الحوار المتمدن - موبايل



قراءة شاملة فى النهضة الفاطمية عند اليعقوبى - ناصر الزهراء- (( الجزء الثالث))

محمود جابر

2019 / 1 / 30
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات






الزهراء الفرقان الحى (2)

----------

مازلنا مع سيدة نساء العالمين؛ بنت سيد الأولين وخاتم النبيين ورسول رب العالمين. الذى وصفه الحق تعالى قائلا ) لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ (128) فَإِن تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ۖ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ) التوبة 128- 129.
نلتمس من ذكرها ( عليها السلام) قربا إلى الله، ومن حبها صلة مع رسول الله، ومن الكلمات – التى نتمنى أن تناصرها – قربنا إلى من فرض على المؤمنين حبها، ومن الذكر، والصلة، والنصرة، نطرق بهم جميعا باب سرها المستودع... فهى سلام الله عليها ...
ابنة الرحمة المهداة، صاحبت الشفاعة الكبرى، وهى الحوض المورود، أنها النور، و أم النورين، بل هم أم أنوار المعرفة التى يهدى الله بهم إلى طريق الحق، والفرقان.
إنها من يرضى الله لرضاها ويغضب لغضبها، فمن أحبها دخل الجنة، ومن أبغضها – والعياذ بالله – كان فى النار .
ونحن ما نزال لم نبرح بعد خطبة ناصر الزهراء اليعقوبى فى تشيع جنازتها سلام الله عليها فى النجف الأشرف يوم 3/ج2/1428 المصادف 19/6/2007.
والتى قال فيها اليعقوبى " الزهراء (عليها السلام) يوم الفرقان"..
نبه سماحته إلى أهمية معرفة مفاصل التاريخ الإسلامي فى الفصل بين معسكرين، وبين جماعتين، وبين مرحلتين، وفى الفصل بين أسباب الانتصار المادى المحض وأسباب الانتصار الإيماني الشامل، وكما كان يوم بدر هو مفرق لتميز الجماعة المؤمنة عن غيرها الظالمة رغم اختلال ميزان القوة المادية والتى عبر عنها الله تعالى (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ)آل عمران:123.
وهنا يوضح الناصر فى خطبه، ويربط بين التنزيل وبين التأويل، وبين مفصلين كل منهما يتبع الآخر :" هكذا كان يوم بدر يوم فرقان على جميع الصُعُد في معركة العقيدة، معركة تنـزيل القران أي على مستوى الإيمان به والتصديق بما انزل الله تبارك وتعالى على نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) وكان الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) هو قائد هذه المعركة".
هذه المعركة – التنزيل- كانت تحتاج لمعركة أخرى تصقل السلوك والقيم والأخلاق، ويمتحن فيها المؤمنون كما يقول الله تعالى (أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) العنكبوت 2- 3.
والامتحان هنا كما نبه اليعقوبى، هو الالتزام بحقيقة ما انزل الله تعالى على رسوله، وعدم تحريفه وفقا للهوى ومصلحة الأشخاص والجماعات، وكانت هذه المعركة بقيادة أمير المؤمنين ( سلام الله عليه) إذ قال فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) (وإنه المقاتل على التأويل إذا تركت سنتي ونُبِذت، وحُرِّف كتاب الله، وتكلم في الدين من ليس له ذلك، فيقاتلهم علي عليه السلام على إحياء دين الله عز وجل) وروي عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) أنه ذكر الذين حاربهم علي (عليه السلام) فقال: ( أما إنهم أعظم جرماً ممن حارب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، قيل له: وكيف ذلك يا ابن رسول الله؟ قال: أولئك كانوا جاهلية وهؤلاء قرأوا القرآن، وعرفوا أهل الفضل فأتوا ما أتوا بعد البصيرة)، ولما سأل علي(عليه السلام) فقال: يا رسول الله على ما أقاتل القوم؟ قال: على الإحداث في الدين".
ولما لا، فإن التأويل قرين التنزيل، فهو – التأويل- إيضاح مراد الله تعالى على النحو الصحيح وليس وفقا لأهواء أصحاب الهوى، وكما يقول سماحته "بل أن علياً لو لم يقاتل على التأويل لما بقي التنـزيل ولحُرّف الدين وانتهى كل شيء كما كانت نتيجة الديانات السابقة لان كلمات التنـزيل تبقى مجملة وعرضة للتلاعب والتحريف إذا لم توضع النقاط على الحروف فكان عليٌّ (عليه السلام) تلك النقطة التي تحركت على حروف كلمات التنـزيل فأوضحت معانيها وثبتت حدودها وصانتها من عبث وتحريف أهل الأهواء والمصالح، لذا قال أمير المؤمنين في حرب صفين (والله ما وجدت من القتال بُداً أو الكفر بما أنزل على محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)).
ويوم الزهراء الذى أشرنا إليه – فى الحلقة الماضية – هو يوم فرقان آخر، ونعيد الحديث للذكرى، لمّا بلغ فاطمة إجماع أبي بكر على منعها فدك لاثت خمارها وأقبلت في لمّة من حفدتها ونساء قومها تطأ ذيولها ما تخرم مشيتها مشية رسول الله(صلى الله عليه وآله) حتّى دخلت على أبي بكر وقد حشد الناس من المهاجرين والأنصار فضرب بينهم وبينها ريطة بيضاء قبطية ثمّ أنّتْ أنّةً أجهش القوم لها بالبكاء ثمّ أمهلت طويلاً حتّى سكنوا من فورهم ثمّ قالت...
لقد كان يوم الزهراء – كما يقول ناصر الزهراء – "فرقاناً لتمييز المنقلبين على الرسالة من الثابتين عليها الشاكرين من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ) آل عمران:144.
كان من شأن هذا اليوم أيها القارىء الكريم أن يميز بين خطين، الأول، يمثل نقاوة الإسلام وأصالته.
والثانى، خط انحرف عن جادة الصواب، وكلما طال الزمن ازداد الانحراف والابتعاد عن الخط الأصيل حتى صار خلفاء المسلمين كما يسمّونهم يشربون الخمر على منابرهم هذا ولا زال أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أحياء.
وهذه النتيجة جاءت عقب خطبة الزهراء المشهودة، فبعد أن وقفت وأوضحت وبينت ونبهت وقالت وفرقت وغضبت ( سلام الله عليها)، فوقع القول على من أغضبها، ثم أصبح هناك فريق مع فاطمة وحقها، وفريق آخر مع من أغضبت الزهراء، فوقع القول عليهم " فاطمة يرضى الله لرضاها ويغضب لغضبها" فما رضيت عنه فاطمة فهو حق وما غضبت عليه فهو باطل لأنها معصومة وممن عرفت الله تبارك وتعالى فعرفت ما يرضيه وما يسخطه وما يصدر منها إلا ما يوافق رضا الله تبارك وتعالى.
اليوم – كما يقول اليعقوبى الناصر - وما أحوجنا اليوم إلى هذا الفرقان ليميّز لنا الحق من الباطل، والهدى من الضلال في كل عقيدة أو دعوة أو فكرة.
وما أحوجنا إلى هذا الفرقان ليفرّق لنا بين الصحيح والخطأ في آرائنا وتصوراتنا.
وما أحوجنا إلى هذا الفرقان ليميز لنا السلوك والتصرف الذي يرضي الله تبارك وتعالى من الذي يسخطه حيث اختلطت الأوراق وكثر المدّعون واشتبهت الأمور.
ذلك وليعلم الجميع؛ أن الزهراء عندما خرجت لتتصدى للمنقلبين على الأعقاب ومحرفين الكتاب لم تخرج للمطالبة بحقها وحق بعلها بالخلافة وفدك فقط، و إنما هو تثبيت حكم الله تعالى وإقامة وإحياء شريعته، وكان منطلقها ومنبع خطابها لمحاججة الظالمين هو كتاب الله تعالى وآياته الكريمة ليكون الحكم بينها وبين القوم الظالمين ولتبعث على طول التاريخ رسالة مفادها أن تطبيق الأحكام الشرعية وتنظيم شؤون الحياة للفرد والأمة على أساس الشريعة هو الهدف الذي يجب أن يسعى إليه الفاطميون في كل زمان ومكان وان التسويف والتعطيل والتأجيل الذي ينطلق البعض من خلاله لتعطيل حكم الله تعالى هو حكم الجاهلية الذي كان دائما ديدن المنحرفين اللابسين ثوب القداسة المزيف ومن كان معهم وناصرهم .
من خلال الخطاب الفاطمي لناصر الزهراء اليعقوبى.. تعلمنا واستوعبنا العديد من الدروس والعبر ومنها : أن السيدة فاطمة الزهراء (عليه السلام) هي ميزان الحق الذي ينشده المتحيرون دائما للوصول الى الحق والحقيقة المنشودة، وأن يوم الزهراء (عليه السلام) هو يوم الفرقان الذي تميز ويتميز فيه على مسار التأريخ الحد الفاصل بين القيادة الحقة ومن ينوب عنهم في زمن، وبين أدعياء القيادة والمتقمصين لها بغير حق منذ تقمص المنقلبين والى أن يملأ الله تعالى الأرض قسطا وعدلا، وان من يريد نصرة فاطمة ويبحث عن رضا الله تعالى ورسوله والذي هو من رضاها أن يسعى لإقامة احكام الله تعالى وإحياء شريعته المعطلة واستنقاذ عباده من الضلالة والجهالة.
لأجل هذا يقول ناصر الزهراء ... اجعلوا الزهراء (عليها السلام) نصب أعينكم فيما يصدر منكم من فعل أو قول أو موقف أو فكرة تعتقدونها في عقولكم أو ضميمة تضمرونها في قلوبكم، واسألوا أنفسكم عن كل ذلك... ومما طالب اليعقوبى جمهور المحتشدين والسامعين الحاضرين أن يلتزموا به ويحرصوا عليه فهو باب وطريق موصل إلى رضا الزهراء عليها السلام :
- التزام المرأة المسلمة بالعفاف
- أن يلتزم كل مسلم بالصلوات الواجبة وغير الواجبة
- أن يلتزم التجار وكل ذى سعة عن حق الله تعالى فى ماله .
- أن يلتزم المسئولين بخدمة الناس وأداء الأمانة التى حملوها.
- أن يلتزموا منهج آل البيت فى الرجوع إلى المرجع الأعلم .

أن نور الزهراء ( عليها السلام ) لا ينبلج إلا فى القلوب التى تجعل من الزهراء فرقان يميزون به بين الحق والضلال وبين النور والظلمة قال تبارك وتعالى: (يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) الأنفال:29.
فى ختام خطبته يقول اليعقوبى ... إن من لا يمتلك هذا الفرقان يتخبط ويسير على غير هدى ويضلّ نفسه والآخرين ولا يميّز بين ما يضرُّه وما ينفعه ولا بين العدو وغيره كالثور المستعمل في حلبات مصارعة الثيران يجعل همّه في نطح قطعة القماش الحمراء غافلاً عن عدوّه المصارع الذي يطعنه بالخناجر حتى يصيب مقتله.
ولو سألنا أنفسنا لماذا ؟
سنجد الجواب إذا كان حب الزهراء هو الفرقان وهو المصباح المنير فى قلوب العارفين والمؤمنين، فإن فقدان هدى الزهراء وحبها يصدّ القلب عن الحق، ويحجب الفؤاد عن الرؤى، فتعمى القلوب التي في الصدور، لإن القلب ما لم يعمر بالتقوى وينفض عنه غبار الهوى وأغلال الشهوات لا يمكن أن يهتدي إلى الحق ولو أقمت له ألف دليل [وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ] (البقرة:145)؛ لأن الدليل مهما كان مفحماً ومسكتاً فانه لا يكون مؤثراً إذا لم تسكن إليه النفس ويطمئن به القلب.

وللحديث بقية وما زلنا فى فرقان الزهراء وللحديث بقية

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=625978







اخر الافلام

.. -أنا شاب مصري، أريد أن أفهم، ما هدف التعديلات الدستورية الآن


.. هذا ما يتوق إليه الشباب الفلسطيني


.. صفقات ضخمة خلال يومين في -أيدكس- و-نافدكس-




.. نشرة الثامنة- نشرتكم 2019/2/18


.. ظريف: خطر نشوب حرب بالمنطقة بات كبيرا - تعليق برهوم جولان