الحوار المتمدن - موبايل



شيء من تاريخ اللون الاسود في العراق

ساطع هاشم

2019 / 2 / 8
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


ربما لا يوجد لون قد استعمل ليلعب دورا رجعيا في الحياة السياسية العالمية مثل اللون الأسود ورمزيته وخاصة عند الحركات المتطرفة والإرهابية منذ منتصف القرن التاسع عشر والى الان، وقد طغى هذا اللون بشكل مقرف على منطقة الشرق الأوسط خاصة منذ ان تمكن الإسلام السياسي من تدمير المدنية الناشئة وتجنيد القتلة وحيازة المبادرة السياسية في الخمسين سنة الاخيرة
وقبلهم كان مجرمي شباط الأسود بقمصانهم السوداء تقليدا للنازيين الالمان والفاشست الايطاليين، هكذا تعودنا ان نسمي هذا الشهر بالعراق، لارتباطه بكل ما هو دنيئ بالسياسة والعنف والإرهاب، وبالمجازر والمحن وموت آلاف الضحايا، ولِما يثيره من احزان وآلام في نفوس الناس، فقد ارتبط اسم هذا الشهر الملعون بإعدام الأحرار في الزمن الملكي وبقتل الجمهورية وقطارات الموت وبسجن الحرية التي مازالت سجينة وتعذيب البشر من قبل مجرمي الحرس القومي
واللون الأسود من اكثر الألوان تقديسا في حضارات الأجداد العظام من سومريين واكديين وبابليين وآشوريين وغيرهم، لكن الديانات الإبراهيمية الثلاثة اليهودية والمسيحية والإسلام هي التي حولته الى لون ملعون يرتبط بكل ما هو سيئ ودنيئ فهو عندهم لون الكفار والشياطين والوسواس الخناس والدمار ومن ستسوّد وجوههم يوم القيامة، وقد اخترع الابراهيميون هذه المزايا السيئة للون الأسود خلال حروبهم الدائمة ضد ديانات الاقدمين وعقائدهم ومعتقداتهم لتدميرها والقضاء عليها، وبسبب هذه المعتقدات الإبراهيمية فنحن نستعمل اللون الأسود اليوم ومنذ اكثر من ألفين سنة بهذا المعنى السلبي والسيئ.
وتم التركيز في تلك الحروب على اللون الأسود والنار حصرا، لان افكار الديانات القديمة السابقة كانت تقدس النار واللون الأسود وتعتبرهما رمزا للحياة الخالدة وديمومة الحياة، فواحدة من معاني الأسود انه يرمز الى لون رحم الأم المعتم الذي ينمو بداخله الجنين ثم يولد ليمنح الحياة حرارتها وخلودها، اما النار فلها معاني ورموز عديدة أبرزها كونها نقية وصافية لذلك اعتبرت منزلا لملائكة النور على الأرض، ولا يجوز تدنيسها بأي شيء مشين مثل وضع الكفار والشياطين وما شابه فيها، لهذا فقد كانت معبودة ومقدسة.
وكتجسيد عياني بصري لهذه العقائد والعبادات، فقد صنعت المئات من التماثيل بالحجر الأسود للملوك ومسلاتهم ورموزهم المهمة، مثل مسلة حمورابي الشهيرة وتماثيل كوديا ملك سلالة لكش والآلاف من التماثيل السوداء صغيرة الحجم التي كانت تدفن مع الموتى لتضمن لهم الخلود والمئات من الأختام الأسطوانية سوداء اللون التي استعملها الملوك وقادة الجيوش وأصحاب الأراضي والموارد.
وعندما أسس المسلمون الدولة العباسية بالعراق اتخذوا من العلم الأسود شعارا لهم وذلك بتأثير من الديانات المحلية العراقية القديمة الراسخة في عموم بلاد الرافدين، وكانوا مجبرين على التكيف معها، فلم يتمكنوا من القضاء عليها نهائيا ولا على رمزية اللون الأسود الخالدة كما فهمتها عقائد الاقدمين.
لذلك فهم مازالوا الى الان يقدسون الحجر الأسود كما كان يفعل قدماء أهل العراق ويغطون الكعبة بالقماش الأسود، وألاختلاف الوحيد هو انهم لبسوا ملابس الشيطان كما وصفتها لهم ديانتهم، يعني الملابس السوداء لون الأنذال والكفار والوسواس الخناس كما ذكرت لهم وعلمتهم كتبهم المنزلّة التوراة والإنجيل والقرآن.
عندما نشرت مقالتي – اللون الاسود في الديانة والسياسة – لأول مرة سنة 2010 , ارسلت الرابط الى الفنان والمناضل قاسم الساعدي الذي يقيم حاليا في هولندا، وبعد ان قرأها أرسل لي الشهادة المؤثرة التالية وانا انشرها بموافقته:

اثناء اعتقالي في قصر النهاية -1972- 1971-
وقد جمعتني احدى الزنازين مع معتقل آخر هو ضابط شرطة قومي مصلاوي الذي كان يمتلك نسخة من القران، وقد كنت استعيرها منه للقراءة في الوقت الذي لا يحتاجها، النسخة كانت مزودة بتفسير الجلالين (احدى تفسيرات القران) المهم استطعت قراءة (اختمه) القران عدة مرات وبواقع ان كان الكتاب الاوحد في تلك الزنزانة، فوجدت الكثير من الاشارات على سلبية اللون الاسود. في عام 1994 وفرت وقتا لقراءة العهد القديم والجديد، فوجدت ذات الكراهية للون الاسود ويوصف بانه عقاب ألهى، حيث يرد انه واثناء رحلة نوح البحرية الطويلة سكر ذات ليلة سكرة من العيار الثقيل، كان الطقس حينها حارا، ومع الحرارة التي يبعثها الشراب فلقد نام اخينا عاريا، في الصباح انتبه أحد ابناءه الى ذلك، فقام بتنبيه اخوته الى ذلك، الذين عمدوا جميعا الى تغطيته برداء دون النظر الى عريه. وعندما طارت السكرة اكتشف السيد النبي انه قد تمت تغطيته بعدما تذكر بانه كان قد نام عاريا، فاستدعى ابناءه وتحقق منهم عن الامر وعن من رآه اول مرة عاريا، فقيل حام، فلعنه لعنة شديدة وتوجه الى الله بطلب ان يسخم وجه حام عقابا له (؟!!) وان يجعل من ذريته عبيدا لابنا ء اخوانه، ومن ذلك جاء العرق الافريقي الاسود!!!! يعني خليط من استقباح اللون واعتباره عقوبة وتمييزا للدلالة على ضعة المستوى , تلك العقوبة التي وضعت لها الانتخابات الامريكية الاخيرة حدا بانتخاب رئيس اسود .
لكن بعضا من مفردات الثقافة العنصرية التي تتسلل من خلال التعليم والثقافة العامة ماتزال تؤثر على الكثيرين وحتى على اليساريين والعلمانيين والشيوعيين العرب بخاصة حينما ينعتون اللون الاسود تماما كما يستخدمه اعداءهم , ويزيدون على ذلك باحتقار للون آخر وهو اللون الاصفر , وهو لون مقدس عند شعوب شرق اسيا وعلى الاقل الصين (وهي بملايينها لوحدها كافية) التي يسمى جنسها بالأصقر , بينما يستخدم لدينا رمزا للخبث وسوء الطوية

هذه بعض انتعاشه لونية سببتها مقالتك الجميلة







اخر الافلام

.. ميليشيا أسد الطائفية تستقدم تعزيزات عسكرية للسويداء - سوريا


.. قتلى مدنيون بقصف لميليشيا أسد على كفرنبودة وقرية الشريعة شما


.. ترامب وأردوغان يتفقان على التنسيق بشأن مناطق آمنة بسوريا




.. ميليشيا أسد الطائفية تستقدم تعزيزات عسكرية للسويداء - سوريا


.. سعوديتان مرتدتان عن الإسلام تعلقان في هونغ كونغ أثناء الهرب