فهي فرضية تذهب إلى أقصى مدى من الفرضية الأولى، وهي فرضية عدم وجود الإله أو الثواب والعقاب الأخروي. لنتخيل ولو ذهنيا أن جميع الناس يؤمنون بهذه الفكرة، هل سنذهب في نفس رأي دوستويفسكي على لسان أحد شخصياته الروائية حينما قال إذا كان الله غير موجود فكل شيء مباح أم أن الفعل الأخلاقي الإنساني يفترض عدم المساس بحرمة الآخرين وممتلكاتهم حتى ولو لم يكن هناك إله؟
إن الأخلاق حسب سبونفيل، تفترض عدم المساس بحرمة الآخرين وممتلكاتهم، حتى ولو لم يكن هناك إله. بل الأكثر من ذلك، إن الأخلاق اللائكية أفضل بكثير من الأخلاق التي تنبني على الإيمان؛ لأن الشخص المؤمن يريد من وراء أفعاله الثواب والحصول على الجنة، في حين أن الشخص الغير مؤمن تكون أخلاقه أكثر إنسانية، بسب أنه لا ينتظر جزاءا عليها، وإنما يقوم بهذه الأفعال في اطار الإنسانية، وكأن لسان حاله يقول لا نريد جزاء ولا شكورا. إن هذه النقطة الفاصلة بين الشخص المؤمن، سواء كان هندوسيا أو زردشتيا أو يهوديا أو مسيحيا أو مسلما، وبين الشخص الغير مؤمن بأي دين، هو ما يحدد نقطة الاختلاف. إن الأخلاق ليست في حاجة إلى الدين، فيمكن أن يكون الإنسان أخلاقيا بدون دين، ولا يمكن مطلقا أن يكون المؤمن متدينا بدون أخلاق؛ وبالتالي إن الدين هو الذي في حاجة إلى الأخلاق.
في اطار هذا السياق، يؤكد كذلك سبونفيل، أن الأخلاق مرهونة بوجود الأخرين، فلا يمكن أن نتحدث عن شخص أخلاقي منعزل عن الإنسانية، ولا يشارك في بنائها. ولا يمكن أن نكون إنسانيين بدون احترام ذلك المخالف لنا، خاصة من حيث الاعتقاد. عندما نتأمل في واقع المجتمعات الإسلامية المتخلفة ندرك ضرورة وراهنية هذه الأخلاق التي دعى إليها سبونفيل، باعتبارها أخلاق تؤسس للوجود المشترك، ولثقافة التسامح مع الآخريين، والاعتراف بهم، بما هي ذوات تستحق الاعتراف بلغة الفيلسوف الألماني أكسيل هونيت.
إن أهم درس يمكن أن نتعلمه من فلسفة أندريه كومت سبونفيل هو أن الأخلاق يجب أن تتأسس على ضمير الإنسان، ومراقبته لنفسه، بدون الحاجة إلى سلطة خارجية عنه، لكي توضح له ما الذي يجب أن يفعله وما لا يجب الإقدام عليه. ودون انتظار المكافأة على أفعاله. هذه الأخلاق الحداثية تجد سندها في ظل الإنسانية.
بقلم محسن وحي. أستاذ مادة الفلسفة بالدار البيضاء. المغرب
المرجع: أندريه كومنت سبونفيل،présentation philosophie : ترجمة حسن أوزال، منشورات مؤمنون بلا حدود، الرباط أغدال. المملكة المغربية.







اخر الافلام

.. مئات الكازاخستانيين قيد الإقامة الجبرية في شينجيانغ


.. شاهد.. قوات الاستطلاع توقف رتلا من المدرعات في أورال وتخطف ع


.. مباشر.. أنباء عن قصف إسرائيلي لـ قطاع غزة




.. مطار إسرائيل يزعج الأردنيين


.. مشروع ترمب للدرع الصاروخي