الحوار المتمدن - موبايل



البحث عن عقلانية إنسانية عربية

ميثم الجنابي

2019 / 2 / 9
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


إن حقيقة العقلانية تقوم في تحكيم العقل في كل شيء بوصفه أسلوبا شاملا للعلم والعمل. بمعنى جوهريته في البحث عن علل الأشياء وتقديم الحلول. وهو الأمر الذي يجعل من العقلانية شرطا أوليا للنزعة الإنسانية ومساعي الحرية. ومع أن العقلانية ليست الملجأ الوحيد للنزعة الإنسانية، لكنها الشرط الذي لابد منه لكل نزعة إنسانية فاعلة في بنية الدولة والمجتمع والنظام السياسي والثقافة. وهي الحقيقة التي يبرهن عليها تاريخ البشرية عموما وتجارب الأمم والحضارات القديمة والمعاصرة. وهي تجارب تتنوع من حيث الشكل والمضمون، لكنها تصب في بحر الحقيقة القائلة، بان حقيقة العقلانية بوصفها مصدر النزعة الإنسانية والتقدم والارتقاء تفترض جوهرية العقل وحاكميته الشاملة في كل ما له صلة بوجود الإنسان. وقد تختلف المواقف والتفسيرات والأحكام بصدد ماهية العقل والعقلانية، بوصفها مظاهر لتنوع تجارب الأفراد والجماعات والأمم، لكنها تنحو صوب قواعد المنطق واللغة إلى صرف جهودها الحية من اجل ترتيب العبارة والعمارة بنسق يوحد الخيال والرؤية الواقعية في فرضيات قابلة للبرهنة. فالعقلانية هي أولا وقبل كل شيء القدرة الفعلية للبرهنة على الفرضيات العقلية بوصفها مشاريع البدائل الإنسانية.
إن هذه الرؤية تفسح المجال أمام إمكانية الإقرار بالتنوع وإلزامه في الوقت نفسه بالمساهمة الواقعية في شحذ هموم المعرفة والعقل والضمير بالشكل الذي يجعل من الإنسان مصدر الإبداع وغايته الفعلية. وغياب هذه الرؤية هو سر الخلل الذي لازم التاريخ العربي الحديث. أما نتيجته فتبدو جلية للغاية في انعدام الاستقرار وضعف التطور وتزايد الفجوة الهائلة بين إمكاناته الفعلية وتجسيدها الواقعي. وهي فجوة ترتقي إلى مصاف الهوة السحيقة بين تاريخ عريق عالمي المحتوى ومعاصرة لا حداثة فيها! وهو تناقض يعكس أولا وقبل كل شيء ضعف أو انعدام منظومة عقلانية تحكم وجوده في ميدان الدولة والنظام السياسي والثقافة والقومية. بمعنى إننا نقف أمام موازاة باردة بين "تاريخ عربي" و"تاريخ عالمي" اقرب ما يكون إلى موازاة الزمن بالتاريخ. وقد يكون من المجحف نسبيا القول، بان العالم العربي مازال يحيا بمعايير القرن الخامس عشر (الهجري) ويعيش بظروف القرن العشرين (الميلادي)، لان في ذلك تبسيطا للواقع ومجافاة لمعنى التاريخ وواقعية تأثيره في ظل العولمة الحالية. لكننا نقف أمام فجوة قد يصعب حدها بمقاييس الزمن لكنها جلية بمعاير التاريخ وقيمه. ولعل فكرة العقلانية من بين أشدها أثرا وتأثيرا في تعميق وتوسيع الفجوة والهوة المشار إليهما أعلاه.
وقد شكلت تجارب القرن العشرين المتنوعة في العالم العربي على امتداد مكوناته الجغرافية والسياسية والثقافية اجترارا للزمن فيما يتعلق بتأسيس وتحقيق الفكرة العقلانية. وهي النتيجة التي يمكن تلمسها في واقع المفارقة القائمة، في ابتداء القرن العشرين بالدعوة للعقل وانتهاءه بنقد العقل وصعود اللاعقلانية. وليس تنوع الأصوليات الدينية الهمجية والدكتاتوريات "الزاهية" و"اليسار" المائع والليبرالية السوقية سوى احد مظاهرها السياسية الكبرى. وما وراء ذلك كميات وطبقات متراكمة من الانحطاط الثقافي والمعرفي والروحي.
إننا نعثر في الحالة المشار إليها أعلاه على حلقة مفرغة من الزمن، وانعدام وضوح في الرؤية، وتأزم في طبيعة وحجم الإشكاليات الكبرى التي واجهها العالم العربي على امتداد القرن العشرين. وهي نتيجة تكشف فيما يتعلق بالعقلانية من أن العالم العربي لم يؤسس لمدارسه الخاصة بهذا الصدد. وبالتالي لم تستطع العقلانية العربية أن تؤسس لذاتها. ففي ماهيتها هي عقلانية المجهول، وفي مكوناتها هي عقلانية التجزئة والجزئية، وفي إمكاناتها لم تتجاوز بعد هموم مثقفيها وحاملي لوائها. بمعنى أنها لم تتحول إلى منظومة ذائبة في مسار التاريخ الفعلي للدولة والمجتمع والثقافة، أي أنها لم تحصل على تأصيل منهجي وتحقيق اجتماعي وسياسي على مستوى الدولة والقومية والثقافة. وبالتالي لم تستطع بناء نفسها في منظومة أو منظومات لها دورها الجوهري في بناء وعي الذات القومي والثقافي. بحيث أدى ذلك إلى أن تتحول الكثير من العناصر العقلانية المأخوذة من مختلف مدارس الفكر الفلسفي القديم والحديث إلى عناصر لاعقلانية، أو يجري الانقلاب عليها مع مرور الزمن بما في ذلك عند اشد الشخصيات راديكالية وتطرفا في البدء. والسبب يقوم في أن الأفكار العقلانية لم تكن في الأغلب نتاج معاناة ذاتية للأمة والدولة والثقافة من جهة، كما أنها لم تتجسد في مؤسسات قادرة على إعادة إنتاج الوعي الاجتماعي العقلاني. أما النتيجة فهي تعميم الفوضى وتسطيح الوعي وابتذال الثقافة وبؤس التفكير وتفاهة الهموم. وهي نتيجة لم يكن بإمكانها أن تصنع هموما مشتركة كبرى مبنية على أساس منظومة من المرجعيات المافوق شخصية وحزبية وجهوية وغيرها من المكونات والمستويات الجزئية.
كل ذلك يجعل من نقد تاريخ العقلانية العربية وإعادة تأسيسها قضية غاية في الأهمية، وذلك لأنها فكرة المستقبل! وهي مهمة تفترض نقد تاريخ ونماذج العقلانية النقدية العربية وتقاليدها في ميادين الفكر النظري والعملي. وذلك لان مضمون العقلانية النقدية العربية الحديثة لم يتعد في الواقع أكثر من ردود الفعل الوجدانية المتلفعة بمقولات العقل النقدي. أما مراحل تغيرها وتبدلها فقد كانت مرتبطة بذيل الأحداث وليس استباقها. من هنا لم تكن تصوراتها وأحكامها أكثر من تتبع "لتاريخ" الهزائم والنكسات، والانكسار والانحسار! مما حدد بدوره طابعها الوجداني والجزئي. ومن ثم فقدانها لفكرة النظام والروح البناءة. وهي الصفة السائدة في كل تياراتها. والسبب الأساسي لذلك يقوم في أنها عقلانيات "تقليدية"، أي مقلدة. مما افقدها السمة الجوهرية للعقلانية بوصفها معاناة فعلية بمعايير ومقاييس التاريخ القومي والثقافي لحل الإشكاليات الواقعية التي تقف أمام الدولة والمجتمع والثقافة. بينما هو الأسلوب الوحيد لتهذيب وتشذيب الفكر والتفكر والمقولات والمفاهيم والقيم. ومن ثم إمكانية تأصيلها في الوعي الثقافي.
فالعقلانية هي الوحدة المعقولة للمنطق والتاريخ. وهي الوحدة التي نعثر عليها في جميع أشكال العقلانيات على امتداد تاريخ الفكر الإنساني. إذ يمكننا على سبيل المثال رؤية السمة العلمية الباردة للعقلانية الانجليزية (النفعية)، والسمة السياسية الأدبية للعقلانية الفرنسية (الراديكالية)، وسمة الإرادة والعقل الفعال (وعي الذات وفكرة المطلق) في العقلانية الألمانية، والسمة الراديكالية الرومانسية (الأخلاقية) في العقلانية الروسية، والسمة الوضعية النفعية في العقلانية الأمريكية. وهي سمات متراكمة من خلال وحدة التاريخ والمنطق الملازمة لحل إشكاليات الوجود الطبيعي والمارواطبيعي للدولة والأمة والثقافة.
بينما يصعب الحديث عن سمة محددة للعقلانية العربية. والسبب غاية في الجلاء! إذ لا وجود لها! الأمر الذي يعني غياب أو انفصام وحدة التاريخ والمنطق في العالم العربي الحديث. وحالما يجري الفصل بين الاثنين، فان الفكر والتفكر عادة ما ينحصر بقيم المواجهة والتحدي وليس بمقولات ومفاهيم التأصيل النظري. وهي حالة لا تصنع غير بؤس الثقافة وثقافة البؤس!
كل ذلك يجعل من مهمة تأسيس العقلانية العربية البديلة أمرا مرتبطا بمدى تحقيق أبعادها الثقافية. بمعنى أن تكون العقلانية العربية فلسفة مؤسسة بمعايير الوحدة العقلية والإنسانية للماضي والحاضر. وتعمل بمعايير المستقبل فقط. بمعنى دفع فكرة الحرية إلى نهايتها بوصفها أسلوب الوجود الحقيقي للإنسان والمجتمع والدولة والأمة.
***








اخر الافلام

.. مؤتمر ميونخ.. أولوية الأمن والتباين الأميركي - الأوروبي


.. العراق.. خلافات الوجود الأميركي والحسابات الداخلية


.. أكراد سوريا.. تحذير فرنسي وتهديد تركي وانسحاب أميركي




.. اليمن.. جولات غرفيث وملامح الاتفاق


.. إسرائيل وإيران.. حرب الخطابات وسلام الجبهات