الحوار المتمدن - موبايل



الحقيقة فن استنتاج المعاني

حسن عجمي

2019 / 2 / 8
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


يوحِّد تحليل الحقيقة على أنها فن استنتاج المعاني بين المذاهب الفلسفية المتصارعة فيحلّ الخلاف فيما بينها ما يجعله تحليلاً ناجحاً فيدعم مقبوليته و يدلّ على صدقه بالإضافة إلى امتلاكه فضائل معرفية أخرى كقدرته التفسيرية الناجحة التي تربط بين وجود حقائق الكون و لزومية وجود العقل و الحياة.

تتعدد الأمثلة على أنَّ الحقيقة فن استنتاج المعاني. فمثلاً , الكون كحقيقة مكّننا من استنتاج معانٍ عديدة حياله منها معنى أنه يتكوّن من ذرات و جُسيمات مادية (كالإلكترونات) و تفاعلاتها و معنى أنه أيضاً يتكوّن من معلومات مجرّدة (بدلاً من مادة) و تبادل لتلك المعلومات و منها معنى أنه بناءات و معادلات رياضية مجرّدة. و كل هذه المعاني قد عَبَّرَت عنها نظريات علمية مختلفة. هكذا الكون ذاته كحقيقة واقعية في الوجود يؤدي إلى استنتاج معان ٍ متعددة و متنوّعة حيال ما هو و مما يتكوّن. و بذلك الحقائق فنون استنتاج المعاني. فلو لا حقائق الكون ما تمكّن العلماء من استنتاج معاني أنَّ الكون مادي و أنه معلومات و أنه بناءات رياضية. لذلك الحقائق ليست سوى فنون استنتاج المعاني.

مثل آخر هو أنَّ الشجرة الحية تستدعي استنتاج أنها حية بينما الشجرة الميتة تستدعي استنتاج أنها ميتة. من هنا حقيقة أنها شجرة حية هي فن استنتاج معنى كونها حية و إلا ما تمكّنا من استنتاج ذلك بينما حقيقة أنها شجرة ميتة هي فن استنتاج معنى أنها ميتة و إلا ما نجحنا في استنتاج ذلك بدلاً من استنتاج نتيجة أخرى من بين الاستنتاجات الممكنة اللامتناهية المتاحة أمام العقل البشري. هكذا الحقائق هي الأسس التي على ضوئها نستنتج المعاني ما يحتِّم أنَّ الحقائق فنون استنتاج المعاني.

إن كانت الحقيقة فن استنتاج المعاني فحينئذٍ لا توجد حقائق بلا استنتاج معانيها ما يتضمن ضرورة وجود حياة فعقل يقوم باستنتاج المعاني في حال وجود الحقائق. و بذلك الحقائق تستلزم وجود الحياة فالعقل و إلا ما وُجِدَت الحقائق أصلاً. من هنا نشأت الحياة و نشأ العقل من جراء وجود حقائق الكون فالحياة موجودة و العقل موجود لأنَّ من دونهما لا توجد حقائق الكون تماماً كما أنَّ بلا حقائق الكون لا يوجد عقل و لا توجد حياة. هكذا يفسِّر تحليل الحقيقة على أنها فن استنتاج المعاني لماذا يوجد العقل و توجد الحياة فالعقل موجود و الحياة موجودة لأنَّ من دونهما لا توجد الحقائق من جراء أنَّ الحقائق فنون استنتاج المعاني التي تستلزم وجود عقول فحياة.

بالإضافة إلى ذلك , بما أنَّ الحقيقة فن استنتاج المعاني , إذن الحقائق تؤسِّس لبناء المعرفة على ضوء استنتاج هذه أو تلك المعاني. لكن المعرفة هي المطابقة للواقع أي هي المعبِّرة عن الواقع. بذلك الحقيقة تؤسِّس لتطابق مضامين معتقداتنا مع الواقع و بهذا الحقيقة هي المطابقة للواقع أي المطابقة لِما يوجد في الواقع. هكذا يتضمن تحليل الحقيقة على أنها فن استنتاج المعاني أنَّ الحقيقة هي المطابقة للواقع تماماً كما يؤكِّد المذهب الواقعي في تحليل الحقيقة. من جهة أخرى , بما أنَّ الحقائق فنون استنتاج المعاني , و علماً بأنَّ استنتاج المعاني يؤسِّس للمعرفة و المعرفة لا بدّ من أنها تتصف بالانسجام (أي بعدم التناقض في مضامين ما نستنتج فنعتقد) و إلا لا تكون معرفة حقاً, إذن الحقائق هي التي تنسجم فيما بينها تماماً كما يقول اتجاه من اتجاهات المذهب اللاواقعي (ليس بالمعنى السلبي) الذي يعرِّف الحقيقة من خلال الانسجام. هكذا أيضاً يتضمن تحليل الحقيقة على أنها فن استنتاج المعاني هذا المذهب الفلسفي اللاواقعي.

كما علماً بأنَّ الحقيقة فن استنتاج المعاني , و الاستنتاج برهنة , إذن الحقيقة هي المعتمدة على البرهنة الفكرية تماماً كما يصرّ مذهب آخر من مذاهب اللاواقعية في تحليل الحقيقة الذي يعرِّف الحقيقة من خلال البرهنة عليها. و إن كانت الحقيقة فن استنتاج المعاني , و علماً بأنَّ استنتاج المعاني مفيد إما عملياً و إما نظرياً , إذن الحقيقة هي المفيدة كما يقول مذهب آخر من مذاهب اللاواقعية الذي يحلِّل الحقيقة على أنها المفيدة. كل هذا يرينا أنَّ تحليل الحقيقة على أنها فن استنتاج المعاني يتضمن النظريات الفلسفية الأخرى المتنافسة حول تحليل الحقيقة (كالنظريات المختلفة الواردة سابقاً) و بذلك يوحِّد فيما بينها فيحلّ الخلاف الفلسفي القائم فيما بينها فيكتسب هذه الفضيلة الكبرى التي تدلّ على مقبوليته و صدقه.

إن كانت الحقائق فنون استنتاج المعاني , إذن لا توجد الحقائق بلا وجود معان ٍ و بذلك الحقائق معتمدة في وجودها و تشكّلها على المعاني. من هنا المعاني هي الجواهر الأساسية التي بفضلها يوجد أي وجود و توجد أية ماهية أو صفة. هكذا المعنى يؤسِّس للوجود و الماهية. فالأولوية تكمن في المعاني و لا تكمن في الوجود أو الماهية. بمعنى آخر , لا يوجد الوجود أولاً و من ثم على ضوئه توجد و تتشكّل الماهيات ثانياً كما لا توجد الماهيات أولاً و من ثم على ضوئها يوجد و يتشكّل الوجود و موجوداته ثانياً. بل المعاني هي التي توجد أولاً و من ثم ثانياً يوجد و يتكوّن الوجود و توجد و تتكوّن الماهيات. هذا لأنَّ المعاني أصل الوجود و الماهيات.

مثل ذلك هو أنه في حال عدم وجود معنى لمفهوم الجاذبية فحينئذٍ لن توجد الجاذبية و لا ماهيتها الكامنة في كونها انحناء الزمكان (كما ورد ذلك في نظرية النسبية لأينشتاين). هذا لأنه إن كان مفهوم الجاذبية بلا معنى فحينها أي اعتقاد يتضمنه أو يذكره هو اعتقاد كاذب (لفقدان مفهوم الجاذبية لمعنى) ما يدلّ على عدم مطابقته لأية ظاهرة واقعية فيشير بصدق إلى عدم وجود الجاذبية فعدم وجود ماهية لها. و هذا متوقع لأنَّ المفاهيم الخالية من معان ٍ لا تشير إلى وقائع موجودة في الكون ما يبرهن على لزومية وجود المعاني أولاً و اعتماد الوقائع على المعاني ما يجعل المعاني أصل وجود أي موجود.

إن كانت الحقيقة فن استنتاج المعاني فحينئذٍ المعاني و استنتاجاتها تُشكِّل الحقائق. لكن الوجود و موجوداته كما الماهيات و الصفات هي حقائق. بذلك المعاني تُشكِّل الوجود و موجوداته كما تُشكِّل الماهيات و الصفات ما يشير بقوة إلى أنَّ المعاني هي الجواهر الأصلية لكل موجود و ماهية و صفة.







اخر الافلام

.. مؤتمر ميونخ.. أولوية الأمن والتباين الأميركي - الأوروبي


.. العراق.. خلافات الوجود الأميركي والحسابات الداخلية


.. أكراد سوريا.. تحذير فرنسي وتهديد تركي وانسحاب أميركي




.. اليمن.. جولات غرفيث وملامح الاتفاق


.. إسرائيل وإيران.. حرب الخطابات وسلام الجبهات