الحوار المتمدن - موبايل



العلوم السوبر حداثوية

حسن عجمي

2019 / 1 / 26
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


تعتبر الحداثة أنَّ الكون مُحدَّد و لذا من الممكن معرفته بينما تقول ما بعد الحداثة إنَّ الكون غير مُحدَّد و لذلك من غير الممكن معرفته. أما السوبر حداثة فتؤكّد على أنَّ الكون غير مُحدَّد و رغم ذلك من الممكن معرفته فمن خلال لامُحدَّدية الكون من الممكن بحق تفسيره ما يمكّننا من الحصول على المعرفة. هكذا تختلف السوبر حداثة عن الحداثة و ما بعد الحداثة لأنَّ السوبر حداثة تجمع بين لامُحدَّدية الكون و إمكانية معرفته.

للسوبر حداثة تطبيقات عديدة في الميادين الفلسفية المتنوّعة. مثل ذلك تطبيقها في فلسفة العلوم. تعتبر السوبر حداثة أنه من غير المُحدَّد أية نظرية علمية (من بين النظريات العلمية المتنافسة) هي النظرية الصادقة. بينما يصرّ الاتجاه الحداثوي على أنَّ النظريات العلمية صادقة (أي مطابقة للواقع) بسبب نجاحاتها في وصف و تفسير العالَم (كما لدى الفيلسوف ريتشارد بويد) , يقول الاتجاه الما بعد حداثوي إنَّ النظريات العلمية ليست صادقة و لا كاذبة بل فقط مقبولة كأدوات لوصف الكون و تفسيره (كما لدى الفيلسوف "توماس كون").

لكن السوبر حداثة تتخطى كلا ً من الحداثة و ما بعد الحداثة بقولها إنه من غير المُحدَّد أية نظرية علمية هي الصادقة و لذا توجد نظريات علمية مختلفة كلها ناجحة في تفسير الكون رغم الاختلاف و التعارض فيما بينها. فلو كان من المُحدَّد أية نظرية علمية هي الصادقة لوجدت حينئذ ٍ نظرية علمية واحدة ناجحة من جراء كونها النظرية الوحيدة الصادقة. لكنه توجد نظريات علمية عديدة كلها ناجحة رغم تعارضها و اختلافها. و بذلك تستنتج السوبر حداثة أنه من غير المُحدَّد أية نظرية علمية هي الصادقة.

من هذا المنطلق أيضا ً , تؤكّد السوبر حداثة على أنَّ الكون بظواهره كافة غير مُحدَّد ما هو. لذا تنجح النظريات العلمية المتنوّعة في وصف الكون و تفسيره رغم اختلافها. فلو كان الكون مُحدَّدا ً ما هو لنجحت نظرية علمية واحدة و هذا نقيض الواقع. فمثلا ً , تنجح نظرية نيوتن العلمية و نظرية النسبية لأينشتاين و نظرية ميكانيكا الكمّ في وصف و تفسير الكون لكنها نظريات تعارض بعضها البعض. فالجاذبية قوة في نظرية نيوتن بينما الجاذبية انحناء الزمكان (جمع الزمان و المكان) في نظرية أينشتاين. و بينما القوانين الطبيعية حتمية في نظرية نيوتن و نظرية أينشتاين , القوانين الطبيعية احتمالية و ليست حتمية في نظرية ميكانيكا الكمّ.

هكذا تعارض النظريات العلمية بعضها البعض رغم أنها كلها ناجحة في وصف الكون و تفسيره. و لا بدّ من تفسير هذه الظاهرة. هذا ما تقوم به السوبر حداثة بالضبط. بالنسبة إلى السوبر حداثة , التفسير الوحيد لكون النظريات العلمية ناجحة رغم اختلافها هو أنه من غير المُحدَّد ما هو الكون (و بذلك من غير المُحدَّد ما هي النظرية العلمية الصادقة) و لذا من الممكن بحق تفسير الكون من خلال نظريات علمية مختلفة و متعارضة. هكذا تعتمد السوبر حداثة على لامُحدَّدية الكون من أجل تقديم تفاسير فكرية ما يتضمن إمكانية الحصول على المعرفة بفضل تلك التفاسير الفلسفية فتجمع بذلك بين لامُحدَّدية الكون و حقائقه و بين إمكانية معرفة الكون و ظواهره.

بالنسبة إلى السوبر حداثة , من غير المُحدَّد ما هو العِلم ما يسمح للعلوم في التطوّر المستمر. فلو كان العلم مُحدَّداً لتوقف عن التغيّر و التطوّر. هكذا تكتسب فلسفة السوبر حداثة فضيلة كبرى ألا و هي نجاحها في التعبير عن تغيّر العلوم و تطوّرها و ضمان تطوّر العلم و تغيّره في آن. بالإضافة إلى ذلك , من منطلق السوبر حداثة , العلم غير مُحدَّد و لذلك ثمة نظريات علمية من الممكن تصديقها على ضوء اختبار الواقع (كتصديق نظرية النسبية لأينشتاين) و ثمة نظريات علمية أخرى غير قابلة اليوم للتصديق على ضوء اختبار الواقع (كنظرية الأوتار العلمية القائلة بأنَّ الكون أوتار و أنغامها المقبولة علمياً رغم عدم وجود اختبار علمي يدلّ على صدقها اختبارياً). من هنا تنجح السوبر حداثة في التعبير عن تنوّع النظريات العلمية فتكتسب هذه الفضيلة الأساسية.

إن كان العِلم مُحدَّداً لاستحال وجود نظريات علمية معتمدة على اختبار الواقع (كنظرية أينشتاين العلمية) و نظريات علمية أخرى بلا اختبار للواقع (كنظرية الأوتار العلمية). بكلامٍ آخر , إن كان العلم مُحدَّداً لاستحال تنوّع العلم و نظرياته. هكذا العلم غير مُحدَّد ما يحرِّر العلماء و العلم معاً. العلوم السوبر حداثوية علوم غير مُحدَّدة ما يضمن تطوّر العلوم و تنوّعها. العِلم المُحدَّد عِلم ميت بينما العِلم اللامُحدَّد عِلم حيّ بلامُحدَّديته.







اخر الافلام

.. مؤتمر ميونخ.. أولوية الأمن والتباين الأميركي - الأوروبي


.. العراق.. خلافات الوجود الأميركي والحسابات الداخلية


.. أكراد سوريا.. تحذير فرنسي وتهديد تركي وانسحاب أميركي




.. اليمن.. جولات غرفيث وملامح الاتفاق


.. إسرائيل وإيران.. حرب الخطابات وسلام الجبهات