الحوار المتمدن - موبايل



اهازيج الجماهير في الملاعب: تجييش روح الجماهير وكسر الطابوهات الساسية

أحمد محمد زغب

2019 / 1 / 21
الثورات والانتفاضات الجماهيرية




إن الانسجام بين الجماهير الغفيرة في مدرجات الملاعب في الأهازيج المعبرة عن انشغالاتهم الجماعية، على الرغم من تباين الأفراد واختلاف مستوياتهم الثقافية والاجتماعية. وتباين أذواقهم وميولهم ،أمر مذهل ويطرح السؤال عن ظاهرة الروح الجماعية الجبارة التي توجد في الملاعب وقدرة الجماهير الغفيرة على طرح مشاكل اجتماعية وتحطيم طابوهات ما كانت لتطرح بعيدا عن مدرجات الملاعب.
هل هو سحر المشاركة أم تأثير طقوسي لتهييج الروح الجماعية، وكيف يكتسب الفرد صفات سلوكات جديدة عليه حين ينخرط في الجماعة، هل التأثير الجماعي نفسي أو سحري أو ديني؟ .
لم أكن من الذين يرتادون الملاعب للتفرج على المقابلات، أذكر أن ذلك حدث مرة منذ ثلاثين عاما أو يزيد حين كنت طالبا شابا ولم أشعر بنفسي إلا وأنا اناصر الفريق المحلي وأنسجم مع انصاره على الرغم من أنني لم أكن من متتبعي الكرة أصلا ، وإن كنت أتفرح أحيانا قليلة فببرود دون الانحياز لأحدي الفريقين، ومن ذلك الوقت لم يحدث ان دخلت الملاعب، لكن الراغبين في رؤية المباريات في مدينتي وفي مختلف المدن يقيمون شاشات عملاقة ويتفرجون المباريات الهامة خصوصا تلك التي أحد طرفيها الفريق الوطني. ويتركون بيوتهم وفيها الجهاز التي يُمَكّن من رؤية المباراة في هدوء، لكن هؤلاء الناس لا يرغبون في الهدوء ،إنما يرغبون في الانصهار في روح جماعية واحدة، وعاطفة مشتركة تقضي على تمايزاتهم الشخصية ،وتثير فيهم التجييش العاطفي والتخفيض من مستوى الملكات العقلية .
يرى غوستاف لوبون في تفسير هذه الظاهرة أنها تشبه المركب الكيمياوي الناتج عن صهر عدة عناصر مختلفة فهي تذوب وتفقد خصائها الأولى نتيجة التفاعل (سيكولوجية الجماهير ص41).
فاللحظات التي يعيشها الفرد وهو مجرد من خصائصه النفسية الشخصية، ليكتسب خصائص الجماعة، ويتمكن من التنفيس والتفريج عن المكنونات النفسية، إضافة إلى ما توفره له الجماعية من إسناد معنوي لمعاناته، كأنما هي طقوس يؤديها ليتصل بعالم القداسة، فالعلاقة متبادلة بين الطقوس وحاجتها إلى الجماعية لتقويتها، واللحمة الجماعية وحاجتها إلى الطقوس من أجل توصيلها بالمقدس. وفعلا تقشعر أبدان المشاركين في الطقوس الجماعية التي تعتمد على الروح المشتركة وعلى الأهازيج التي تعبر عن انشغالات لا علاقة لها بالمقابلة التي أمامهم.
لم تكن الصيحات المنسجمة في مدرجات الملاعب أكثر من شعارات slogants تتكون من جملة واحدة تأخذ شكوى (رَانَا ضَايْعيِنْ مَحْقُورِين مِنْسِيِّينْ مِنْ ثْنِينْ وْسِتِّينْ)أو بعدا اجتماعيا : (سِيدِي الْوَالِي اعْطُونَا السُّكْنَة....) وسمعنا دعوة سياسية صريحة لترك كرسي الرئاسة حين احقنت الجماهير، وتخيلت أنها وجدت البديل الذي يعدهم بالجنة في الدنيا والآخرة....ودعت الرئيس للاستقالة ،لكن تلك الهتافات كانت مجرد شعارات ولم تتحول إلى أغان أو أهازيج جماعية ،تتكون من عدة جمل منسجمة في إيقاعها وتلتزم مقاطع صوتية متشابهة تجعلها أقرب إلى الشعر منها إلى الشعارات.
غموض المستقبل والدعوة إلى العبور:
فعندما تشعر شريحة واسعة من الشباب بالتهميش والغبن بسبب المستقبل الغامض فتتظافر أصوات الجماهير الغفيرة لتشكو للقوى العليا معاناتها فيما يشبه الصلاة الجماعية ، ومن أشهر الأهازيج التي حركت الجماهير وحركت وسائل الإعلام نظرا لتأثيرها العاطفي ومن ثم حركت السلطات المغربية تلك الأهزوجة التي أنشدها جمهور الدار البيضاء بالمغرب الشقيق و تستهل بأووووووه كاداة توجع ، ثم العبارة: ’’ فيِ بْلاَدِي ظَلْمُونِي‘‘:
وواضح أن كلمات الأهزوجة تدين السلطات ، وتتهمها بتبديد ثروات الوطن:
أُووووهْ فِي بْلاَدِي ظَلْمُونِي......
أُوووووهْ لِمَنْ نِشْكِي لْحَالِي..
أووووه الشكوى لربي العالي...
أوووووه غير هو اللّي دَارِي....
في هَايْ لِبْلاَدْ عَايْشِينْ فِي غَمَامَةْ..
طَالْبِين السَّلاَمَةْ ..انْصُرْنَا يَا مُولاَنَا.....
خَلُّونَا مِثْلَ اليَتَامَى نتْحَاسْبُو فِي الْقِيَامَةْ....
ولو وقف الأمر عند هذا الحد ، لسلمنا بأن التحركات السياسية قائمة على التسليم بوجود العقلانية فيما يخص تحريك الجماهير، ومفادها أن الناس يتحركون بشكل عقلاني يفكرون بمصالحهم بشكل منطقي عندما ينخرطون في العمل السياسي ويتجمهرون ويتظاهرون (ينظر:هاشم صالح. مقدمة كتاب سيكولوجيا الجماهير ،جوستاف لوبون). فجمهور الدار البيضاء في هذه الأهزوجة على الأقل يكتفي بالشكوى لله وانتظار عدالته يوم القيامة واتهام الحكام بظلم الرعية ونهبها لثروات الشعب دون عزمها على اتخاذ التدابير ، سواء بالروح الانتقامية الجماعية، أو بالحلول الفردية.
إلا أننا حين نطلع على مزيد من الأهازيج، نفكر في دحض النظرية العقلية ونسلم بنظرية لوبون التي مفادها أن الجماهير تقصي كل تفكير عقلاني وتلجأ إلى العاطفة المحضة .
ففي أهزوجة أخرى أنشدت في الملاعب الجزائرية ، يفكر في الجمهور في تبرير الهروب من الواقع بالمخدرات والخمر والغياب عن الواقع المهين .
فِي سُوقْ اللِّيلْ، كَايِنْ الِّلي حْنَا وْكِيمَا احْنَا نْدُورُو...
وُاللِّي قِلِّيلْ ضَامِنْ الْكَمْيَةْ وُالْمَاصَّة وُالْمَارِلْبُورُو....
يضرب لبنين ولتما رايح يتفكر الدورو....
ويقول يَا حْلِيلْ... لَوْ يِصْحَى هَا الرَّاسْ رَاحْ نِدِّمْرُو...
قُولُو لِي وَعْلاَشْ....نْقُولْ لَكْ تَحْيَا كَايِنْ اللي فْطَرْ وْمَا تْعَشَّاشْ..
نْقُولْ لِيكْ هذِي مُدَّة لِيسُونْسِياَل ْأَنَايَ مَانِشْفَاشْ.(=منذ مدة المهم أنا لا أتذكر).
والحل في هذا المستوى (الهروب من الواقع بالمخدّر والمسكر)،هين بالنسبة إلى حلول أخرى، يقترحها الحماس الجماهيري ، وهي حلول جد خطيرة إذ أثرت في كثير من الشباب الجزائري وحتى المغربي، وهو ما يسمونه بالحرقة، أي العبور عبر البحر بطرق غير شرعية عن طريق قوارب غير آمنة.
ففي كل أسبوع نسمع عن شباب في عمر الزهور، رمت أمواج البحر جثثهم إلى شواطيء عنابة أو مستغانم أو طنجة أو طرابلس....
فأهزوجة بابور اللوح قوية التأثير في إقناع الشباب بأن المعيشة داخل الوطن أصبحت مأزقا، وأن لا مخرج من هذا المأزق إلا العبور غير القانوني في المركب الخشبي (بابور اللوح) وهو عبور فيه مغامرة بالحياة نفسها، دون أن تذكر الأهزوجة ماذا ينتظر الشاب بعد الإبحار سواء الغرق والهلاك أو بعد الوصول إلى الضفة الأخرى من إهانة. وللغة بعد تداولي تأثيري تدفع الإنسان عنوة إلى التحرك لاسيما إذا كانت مدعومة بالروح الجماعية كما ترى جيديث بولتيرJudith Bulter، فإن لم تدفع السلطات للتحرك لوضع استراتيجية لهذه المعضلة فلا شك انها تدفع كل يوم طاقتنا الخلاقة وهم شباب في عمر الزهور إلى المغامرات الجنونية.
مَا رَانِيشْ قَادِرْ نَحْمَلْ هَاذْ لَعْذَابْ.....
وُالزّمَانْ رَاوْ يْطْوَالْ عْلَيَّ... الِّلي نْدِيرْهَا تِعْكِسْ لِيَّ...
Pourtant تِخْمَامْ الصُّوَابْ....impasse لِمْعِيشَةْ هَاذِي......وُنْقُولْ خْلاَصْ....
الغَلْطَة نْعَاوُدْ نْدِيرْهَا 1000 fois.....تَعَمَارْ الرَّاسْ....هُمَا سْبَابْ دَارْ عْلَيّla lois....
خَلُّونِي نْرُوحْ....فِي بَابُورْ الُّلوحْ.....خَلُّونِي نْرُوحْ ...قَلْبِي مَجْرُوحْ.....لحكاية تكبر.....
ما لقيت لها ش حساب لفراق تحتم زاد أدّاني.. مانقدرش نولّي..
ابْنِي لَحْبَاسْ ... لِمْرَا تِخْدِمْ وُالشَّبِيبَةْ رَاقْدَة....خَلِّيِنِي نْرُوحْ ... فِي بَابُورْ الُّلوحْ....قَلْبِي مَجْرُوحْ......الخ.
كسر الطابوهات السياسية:
بيّن فرويد أوجه التشابه، بين بعض الطقوس الشعائرية والممارسات الهوسية، ويوضح مدى الضخامة التي يمكن أن يتخذها الفكر السحري والعقائد اللاعقلية، فبالإضافة إلى التنفيس والتفريج عن المكنونات كما أشرنا سابقا توفر هذه الطقوس الجماعية الإسناد المعنوي لمعاناة الشباب والتي تتمثل في التبرم والتذمر من الوضع الذي يعتبر مأساويا بالنسبة لهم الأمر الذي شرع لهم الحرقة والهروب من الوطن ومن ثم التنديد بالسلطة الحاكمة وتحديها ونقدها نقدا لاذعا...ففي هذه الأهزوجة يدعو الشباب الحسن الثاني وهو الخصم اللدود للنظام الحكم في الجزائر، ان يعطيهم المخدرات المعبر عنها بلفظ (الزطلة)، ويعلنون أنهم سيتعاطونها على مرأى ومسمع من الجميع المعبر عنه بلفظ (عيناني):
حَسَنْ الثَّانِي ...اعْطُونَا الزَّطْلَةْ...نِتْكَيّفُوهَا عَيْنَانِي....مَكْرةْ فِي الْحُكُومَةْ....
كما يتهمون السلطات بأبشع التهم ، فهم أبناء الحركى ويسعون إلى تقسيم الوطن ، إلى شعب مقموع مرهق من الفقر لا يعيشون إلا (بقدرة ربي والكوراج )وقد فقد الأمل (désespera) وطبقة سياسية تتقاسم ريع البترول وتبني به فيلات في باريس.
ومن أبشع التهم التي يكيلونها للسلطات الحاكمة أن رجال السلطة او النظام système) )، هم الذين تسببوا في قتل عشرات الآلاف من الضحايا إبان المأساة الوطنية في التسعينيات والتي تسمى العشرية: (système terroriste في العشرية).
وفي أرجوزة اشكون سبابنا التي صدحت بها جماهير ملعب الخامس من جويلية وأنصار إتحاد العاصمة، كسرت طابوهات كثيرة، فالنظام مكون من الخونة الذي يريدون تدجين الرجال وتحويلهم إلى ما يشبه النساء لأنهم يرغبون في استغلال النساء في المتعة، وفي ما يشبه المقاربة أو الإسقاط بين الوطن والسفينة المهترئة المقلة للحراقة ، فليس هناك رايس أي ربان للسفينة إنما توجد صورته بدلا عنه ولا توجد أماكن فأينما توجه طلبا للعمل، فالتأشيرة في إشارة إلى الفيزا في السفر إلى ما وراء البحر، ويمكن فهمها السند من محسوبية أو واسطة والتي يسير بها كل شيء حسبهم ، ولذلك فهو لم يعد قادرا على التفكير كانما غارق بفعل مخدر(مسطول)، ولذلك فهو يقرر القرار الحاسم بالسفر على السفينة ويغامر فالموت واحد مهما تعددت الأسباب والاعتماد على الرياح التي تدفع السفينة إلى الضفة المقابلة:
لا َمَارِينْ رَاقْدَةْ..لِفْلُوكَا نَايْضَة مْسَافِرْ y a pas d arret ...........
والْمُوتْ وَاحْدَة عَايْشِينْ فَايْدَة....يَا الْبَحْرِي دِيمَارِي (=انطلق)..
مَاكَانِشْ الرَّايِسْ كَايِنْ تَصْوِيرَةْ....مَسْطُولْ وْغَايِسْ سْبَابِي تَأْشِيرَةْ....
مَا كَاشْ بْلاَيصْ وَالأَزْمَة كْبِيرَةْ.... فَاْلبَاطُو جَايِزْ....
ومن الطابوهات إحياء النعرات القديمة والجهويات، فالعنف اللفظي يستعمل الألفاظ قادحة والشتائم من جمهور مدينة في حق جمهور مدينة أخرى، فينعت هؤلاء بأنهم زواوة، وأولئك بأنهم أبناء العساكر الاستعماريين ويسخر من آخرين بسبب لهجتهم المتميزة وغير ذلك كما يستعملون ألفاظ بذيئة في هذا الشعارات، والهدف من ذلك النيل من معنويات الخصم.(ouvrage.crasc.dz.les mots du stade).
وإذا كانت بعض المباريات تجرى بحضور رئيس الجمهورية، فالجمهور حينئذ يصبح في حوار مباشر مع المسؤول الأول للبلاد، ويستمع إلى مطالب الجمهور، ففي إحدى المباريات، طلب جمهور ملعب الخامس من جويلية من الرئيس الأسبق الشاذلي بن جديد تنحية وزير الرياضة حوحو آنذاك (شاذلي بدلنا حوحو)، كما كان الرئيس عرضة لبعض الألفاظ الساخرة أحيانا الأمر الذي جعله يطرح هذا الانشغال على دورة اللجنة المركزية للحزب الوحيد الحاكم آنذاك في شهر أفريل 1989.(mots du stade op .cit).
السلطة بين المثير والاستجابة:
يزعم صاحب المقال المذكور أعلاه (كلمات الملعب) المنشور من قبل المركز الوطني للبحوث الأنثروبولوجية والاجتماعية والثقافية أن أصحاب القرار لا يكترثون بالأهازيج الجماهيرية، ويقولون ليس الملاعب ولا الشوارع فضلا عن الأطفال من يقرر سياسة الوطن، لكنه يناقض نفسه بعد عدة أسطر حين يذكر ان هذه الأهازيج استفزت الرئيس الشاذلي وطرح القضية على دورة اللجنة المركزية للحزب .
لا نستطيع تصور أن السلطات تغض الطرف عن انشغالات الشباب، فالمشاريع وفتح الجامعات في كل الولايات والأونساج (الوكالة الوطنية لدعم وتشغيل الشباب)،ولا ينبغي ان يخطر بالبال أيضا انها تغض الطرف عن ظاهرة العبور اللاشرعي عبر قوارب الموت (الحرقة )، فالقنوات الفضائية تحاول تنفير الشباب عن طريق الدغدغة على عواطف الأم المعذبة وهي ترى ابنها في عمر الزهور جثة هامدة يلفظها البحر، ويصور لنا بعض الشباب الذين نجوا والتحقوا بالضفة الأخرى، لكنهم يعبرون عن ندمهم. لكن الإعلام الهزيل كثيرا ما يخفق في توصيل الرسالة، فقناة الشروق مثلا أجرت تحقيقا من عدة حلقات ، تقدم الصحفية نفسها كمجازفة مع مجموعة من المجازفين. لكن الصحفية عوض إقناع الشباب بعدم جدوى (الحرقة)، اوحت إليهم بانها مغامرة شيقة تنتهي بنجاح لأن الشباب الذين غامرت معهم خططوا جيدا وبذكاء للعملية ،الأمر الذي يجعل كل من يشاهد الحلقات يفكر في انها مفبركة.
لا يمكن الاستهانة بالأهازيج التي ينشدها الشباب في مدرجات الملاعب، فهي من جهة متنفس للكبت السياسي، وإخراج لكل الانشغالات التي لا يتمكن الشباب من البوح بها خارج الملاعب نتيجة القمع السياسي، فتأثيرها لا بد أن يحرك السلطات الحاكمة في البلاد للاستجابة لانشغالاتهم وتبني مطالبهم ، وإلا فإنها لا شك في انها تجد صداها عن الشبان أنفسهم الذي انسدت الدنيا في وجوههم فيلجأؤون إلى الحلول الخطير على أمن الوطن وسمعته، فالحرقة أو العبور غير الشرعي أو الإرهاب من بين الخيارات المطروحة












اخر الافلام

.. نداء تونس يرشح القايد السبسي


.. انشقاقات في حزب العمال البريطاني...والسبب؟


.. -دكاكين الفقراء-.. -سجّل ع الدفتر-




.. استقالة نواب من حزب العمال البريطاني احتجاجا على -خيانة- أور


.. استقالة 7 نواب بريطانيين من حزب العمال