الحوار المتمدن - موبايل



مقال وقصة من مجموعة -رؤيا اليقين-

سلام إبراهيم

2019 / 1 / 30
الادب والفن


مقال وقصة

الكتاب الأول لأي كاتب هو الطفل الأول العزيز، هنا قراءة عربية ثانية لـ "رؤيا اليقين" بعد مقالة الشاعر والناقد الفلسطيني "راسم المدهون" في الحياة بتاريخ 8-12-1994، وهذه قدمها جلال التونسي في كييف موسكو بأمسية أدبية 1991 ووضعت منها مقتتطف في ظهر الغلاف:


(حول مجموعة سلام إبراهيم "رؤيا اليقين"*

أسلوبية المدلولات

جلال الرداوي ـ تونس

تتناول نصوص "سلام إبراهيم" الحرب، العقدة المشتركة لقصص المجموعة وتأتي الأحداث على خلفية هذا المشهد المأساوي المرعب الذي وُفق القاص في تبيان معالمه ـ سوداوية قاتمة ـ قتل ـ جنون ـ صمت ـ خراب كاي، يقترن مصير شخصياته بهذا الكم من الدمار الذي تخلفه الحرب.
والقاص لم يكتب قصصاً عن الحرب، ولم يكن همه وصف وقائعها بل كان على العكس مشغولاً بمخلفاتها وما يمكن أن تتركه كم آثار مدمرة على الطبيعة والإنسان واللغة.
ويأتي وصفه للمكان وسرده للأحداث شاملاً ودقيقاً وفي تناغم وانسجام كبيرين. ولسلام إبراهيم مفهوم مركب عن المكان، فالمكان ليس ذلك الذي نستطيع التقاطه بالمرئية " الجبال، الأودية، المدينة، بهو المنزل، المسجد " وإنما أيضاً الذي نتصوره، نتخيله، نحلم به " خاصة في قصتي الصراط المستقيم، ورؤيا اليقين " يقول في الثانية: " عاد الغائب بقميص مدعوك بأوراق الخريف وفي روحه خريف " ص29، فتصبح محاولة الإمساك بالأمكنة صعبة، لا بل مستعصية، فنلجأ إلى حواسنا لتسعفنا في الرؤية لكن دون جدوى، فالأمكنة تفقد خصائصها ومكوناتها المادية لتلتئم بغرائبيتها وسحريتها.
للمكان علاقة مبهمة أيضا مع الزمان ومع شخصيات القصص فالكاتب اقتصر عند سرده لأحداث القصص على ذكر الزمانية "ليل ـ غروب ـ فجر ـ صباح" وكانني به أراد أن يجعله زمناً مغلقاً "أليست هي الحرب".
أما الشخصيات فهي مهتزة ـ قلقة ـ منهارة، وتعبة لا زمان لها، تراقب الأمكنة ومصيرها الفاجع في هدوء، لا شيء يسندها ولا أمل ينتظرها، تقيم علاقة مختصرة مع الأشياء حتى مع اللغة فهي صامتة، وإن تكلمت فباختصار، وفي تشنج وصعوبة بالغة، ويتراءى لنا الغياب الكامل المأساوي عند إقامة علاقة بين هذا الثالوث:
ـ مكان غرائبي ـ زمن مغلق ـ شخصيات منهارة ـ
نتيجة هذا الغياب يتأسس النص عند سلام إبراهيم الذي أستطاع أن يوفق بين المتناقضات وأن يناغم ما بينهما فيأخذنا من غياب اللغة إلى حضورها "القصة نفسها" ومن القبح "الواقع" إلى الجمال "جمالية الكتابة"
علي أن أشير إن سلام إبراهيم يغلّب السرد والوصف على الحوار، ويجمع بينهما في لغة جميلة "حوار داخلي" وهي كما سنرى الحاضر الوحيد والتي ستكون الموضوع التالي في هذه المقالة.

سيسيولوجية المداليل:

سبق وأن ذكرت أن اللغة التي كتبت بها القصص جميلة مع بساطتها فهي متنوعة ومكثفة، وأتت الجمل غالباً قصيرة ومنسابة في إيقاع متفرد وهي أيضاً جمل فعلية متناغمة والمناخ العام للقصص، حالة الحرب. إننا ونحن نقرأ لسلام إبراهيم يتكون عندنا انطباع أن ما نحن بصدد قراءته من جمل قصيرة يؤسس معمار النص، فلقد اختيرت الكلمات بحرص شديد لزخرفة شكل النص، ولكن أهم ما أنطوت عليه نصوص قصصه هو ما تحدثتُ عنه سابقاً عن أفكاري حول جهازي المفاهيمي مواجهة اللغة ـ للغة.
أنها مواجهة من نوع أخر ـ أكاد أقول شرقية ومن هنا لطفها فلغة القاص خفيفة ( جملة قصيرة ـ كلمات ) لكن لكأني بها حاوية لهمّ وإرث ثقيلين، إنها لغة منشغلة ومشغولة بذاكرتها، ومن هذا المنطلق يتجلى لنا الجانب الخفي للغة التي أستعملها القاص، إنها صوفية خالصة "خاصة لغة قصص رؤيا اليقين والصراط المستقيم" لغة تحاول أن تلغي ذاتها "ببساطتها" لكن أتت محكمة فكانت النتيجة أن أحتلت بنيان النص وفضاءه تماماً.
وأخيراً لابد من تثبيت بعض الملاحظات، فقد بدا لي بعد أن أتممتُ قراءة النصوص، أن القاص لم ينجح أحيانا في التخلص من ثقافته "الطابع الأيدلوجي". مما يكبل الشخصية ويربكها ولو تركت حره لكانت النتيجة أفضل.، وأعتقد أن بعض النصوص تعاني خللاً من ناحية البناء "المبنى" فأنا أرى أنه لم يحسن الربط بين القسم الأول "رائع" والثاني "مرتبك" في رؤيا اليقين. على أيه حال النصوص أجساد ممتعة، ونحن في أنتظار نصوص أخرى تستكمل ما قام به هذا القاص وثبت في أذهاننا عالمه الجديد.
ـــــــــــــــــــــــــ
* أصدار الكنوز الأدبية ـ بيروت 1994
الوفاق العدد 213 مايس 1996 ـ لندن ـ صحيفة معارضة عراقية

نموذج من المجموعة

( لقد أسكته
سلام إبراهيم

يضفي لون الغسق المعتم كآبةً على قسماتها الجميلة وهي تتعثر بخطاها الواهنة على المسلك المنحدر المغطى بالأحجار الناعمة المدورة كالكرات. ثوبها الطويل يلتف بين ساقيها تارةً ويخط ماسحاً الأحجار تارةً أخرى شاعرةً بإرهاق فرط المسافات الطويلة التي قطعتها صعوداً هبوطاً على الممرات الجبلية الوعرة. رمقت بعينين منطفئتين كحفرتين وجه طفلها المضيء الذي يغفو ليناً بين ذراعيها الكليلتين فاختنقت بعبرتها...
... لم تكد تمضي على زواجها سنة واحدة حتى فُقِدَ زوجها في الجبهة فأقفلت راجعةً إلى بيت أهلها حاملةً طفلاً لم يرَ أباه. ظلتْ تتابع بلهفة قوائم الأسرى المذاعة من إذاعة طهران. أتعبها تشابه الأسماء وَقَطْعَتْ أنفاسها أجهزة التشويش، ولم تمل من الانتظار المديد وحلم سماع خبر آسره، والأيام تطوى نفسها ببطء قاسية، متشابهة، محتشدة بآلام وأحزان الحرب.
رمت بصرها إلى السماء الكابية.. تكاد تنكفئ عليها. الوحشة تغرز أسنانها بروحها القاحلة والصخور المشحوذة، القاطعة السكاكين.. والأفق المجهول.
الشارع المبلط يخترق السهل المنبسط أسفلهم كخيط أسود مختفياً بين تلالٍ بعيدة. مَنّتْ نفسها بلقاء أخيها الذي سيرى أبنها للمرة الأولى. فكرت بأبيها الحزين السائر في ذيل المفرزة واللائذ في صمته.
.. لم يفه بكلمة واحدة عقب صفعه بباحة الدار من قبل رجال الأمن أمام مرأى العائلة. تكورتْ ألماً والتصقت بالجدار، ووجه أبيها تكسر مختنقاً بوجعٍ غاضب وصار داكناً كالبئر. وخيمَ عليه الوجوم كشأنه حينما يستدعونه إلى دائرة المن طالبين منه العودة بأخيها الصغير الذي التحق بثوار الجبل، فيرجع محتقن الوجه، غائر العينين، ويلوذ بكرسيه قرب المدفأة وما ان تسأله أمها حتى ينفجر نافثاً جملته بحقدٍ:
- الكلاب.. الكلاب.. يهددونني بالتهجير!.
وبعد أن يشتم ما طاب له، يستريح وينفرط الغم من ملامحه، ولكن في المرة الأخيرة مختلفة فقد بقى وجهه رمادياً.
الظلامُ أطبقَ غامراً كل الأشياء فتقاربت الأجساد مقلصةً المسافات الفاصلة إلى مترٍ واحد.
... لم يتركوا لها فرصةً لجلب القماشة التي تقّمط بها جسده. دخل من باب البيت المفتوح حشدٌ من رجالٍ قساة الملامح، مدججين بالسلاح، ودفعوهم بأعقاب دفعاً إلى الشارع بملابس النوم وحشروهم في عربة "إيفا" عسكرية مكتظة بالطفال والنساء والعجائز، وانطلقت ناهبةً شوارع المدينة سالكةً الطريق العام. أنزلوهم في طريق ترابي وقالوا:
- لا ترجعوا إلا وأبناءكم معكم!.
السكون يملأ ليل الجبل الحالك الظلام بخدر يبعث على النعاس. أحستْ برغبةٍ عارمةٍ في النوم ونسيان كل ما جرى ويجري لها عندما انتبهت إلى صراخ طفلها ينفجر قوياً ملعلعاً، وهمس مضطرب سمعته قرب أذنيها:
- أسكتيه يا أختي.. نحن نقترب من الشارع والربايا.
على عجلٍ فَلّْتْ زر ثوبها. أخرجت ثديها وألقمتْ حلمته بين شفتيه. مادتْ برأسها الهواجس ودارت مع أسئلة لا تجد لها اجوبة، إلى أين يذهبون؟.. أين سيستقر بعم المقام؟.. وما ستؤول أحواهم؟.. و.. فتلبد ذهنها تاركاً التفكير وضائعاً في الغموض الذي يكفن أيامها القادمة، فجعلت خطواتها كالسائر في نومه.. كتلة من الأحزان التائهة في عتمة ليل الجبل البهيم.
- اصعدي وأسرعي في العبور!.
همس لها المقاتل الذي لم يبتعد عنها لحظة واحدة مذ حلَّ الظلام. ركزت نظرها وثبتت إحدى قدميها على الحافة الزلقة، وتحسستْ بقدمها الأخرى صاعدةً بحذر إلى الجادة المبلطة. هرولت عابرةً رغم الألم الذي أشعل باطن قدميها:
- تلك هي الربيئة.. سيري بهدوء ودون صوت!.
سَمَعتْ شبحاً يهمس لها وهي تهبط على ممر ينزل من الجادة بشكل مائل يفضي إلى منخفض مظلم. رفعتْ بصرها إلى ضوءٍ ضعيفٍ معلقٍ فوق تلٍ يحجب جزءاً من نجوم السماء. زلتْ قدميها، ففقدتْ توازنها، هوت متدحرجةً إلى أسفل. تلقفتها ذراعان قويتان، ساعدتاها على النهوض، بينما مزق الصمت عويل الطفل المتألم. ارتبكت متعثرةً بخطاها وأصوات مخنوقة تردد بذعر وتأتيها من كل ركن في الظلمة المحيطة بها كالجدران.
- أسكتيه.. أسكتيه.. سيقضى علينا!.
بأصابع مجنونة بحثتْ عن ثديها. حشرتْ حلمته بفم الطفل متذكرةً غضب عجوز في القرية التي غادروها عصراً وهي تصيح
- اللعنة على النساء.. اللعنة.. بسببهن فتحت الربيئة النار على مفرزةٍ فأستشهد ثلاثة شبان.. اللعنة عليها لم تسكت بكاء أبنها.
حرك رأسه يمنياً وشمالاً لافظاً الحلمة من فمه، صاراً على أسنانه ومنطلقاً بالصراخ. احتوتْ رأسه الصغير بكفها وأطبقتْ عليه بأحكام محاولةً إدخال الحلمة عنوةً وصوت المرأة العجوز يرنُّ بأذنيها واضحاً موجعاً:
- لا فائدة منهن.. سوى جلب المتاعب للرجال!.
ارتطمت الحلمة بأسنانه المتلاصقة.
... يا إلهي سيبادون بسببي.. أصمتْ أرجوك.. الرحمة يا رب.. الرحمة.
لم تشعر بثقله مثلما أحسته في تلك اللحظات. وَدتْ لو رمته بعيداً.. لو.. وأهتز جسدها تحت ثوبها الفضفاض مطبقةً كفها برخاوة على فمه. مزق الجو المتوتر بالهمس المضطرب صوت إطلاقة أزت مارقة من فوق رؤوسهم يتبعها ذيلٌ أحمر مضيء انطلقت من الربيئة التي أصبحوا تحتها، والهمس صار مسموعاً يفيض بالذعر:
-أسكتيه.. أسكتيه..
ارتعشت يداها المتشنجتان. سحبتْ طفلها غامدةً وجهه بصدرها خانقةً الصراخ الذي لم يعد يسمعه سواها وكأنه يصدر من قعر بئرٍ عميقٍ، ثم أخذ بالخفوت رويدا.. رويدا إلى أن أنقطع تماماً، فعاد الهدوء يطلي كل شيء لا يخدشهُ سوى حفيف أقدامهم وصرير الجنادب المتقطع. عبتْ نفساً عميقاً من نسمات أول الليل الباردة، فشعرتْ بارتياح أعقبه شعورٍ بإنهاك شديد حلَّ مفاصلها.
انحدروا في وادٍ ضيق سالكين ممراً يمتد باستقامة على السفح، يشقون بصمتٍ حلكة الليل وسمائه اللامتناهية، والمرصعة بالنجوم المدلاة كأزهار مضيئة.. لا تدري كم قطعوا حينما رأت على ضوء النجوم الشاحب شبحاً يقترب منها ويسألها بصوتٍ واضح:
- زال الخطر الآن.. كيف حال الطفل؟!.
فَلتْ ذراعيها المطبقتين على جسد طفلها الملتصق بسكينة إلى صدرها. أبعدته قليلاً ناظرة إلى وجهه المشع بياضاً، فانكفأ رأسه إلى الخلف متدلياً رخواً كالعجينة. تسمرتْ بمكانها شاعرةً ببرودةٍ قارصة تنغرز بعظامها وبحركةٍ مجنونة رفعته ملصقةً أذنها على صدره. أنصتت، دق.. دق.. دق.. دقات عالية متلاحقة تركض.. تركض متدفقةً، مالئةً سمعها. قطعت أنفاسها وأرهفتْ مصغيةً ثانيةً. خارت قواها عندما أيقنتْ أن الدقات لم تكن سوى دقات قلبها الفزع. مدتْ ذراعيها بالطفل الساكن دون حراكٍ عليهما إلى المقاتل المصعوق أمامها كخشبةٍ محترقةٍ وصوتها المكسور بالكاد يُسمع من بين شفتيها المرتجفتين، باهتاً، مختنقاً، مبحوحاً مفجوعاً:
- أنظره.. أن.... ظ... ر... ه. لـ.............ق...........د أسكت.......كته.. أ.......... س.. ك... ت...ه.
لولان -أرياف أربيل - 1986)







اخر الافلام

.. افتتاح قصر ثقافة ديرب نجم بعد تطويره بحضور الوزيرة


.. عصام شرف: المجتمع المصرى لم يتعرض للصيانة الثقافية منذ سنوات


.. ولهم فى الأمطار حياة.. فيلم تسجيلى عن حياة أهل سانت كاترين




.. -كفرناحوم-... هكذا تصنع السينما ابطالا حقيقيين أمامنا


.. الفنان حاتم العراقي .. أغـنـيـه الـلـيـلـة .. قـنـاة أبـــو