الحوار المتمدن - موبايل



الرواية وواقع مجوف للروائي محمد علاء الدين

أماني فؤاد

2019 / 2 / 6
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


الرواية.. وواقع مجوف
د. أماني فؤاد
يقدم "محمد علاء الدين" في أحدث نصوصه الروائية " كلب بلدي مدرب" سردية تنتمي للنص التفاعلي الافتراضي ، رواية تجسد الهروب إلى العوالم البديلة للواقع، إلى الغرائز بكل أنواعها ، لشخوص هامشية تنحو إلي العنف.
توميء الرواية وتحكي عن انفعالات تحدث ميكانيكيا ، لكنها لا تحرك الوجدان البشري إلا قليلا ، كأنها خارج النفس، عن ذوات يعيشون وكأنهم يعيشون ، أحداث تخلو من وقعها الإنساني الذي كنا نعرفه، الحدث وظلاله المتعددة داخل ذواتنا، حتى الحدث ذاته يبدو كأنه مجوف، مفرغ من الحقيقة الداخلية، من أنسجة طبقاته، ذلك لأن فاعليات الحياة يتشكل معظمها عبر شاشات أجهزة الاتصالات الحديثة، في واقع إفتراضى، تتبدى فيه الحياة كأنها نصف حياة لا نتمتع بفاعلياتها إلا عبر برودة أجهزة الاتصالات الحديثة.
يحكي هذا النص عن "أحمد" خريج كلية الآداب الذي كان يحلم أن يكون كاتبا يحصل علي نوبل في الآداب، لينتهي به الأمر أن يتكسب بالكاد من كتابة القصص الجنسية المستقاة من أفلام البورنو، أو من الظواهر التي تحكي خبايا العلاقات الشائكة، غير الشرعية في المجتمع، ثم ينشرها علي أحد منتديات الانترنت. يتعرف علي إحدي الفتيات "نيفين" زوجه لاهية متعددة العلاقات، فيقيم معها علاقة ، ثم تورطه في مساعدتها في إحدى مغامراتها، التي يستولي فيها "علي لوزة" علي سيارتها ، وكل ما كان في حوزتها ، فتتراكم حوله وأصدقائه مجموعة من الأحداث والمشكلات .
يتنامى سرد الرواية من خلال شخوصها " أحمد، نيفين ، عبدالله ، علاء اللول ، محمود جوافة ، علي لوزة ، الخالة سمية ، سوسن الراقصة ، و الشخوص الثانوية . تشف السردية عن مساحات من الوهم والخدر مختلف الأنواع ، الحياة تحت وطأة الدعاية والاستهلاك ، أحداث موزعة بين واقع عبثي مجهض ، وعالم افتراضي شاسع ومفتوح ، شرائط ممتدة من الصور المتوالية المصنوعة ، التي نحلم بحياة من خلالها ، لكنها في النهاية افتراضية غير مادية ، أعني أنها حياة لا نستطيع أن نعش أحداثها وانفعالاتها بالفعل ، لا نرى شخوصها في الواقع أو نلمسهم حتى وإن كان لهم وجود ما .
تتبدى وطأة العيش تحت فلسفة الإستهلاك ، كأننا في إعلان مصور نشاهده بعيدين عنه بمسافة ، لكننا نتوهم أننا بداخله ، أو داخل مشهد مصور في أحد الأفلام التجارية.
ربما ترسلنا هذه المشاهد الخاصة بأفراد النص وطبيعتهم النفسية إلي عصر الاستربتيز السياسي ، الذي نحياه منذ فترات ، فالجميع ــ بمن فيهم من يطلقون علي أنفسهم النخب السياسية ، وجميع التيارات الفكرية ــ يمارسون التعري ، ولكل وسائله في الإغراء ، ووسائل العرض ، لذا تسقط كل الأيديولوجيات المتاجر بها واحدة تلو الأخرى حين تتكشف المصالح والأقنعة، وعلاقات المحارم بين سلطات الدولة المختلفة ، كأن المشاهد الخاصة اليومية والفردية لكل شخوص النص، ترسلنا لما يتوازى معها سياسيا واجتماعيا و ثقافيا .

النص والواقع السياسي المضطرب :
يتملك الشخوص اليأس لدرجة الكف عن المبادرة ضمن هذه المنظومة الفاسدة بخلاف نماذج نصوص الروائي السابقة في "أنجيل آدم" و"الصنم" ، يمتنع البطل "أحمد" حين تدفعه خالته ليذهب لأحد أقاربه من أجل واسطة لتعيينه، يرفض الذهاب أو المبادرة ، يدرك فساد المنظومة كلها ، لذا فهو يبتعد بنفسه خارج كل هذه الكيانات ، شخص علي هامش الحياة التي لا يجد له مكانا آدميا بها .
الإشارة إلي السياسي بالنص لا تأتي سوى عَرَضا ، ولا تتجاوز ثلاثة مواضع أو أربعة، وتأتي محملة بالسخرية السوداء ، فجميع شخوص الرواية ليسوا مسيسين ، لكن تقع عليهم إخفاقات الساسة بصورة أو أخري ، وكلُّ علي طريقته ، يؤثر عليهم فساد منظومة القيم والسلطات: اجتماعيا وسياسيا وثقافيا؛ فيتبدى العنف ملمحا جوهريا حتى في العلاقات الجنسية، الرواية هنا تنتقد الواقع دون مباشرة أو خطابية عبر السرد الخيالي.
هنا أود أن أطرح أحد أهم التساؤلات التي أرصد تجلياتها منذ سنوات ، هل يمر الأدب العربي والرواية علي الأخص بسلسلة من التحولات والتغيرات الفكرية والجمالية ، اللغوية والبنيوية ؟
عند تحليل المشهد الروائي يمكن أن أرصد لظواهر يتجلى أهمها: في تحولات الرؤية المعرفية والشعورية، في التقنيات السردية الجديدة للنص المتأثر بعوالم الإنترنت وفاعلياته المتنوعة، وغيرها من سمات.
يتنكر الروائي من خلال شخصية "أحمد وعلاء ونيفين"، لكل أشكال التراجيديات السابقة في الكتابة الروائية والدرامية التي تربينا علي أدبياتها ، بل يسخرون ويتندرون منها ، هذا التنكر والرفض الذي يشمل السياسي والاجتماعي بسلطاتهما الأبوية ، يتنكرون لسلطة الكتابي ، والموروث المعرفي ، والوجداني الفني أيضا ، يشير أحمد لتفسير علاء اللول للتراجيديات الموروثة مثل "روميو وجولييت" ، يقول في تفسيره لها :" إن جوز عيال هبل ممكن يوقعوا الكبار في بعض "، وفي تفسيره ل" الملك لير" يقول :"الحب وحش!" "الديكتاتور لازم يفضل ديكتاتور لو بطل ها يطلع دين أمه".
و يعرّج أحمد في القص علي تاريخ حياته ، فيأنف أن يتكلم عن يتمه وموت والدته وهو ما يزال رضيعا ، وتخلّي أبيه عنه ، بل يرفض أن يقص ما لو أنه حكاه لسود عشرات الصفحات يقول :" حدث جديا أن فكرت في ترك المنزل ، وحدث فعليا أن هاتفت أبي فحادثتني حبال صوتية لا أعرفها ولا تعرفني ، وتصادف أن تجدني الخالة في شوارع منزوية هاربا ، لكن سرد كل هذا يبدو وكأنه قصة مأساوية ميلودرامية وجان فالجان ستايل ..، وسأقول لك إن بعد السنتين ، لم يخيب الباشمهندس أملي وكان نذلا ، عندما ترك الخالة بسبب عقمها ." ، كأن الروائي يشكل سردا منزوعة منه أية عاطفة إلا نذرا ، أو ربما تبدو العواطف بطرق التعبير التقليدية عنها ، و التي تستدر عطفا ، أو مشاركة من الآخر ، رطانة لا جدوي من طرحها .
يتخير الروائي لسرديته أن تكون بضمير المتكلم ، فبطله هو من يحكي عن الحياة، كل الوقائع تحدث من خلاله، يشاهدها كأنه منفصل عنها بمسافة، يعيش وكأنه يعيش .
فيستخدم الكاتب لغة صادمة ، جملا قصيرة شبه تقريرية ، وتتأثر هذه اللغة بمفردات التواصل التي تعتمد علي الرسائل القصيرة ، المتفاوتة بين الإنفعالية والمتأملة، وعادة ما تبدو باردة سريعة ، شديدة التكثيف والاختزال ، وإن حُمِّلت بمشاعر حقيقية ، فهي لاهثة وتشبه الومضة التي لا يريد أن يتوقف عندها ، فقط عندما يتكلم عن خالته وجدته نسبيا ، نلمح بصيصا من مشاعر دافئة .







اخر الافلام

.. مراهقتان تسرقان مصرفاً في ولاية ماساتشوستس الأمريكية


.. غوتيريش يدعو إلى -تفادي العنف- في فنزويلا


.. مرآة الصحافة الأولى 2019/2/23




.. شاهد: ترميم آلاف من الجماجم والهياكل والعظام البشرية في مست


.. شاهد أفضل فيديوهات الأسبوع على يورونيوز