الحوار المتمدن - موبايل



القراءة الحرفية للقرآن - شريعة الرسول و شريعة الله ، الخمر و الزنى انموذجاً

وليد مهدي

2019 / 2 / 6
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


كتب التاريخ الاسلامي في القرن الثاني الهجري ، ايام الدولة الاموية ، اي بعد ان اصبح غالبية الرعية الاسلامية من الموالي في البلاد المفتوحة في العراق والشام وايران وشمال افريقيا .
وقبل ذلك ايضا في العصر الراشدي ، كانت الفرصة مؤاتيه لإعادة قراءة النصوص الاسلامية في القران والسنة دون ان يجادل بها أحد بعد فتوح الجزيرة العربية واختلاف لهجاتها ، فحرفت تلك النصوص عن مضامينها ومعانيها إلى حد التناقض في بعض الأحيان بما يناسب هوى ومصالح السلطة السياسية لصعوبة فهم المتعلمين الجدد للعربية ما حقيقة النص الحرفية .
وقد تطرقنا في المقالين السابقين من هذه السلسلة لحالة الضمير نحن في القرآن وبينا ان القراءة الحرفية بما معروف عن كلام العرب يخالف عائديتها إلى الله بالمطلق ، وهي تشير لمنظومة كونية كبرى يقودها مجلس من كبار الملائكة بما يحاكي ذلك المعروف باسم الانوناكي في الملحمة السومرية حينوما عيليش .
اليوم نبدأ مرحلة جديدة لتبويب هذه القراءة بتناول موضوعة تحريم الخمر والزنى المعروفة في الشرع الإسلامي .

منع شرب الخمر في الإسلام ( وليس التحريم )

يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ۖ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا ۗ وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ

هذه الآية حرفيا تستند إلى ميزان تشريعي خاص بالحاكم الشرعي :
هناك منفعة للخمر وهناك مضرة، فإذا رجحت المنفعة ابقى عليها وان رجحت المضرة منعت !
لاحظ ، كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون ، يطالب الامة ان تفكروا في آلية لإقامة التشريعات ، واتركوني انا الله بعيداً عنها ، لم يختم الآية باي توجيه ان هي حلال او حرام !!
هذا الميزان القرآني الخاص بالحاكم الشرعي ينسحب على التدخين في وقتنا الراهن، والذي سيتوجب منعه لا محال ..
لكنه يبقى ليس ضمن دائرة ما حرم الله..بدليل ان الله حرفيا " تجنب " استخدام كلمة حرمنا او حرم عليكم ، او كما قال في الربا ( احل الله البيع وحرم الربا ) .
بالتالي منع شرب الخمر في الإسلام ( وليس التحريم) وقع ضمن مسؤوليات الرسول و الحاكم الشرعي من بعده وعندما حصل فيه خلاف وطالب الصحابة بضرورة وجود نص إلهي حوله ، وتحديدا من عمر بن الخطاب ، جاء النص الإلهي ملتزما بإبقاء مسؤولية منع الخمر على عاتق الإنسان ولم تتنزل فيه حرمة قطعية كما في لحم الخنزير ، الذي تم تحريمه بدون تعليل وذكر اي سبب تأسياً بالتوراة :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ، إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ ۖ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ ؟

وبعد هذا النص صاح عمر بأعلى صوته :
انتهينا يارب !!

ولو عدنا لجمع تناقضات تشريع الخمر سنجدها :
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ ۖ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ
وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ

سنجد أن الغاية هي ضبط العلاقات الاجتماعية وهي موكلة للحاكم الشرعي حصرا ، لان صيغتها جاءت ارشادية تعليمية للرسول محمد :
يا محمد هم يسئلونك ، فقل لهم كذا ، القراءة الحرفية للقرآن تؤكد بان القرآن كان يقوم بتعليم محمد آلية التشريع والتحكم عبر ميزان الضرر والنفع وعبر منفذ اللجوء للأعراف السائدة :
خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ

كيف يأمر الله نبيه بإتباع الأعراف وهو الرب الذي نزل عليه و ينزل عليه كل شيء مفصلا و تماما ؟
ما حاجة الإسلام للعرف ما دام جبريل يتنزل بالوحي والتشريع ؟

هذا هو أكبر دليل قرآني راسخ على إن قانون إدارة الدولة الإسلامية ايام الرسول ( و هو من الكتاب و السنة ) هو أعراف سائدة منتقاة من بين أعراف مختلفة ومتناقضة ، الثابت الوحيد في الشريعة الإسلامية غير القابل للتعديل ولا يخضع لتغير الزمان هي آيات التحريم الصريحة المسبوقة بكلمات من نحو :
حرم عليكم ...
أو التي تبيح بصراحة :
واحل لكم، انا احللنا .. وغيرها
كل ما عداها فهي أعراف قابلة للتعديل و التغيير حسبما تكشفه قراءة القرآن حرفا ، والتي ستشكل فيما بعد التشريع الخاص بالرسول محمد بن عبد الله والذي يتجلى حرفيا وبوضوح في الآية التي تقول :

وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ ﴿٢٩ التوبة﴾
هنا ، ينكشف ما كان غامضا وخفيا في الشريعة الإسلامية ، وجود نوعين من التشريع :
التشريع الإلهي و تشريع خليفة الله ، هناك محرمات من الله مباشرة وهناك محرمات من الخليفة

( وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ) الله مؤكد لا يشترك مع احد في التحريم ، إذن لله تحريم و لرسوله تحريم آخر ،
للحاكم الكوني تحريم و للحاكم الأرضي تحريم ، كلا التحريمين متناسقين ضمن آلية الدستور الاسلامي ، الفارق أن تحريم الله أبدي دائم ، وتحريم الخليفة متغير حسب الزمان والمكان ، لأن الله حي لا يموت ولا يتغير ، لكن الخليفة يموت ويتغير بتغير أحوال الحضارة ، الله اختص بحرمات النفس والبدن والرسول اختص بحرمات الاختلاط والاجتماع بين الناس.
وبالعودة للخمر فهي شراب لم يرد في آيات تحريم الطعام مطلقا ومنها :

قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ۚ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ

وهي واقعة ضمن التشريع الإلهي الوارد في التوراة اصلا .

حكم الجواري و الزانيات – حرفيا في القرآن

القراءة الحرفية للقرآن تخبرنا بطبيعة الموقف الإلهي من التشريعات والأعراف السائدة التي كلف نبيه باتباعها في أية و" أمر بالعرف " في سورة الأعراف ، هذه الطبيعة في فكر الخالق تتمظهر في توظيف كلمتي اجتناب وتحريم :
فليس ثمة فارق كبير بين وطيء الجارية و الزنى ، لهذا قال : ولا تقربوا الزنى

فيما الاسترقاق مباح اجتماعي تساهل فيه الله لكنه ليس مسؤولا عن تشريعه ، لهذا هو يعبر حرفيا بالتماس منعه لا تحريمه. فهو أوصى بحفظ الفرج الا على الأزواج و ملك اليمين ، وملك اليمين هي انثى تساق إلى الفراش مكرهة..
اما الزانية فتساق للفراش راضية وهي افضل كرامة من الجارية لأنها اجيرة تأخذ المال مقابل ما تقدمه عكس الجارية المستعبدة.
بالتالي، القرآن حرفياً كان مدركا تماما هذه الجدلية والاشكالية، فلم يبت بالأمرين بتا قاطعا بالتحريم ، لا بتحريم الزنى بل التماس منعه ولا بتحريم العبودية بل التماس تحرير الارقاء ورصد الأجر والجزاء للحالين.
في الأولى الفلاح، قد أفلح المؤمنون الذين هم لفروجهم حافظون ، وفي الثانية اقتحام العقبة وتجاوز ويلات القيامة.. وما ادراك ما العقبة فك رقبة.

حكم الأوثان و الحجر الأسود – حرفيا

و ليس من فارق كبير بين التبرك بالحجر الأسود وبين الأصنام لذا قال :
" الذين اجتنبوا الأوثان أن يعبدوها "

كان للقرآن نفس بعد النظر بمسالة التبرك والتعبد والتبرك بالحجر الأسود هو عرف عربي ثقافي موروث وقديم ، لم يكن للرسول محمد ولا للقرآن منه في شيء و الا ما كان ليقول فيه عمر بن الخطاب :

" أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع "

----------------------------------------------------------------------------------

ملحقات بالموضوع

معنى الاجتناب في القرآن - حرفياً

الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ ۚ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ ۖ فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ
عن أبي جعفر ، عن قتادة ، عن الحسن ( إلا اللمم ) قال : أن يقع الوقعة ثم ينتهي . ( الطبري )

إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا
واضح من النصوص السابقة أن تأويل الاجتناب بأنه أمر تحريم مشدد غير صحيح بالمرة كما ذهب المتأولين الإسلاميين ومنهم محدثين امثال الشعراوي ، هو مجرد توجيه أن حاولوا أن تتجنبوا المنكرات ، وليست كلمة تشريعية بتحريم مشدد ابدا :
وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ

بالتالي ، كل اجتناب في القرآن هو تشريع للرسول وللحاكم الشرعي ، وهو تشريع قابل للتعديل والأخذ والرد

في مقالات لاحقة سنتناول مسالة الحدود كالجلد والرجم وطبيعتها التشريعية العرفية .


قاعدة التشريع الاساسية للنبي في القران – حرفياً

الخليفة أو الرسول مخول بإنشاء الدولة الإسلامية ووضع القوانين الخاصة بها مثلما أن الله كتب على نفسه مسؤولية وضع الشريعة الخاصة بحياة كل فرد ، لكنه اناط بصورة مباشرة انبيائه وخلفائهم مسؤولية سن دستور الحياة الاجتماعية وفق قاعدة تشريع علمية قرآنية اسمها :
(( اثمهما أكبر من نفعهما فهل انتم منتهون )) أي :الضرر و النفع ، وهي بمثابة معادلة رياضيات بها توزن وتكال كل التشريعات الاجتماعية، وهو القائل :
و السماء رفعها، ووضع الميزان !







التعليقات


1 - تسائلات نطلب الاجابة عليها
صباح ابراهيم ( 2019 / 2 / 6 - 17:17 )
هل التشريع القرآني هو من كلام الله ؟
لماذا يغير الله كلامه وينسخه ويبدل فيه وياتي بمثله او خير منه ؟
ان جاء بمثله فما الحاجة للتغيير بجديد؟
وان جاء بأحسن منه او خير منه ، فلماذا جاء بالغير حسن في البداية وهو رب العالمين الذي لا يخطئ و لا يبدل في كلامه ولا يتراجع عما قرره اولا ؟
ولماذا يريد الخالق ان يأتي بآية ثم يطلب نسيانها ، وهي من تراث الوح المحفوظ ؟
ان ينسخ الله الآية ويبدلها ، فهل ينسخها و يلغي وجودها في اللوح المحفوظ ايضا ؟

نرجو من الكاتب المحترم ان يجيبنا على تساؤلاتنا مع التقدير


2 - الأخ صباح إبراهيم
وليد مهدي ( 2019 / 2 / 7 - 12:05 )
التشريع القرآني هو كلام مصدره الوحي. وأرجو أن تنتهي الإجابة بما يتعلق بهذا السؤال
االناسخ والمنسوخ فهي تاولات لمن جمعوه وكتبوا سيرة النبي من بعد
منهج هذه السلسلة يعتمد على مبدأ القراءة الحرفية للقرآن والتي نحاول منها اختبار النتائج وهي كما تظهر بهذه السلسلة تباعا

اما بقية أسئلتكم كيف فعل وهذا ولم يفعل ذاك
فهذا ليس من اختصاص مشروعنا في القراءة الحرفية للكتاب

لأنها قراءة حرفية لغوية بحته لا علاقة لها بتاريخ الإسلام والسيرة
فقط عند الحاجة لاستشهاد ببعض الحوادث منعا
لكن يبقى المنهج الأساسي هو القراءة الحرفية المستقلة وما تؤول إليه من نتائج

شكرا لك

اخر الافلام

.. مراهقتان تسرقان مصرفاً في ولاية ماساتشوستس الأمريكية


.. غوتيريش يدعو إلى -تفادي العنف- في فنزويلا


.. مرآة الصحافة الأولى 2019/2/23




.. شاهد: ترميم آلاف من الجماجم والهياكل والعظام البشرية في مست


.. شاهد أفضل فيديوهات الأسبوع على يورونيوز