الحوار المتمدن - موبايل



الدماء

أماني فؤاد

2019 / 2 / 7
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


الدماء..!!
د. أماني فؤاد
حين تواجهك كفوف عديدة مرسومة بالدماء على ظهر سيارة ميكروباص وأنت في طريقك إلى عملك تتأذى صباحاتك، تتبدل موسيقاك إلى نشيجِ حزن، وتساءل ذاتك بحسرة: لِمَ لَم تزل الخرافة متضخمة في العقل الجمعي للشعوب العربية رغم أننا بعصر المعلومات والثورة التكنولوجية، لماذا هذا العنف والقبح، وتحكّم الضلالات والترهات في معتقدات الإنسان، لماذا يظل السحر والأساطير وطقوسهما يتمتعان بحضور مهيمن على العقل في ثقافتنا؟
وكما تطبع الدماء مسارا أسودت ملامحه على جدار العربة التي أمامي، وتدل على وحشية بدائية، تستدعي ذاكرتي مشاهد كثيرة لم تزل تتحكم بالثقافة العربية والمصرية ففيها لم يَجتث البشر من آفاقهم الذهنية إنسان مرحلة الأساطير بعاداته وتقاليده وطوطمه ومعارفه الرمزية، هذه الكفوف المغموسة في الدماء بقايا طقس قديم كان يصنعه الإنسان الأول حين يتغلب على الحيوان الذي يريد قتله في معركة صراعه على البقاء، علامة قرابين كانت تقدم للألهة أيضا لاسترضائها، هي ذات القرابين التي تطورت لفكرة الفداء في مرحلة الأديان، وبتقدم حركة التاريخ كان الاعتقاد أن هذه الأكف المغموسة في الدماء عاكسة للطاقة المنبعثة من عين الحسود، وكأنها ترتد لنحره.
لو حللنا هذا المشهد لوجدنا أننا لم نفارق الثقافة البدائية الملتصقة بالجلد، لم نتخفف من حمولاتنا الأسطورية الوحشية والقبيحة، فثقافتنا تعيد انتاج موروثها دون أن تفككه وتخضعه للعقل؛ نحن لا نقيم اعتبارا للتراكم المعرفي الذي انتجته الحضارة بعلومها الإنسانية والطبيعية، التراكم الذي يصنع التغيير النوعي فيرتقي بمفاهيم الإنسان عن الحياة، ويعقلن أسطوريتها ويبدل العنف والقبح بالفهم والتسامح والجمال، وأحسب أن استمرار تلك الظواهر نتيجة لوهم قداسة المعارف القديمة وعمق تغلغلها في الوجدان وواحديتها، لأننا لسنا منتجين للعلوم والفلسفات والأفكار بل مستهلكين فقط ولذا لا يترسخ فينا التغيير الذي يجب أن نصنعه بأيدينا ونمر بمراحله في الثقافة الجمعية، كما أننا لم نربَ على احترام منجز الآخرين والبناء فوقه، نهوى التوجس من غيرنا المختلف والتشكيك في أهدافه.
وربما يتساءل البعض ما الخطورة في هذا الجانب الخرافي في الوعي البشري؟ هذا الجانب على أقل تقدير يحيل الحدث والطريقة التي يجب أن نواجهه بها إلى قوى غيبية متعالية، ومفارقة لقدرات الإنسان على مواجهتها، ولذا يظل البشر مكتوفي الأيدي ومجمدي العقل تجاهها، يتقبلون فقط ما تصنعه بهم وهو ما يرسخ للجبر والتواكل، فلو أنك تابعت سلوك الجموع اليومي لوجدت أن هناك كم إعاقات تعرقل سهولة مسيرة حياتهم، فهناك الكثير والكثير من الاحترازات التي يخشونها ويتصورون أن هناك قوى خفية سواء لجن أو كائنات لعالم سفلي تشاركهم الفعل والأحداث وتعرقل ما يسعون إليه.
وربما يجدر بنا أن نطرح تساؤلاً آخر: لصالح من تظل الأكثرية من الشعوب العربية في متاهة تلك الثقافة التي تحكم قواعدها الخرافة والعنف؟ فلقد ظلت الدماء تلك المفردة الحمراء هي الأكثر هيمنة على الثقافة العربية حتى هذه اللحظة التي نعيشها، وما الحروب التي تدور معاركها في منطقتنا إلا تعبيرا سطحيا عن صراعات قديمة ظلت تعلن عن نفسها في بعض المظاهر مثل ممارسات الشيعة العنيفة في إحيائهم لذكرى مقتل الحسين، في نزعات العصبيات القبلية، فنحن لا نجيد حسم معاركنا الخلافية وقضايانا العقلية ولا نمتلك مهارة الحلول التفاوضية، حتى التصفيات الدموية يجريها هواه.
الدم الذي طبع حادث تصفية خاشقجي هو ذات الدم الذي يحول بين نظام دستوري ديمقراطي في الثقافة العربية ذات الصبغة الدينية الأصولية، هي أيضا ذات الدماء التي تراق يوميا في الاختلافات المذهبية والعرقية التي نشبت حروب المنطقة بسببها.
وظيفتنا تعرية التربة التي تغطي وتطمس جذور مشكلاتنا الراهنة، وهمومنا المزمنة التي لم نحسم لها رؤية طيلة قرن كامل، فصمتنا وتجاهلنا للجذور التاريخية "الثقافية ــ الاجتماعية" والهروب من المواجهات لأنها تمس بعض المعتقدات التي تأخذ صبغة القداسة لن تمكّننا من أن ننفض عن وجودنا تلك المعوقات اللاعقلانية والمنافية لأي إحداث تطور بالحضارة الإنسانية.







اخر الافلام

.. ميليشيا أسد الطائفية تستقدم تعزيزات عسكرية للسويداء - سوريا


.. قتلى مدنيون بقصف لميليشيا أسد على كفرنبودة وقرية الشريعة شما


.. ترامب وأردوغان يتفقان على التنسيق بشأن مناطق آمنة بسوريا




.. ميليشيا أسد الطائفية تستقدم تعزيزات عسكرية للسويداء - سوريا


.. سعوديتان مرتدتان عن الإسلام تعلقان في هونغ كونغ أثناء الهرب