الحوار المتمدن - موبايل



المثقف الكبير التزام روحي دائم

ميثم الجنابي

2019 / 2 / 11
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


إذا كان الروح الفعلي للمثقف لا يجد طريق إلى إبداعه دون استرقاق السمع إليه في كل مكونات الوجود، فان قشور الوعي الثقافي هي العيش على فتات العابر. وهو الفرق بين الإلهام والالتهام. وهو خلاف واختلاف لا ينتهي. ولكل منهما معاييره وغايته. كما أن لكل منهما مظاهره وشخصياته. فإبداع الأبد هو وداعة الملاك. وما هو على خلافه وديعة الشيطان! والشيطان أيضا ملاك، لكنه تائه! وهي الصورة الرمزية التي أكثر من يمثلها في تاريخ الثقافة المعاصرة مثقفو الأحزاب والسلطات والمال، أي صنيعة الزمن الميت والالتهام البهيمي. وهو خلاف واختلاف لكل منهما تقاليده الخاصة في حضارات الأمم.
فعندما نتأمل تاريخ الوجود الإنساني بمعايير تلازم وتناقض الخير والشر، والفضيلة والرذيلة، فإننا سوف نقف أمام صورة يصعب حدها بمقاييس أية مدرسة فكرية أو فنية. وهو أمر يشير إلى تعقيد هذه الثنائية المقلقة للعقل والوجدان. مما جعل منها على امتداد التاريخ الإنساني إشكالية ترافق وجود الإنسان من أول صرخة يطلقها في الوجود إلى آخر واحدة يرافقه بها الأهل والأقارب والجيران والأصدقاء والأعداء. بل أن الوعي الإنساني قد رفعها في محاولاته تحديد المعنى الجلي والمستتر في وجوده وأفعاله إلى مصاف البداية الأزلية. وهي صيغة عصية على المنطق، لكنها معقولة برغبته في تفسير ما يكمن في أعمق أعماق نزواته المتكسرة في إرادة ما يريد، وما يعانيه من نفي منطقي أو أخلاقي لما يعتقده فضيلة تسمو على ما في طبيعته.
وفي كلتا الحالتين لم يفلح في التوصل إلا إلى مفاهيم جلية بمعايير اللغة، عصية بمعايير المنطق والمطلق، كما وضعها في مفاهيم الطبيعة والفطرة. بحيث لصق بالأولى ما يقترن بالغريزة، وبالثانية ما ينأى عنها في سمائها. بمعنى انه حول الطبيعة "الأرضية" إلى فطرة "سماوية". وفيما بينهما حاول السباحة في عالم تتصارع فيه قوى الخير والشر، والفضيلة والرذيلة. وهو الأمر الذي جعل من وجود الإنسان دراما معنوية اشد تعقيدا على الوصف والتحديد من دراما الوجود مع أنها حياتنا. وفي هذا كانت وما تزال وسوف تبقى فيما يبدو إشكالاتها ما بقي الإنسان يولد باكيا وأهله يتضاحكون!
وهي المفارقة التي جرى رفعها إلى مصاف الصراع الأزلي، وذلك لأنها كانت تحمل في جيناتها الوجودية ما دعته ثقافة الإسلام بوحدة عوالم الملك والملكوت والجبروت، أي الطبيعة وما وراء الطبيعة والإرادة الإنسانية. رغم أن القضية تبدو واضحة وجلية للعيان عندما ننظر إليها بعين الحقيقة. والمقصود بذلك عندما ننظر إلى وجود الإنسان على انه وجدان ما يعانيه بين بداية جلية ونهاية اشد جلاء. فالحياة الإنسانية محكومة بالولادة والفناء، وما بينهما لا شيء غير جبروت الإرادة في تحدى كل ما يعترض مساعيها من اجل بلوغ ما يعتقد الإنسان والجماعة والأمة المثل الأعلى والغاية المرجوة والسعادة المثلى. وفي هذا يكمن سر تحول الحياة إلى دراما مع أن بدايتها ونهايتها جلية. وذلك لان بداية الوجود الإنساني ونهايته ترتقيان إلى مصاف اليقين. وما بينهما فقط يمكنه أن يكون "سر الأسرار" الذي اقلق الوعي الإنساني وما زال يشغله في محاولاته بلوغ اليقين. وهو يقين لا يخلو من القلق.
عندما ننظر إلى مختلف نماذج الإبداع الإنساني في الأساطير والأديان والفلسفات والآداب والفنون، فإننا نستطيع رؤية القلق الدفين في محاولاتهم تثبيت اليقين. وليس هذا القلق في الواقع سوى "ملاك الإنسان الضائع" في محاولاته بلوغ الهدوء والسعادة بين مكونات لا تثير في حركتها غير القلق. بمعنى أننا نستطيع أن نرى في ذلك محاولات الإنسان تحرير نفسه من ثقل الرذيلة الكامنة فيه. وهي رذيلة تحكمها "غريزة بلا حدود". من هنا الرغبة المتشددة في معاندتها! ومن صراعهما تبلورت فكرة الأخلاق والحدود بوصفها القوى الروحية والسماوية ضد قوى الطبيعة الأرضية. وهو صراع أرّق الإنسان دون أن يسلّمه لداء الإعياء. فقد كان السؤال المقلق والجوهري لمعنى وجوده يتعاظم مع كل هزيمة للجسد، بوصفه موطن الغريزة. ومع كل تعاظم له كانت تتعاظم فكرة السمو، والمتسامي، والروحي، والروحاني. ومع كل تراكم في وعي الذات تتحول القوة الشيطانية التي جرى انتزاعها من النفس وإخراجها إلى أنواع مختلفة من شياطين الجنس والأنس إلى عالم الروح الباطني. وهو التحول الذي بلغ ذروته في صعود واستتباب فكرة "شيطان النفس" ووسواسه للفؤاد وتلبيساته للعقل. ولا يعني ذلك فيما لو جرى التعبير عنها بمنطق التأويل الفلسفي المتسامي، سوى أن الإنسان يدرك مع كل رقي مادي وروحي في صيرورته التاريخية وكينونته الثقافية، بان حقيقة الشيطان هي لعبة الوجود الأبدية والقلق المرافق لرؤية صراع الخير والشر فيها.
وهي الحالة المادية والمعنوية التي أنتجت معنى الشيطان وصورته بصورة قد تكون هي الأوسع والأدق والأعمق مقارنة بنقيضها. وليس مصادفة أن نعثر على تسميات و"نماذج شيطانية" تفوق في كميتها ونوعيتها "النماذج الملائكية". بل حتى في القرآن نعثر على 94 مرة يتكرر فيها اسم الشيطان بينما يبلغ عدد المرات التي يتكرر فيها اسم الملائكة 73 مرة. وهي نسبة يمكننا العثور عليها في الأدب والفن وقصص الأطفال وأحاديث العجائز وحكايات الشعوب وأعمال الفلاسفة وأقوال الحكماء. وهو واقع يشير إلى طبيعة القلق المتناغم مع رغبة الخروج من مأزق الوجود المعنوي الذي يحاصر الإنسان ظاهرا وباطنا على مستوى الحياة الفردية والاجتماعية. كل ذلك يعطي لنا إمكانية القول، بان الشيطان هو المرافق الخفي لسر الأسرار، أي لدراما الحياة المتذبذبة بين يقينين. وفي هذا يكمن أيضا سر "اختياره" مبدأ الدراما التاريخية ونهايتها للإنسان. وفي هذا أيضا يكمن مصدر الصراع التاريخي في التفسير والتأويل والمواقف والمساعي تجاه القوة التي تتحدى الإنسان وتنبع منه بقدر واحد.
فعندما ننظر إلى تاريخ الأساطير ونوعية "الشيطان" فيها، فإننا سوف نقف أمام صور متنوعة ومختلفة ومتباينة من حيث تقييمها لدوره وموقعه ووظيفته وأثره بالنسبة لحياة الإنسان، إلا أنها تشترك جميعا في الإقرار الخفي بدوره في إشكالية القضاء والقدر. وهو الأمر الذي يعطي لنا إمكانية القول، بان الشيطان يبرز في أساطير الأمم، بوصفه القوة الفعالة في كينونته الوجودية. وفي هذا يكمن طابعه الخاص بوصفه قوة وجودية في أساطيرها. في حين توحدت وتشابهت صورته ونموذجه في الأديان من خلال تحويل قوته الوجودية إلى وجود مؤثر بالنسبة لمصير الإنسان. وهي استعادة ونفي لما في تاريخ القلق الإنساني العميق في محاولاته تحدي النقص الدائم في الوجود البشري.
فالقلق من القلق! وهي الدورة التي تصنع شياطينها وملائكتها. وهي فكرة عقلانية نعثر على صيغتها الدينية وصورتها النموذجية في الرؤية الإسلامية التي جعلت من الشيطان نموذج التحدي العنيد والاستكبار المحكوم بغيرة أبدية ليست بذاتها سوى أحد عناصر الوجود. فعندما يعتدّ إبليس بناره، فانه يكون بذلك قد جهل بان قيمته ليست بذاته بل في وحدة مكونات الوجود الأخرى. وهي فكرة عانت منها عقلية الفلسفة الأولى عندما جعلت من عناصر الماء والهواء والتراب والنار كل لحاله مبدأ الوجود. لكنها إذا كانت تحتوي حينذاك على أبعاد منهجية مهمتها تفسير الوجود، فان رفع أي منها إلى مصاف القيمة الذاتية سوف يجعل منها بالضرورة قوة تكسر الوجود. وليس استعلاء النار على التراب كما هو الحال في الرؤية الإسلامية سوى الصيغة المعبرة عما يمكن دعوته بغواية الدراية الناقصة، أي ضعف العقل عن إدراك الأبعاد الكبرى في وحدة مكونات الوجود. بينما إدراكها يشكل مضمون المعرفة الحقيقية. وهي المعرفة التي تصنع من التراب والنار مختلف نماذج الفخار والحجار، بمعنى قدرتها واستعدادها على صنع فخار الرونق وافتخار النفس الغضبية، وكذلك حجارة القبور والقصور. وهي مفارقة مقلقة للعقل والضمير رفعتها الأديان من حضيض الوجود الخشن إلى عالم الأخلاق المتسامي، بوصفه الأسلوب الروحي للتمسك بعروة اليقين. ومن ثم لم يكن ظهور الشيطان وتحديه السافر لمبدأ الخليقة سوى الوجه الآخر لرغبة الخليقة في أن تكون مطيعة وأمينة لحقائق المطلق. وفي هذا يكمن سر التضاد الهائل والتعايش القلق بين مكونين متعارضين ومتضادين ومتلازمين في نفس الوقت. وهي الصورة التي رفعها الإسلام إلى مصاف الرؤية الأزلية – الأبدية، أي الملازمة لوجود الإنسان بين عوالم الملك والملكوت والجبروت. إذ تحول الشيطان في الرؤية الإسلامية إلى نموذج التحدي العنيد والعمل المدرك للإغواء والإغراء والرذيلة، أي القوة التي تشكل مصدر الامتحان الأخلاقي للبشر. وهي الصيغة التي تمثلت مضمون التراكم الثقافي لقوة وفاعلية الإغواء والإغراء والرذيلة في المصير الروحي للفرد والجماعة والأمة والحضارة. وهو السبب الذي جعل من "الشيطان" مصدر الغواية والإرادة الخادعة والاعتداد بالنفس والاستكبار والضغينة والنميمة والكذب والخداع والغش وغيرها من أصناف الرذيلة.
وعندما نتأمل تاريخ الأمم والثقافات وتجارب صعودها وهبوطها، ارتقاءها وانحطاطها فإننا نقف دوما أمام حقيقة مستترة يقوم فحواها في طبيعة الصراع بين "شياطينها" و"ملائكتها". ومهما كانت النتيجة، فان هذه التجارب تكشف عن أن "للشيطان" مظاهر و"مآثر" على قدر ما في الثقافة من دراما الغواية والدراية. بمعنى أن الصراع العلني والمستتر في تاريخ الأمم والثقافات عادة ما يضعهما أمام إشكاليات المعرفة ونوعية التمسك باستنتاجاتها. وليس مصادفة أن تتوصل الثقافة الإسلامية على لسان الشيخ الجنيد بالقول، بان من ليس له أستاذ فأستاذه الشيطان. وهي عبارة تكشف عن حجم المعاناة الكبرى للثقافة تجاه قضايا التلبيس والشبهات والقلاقل والفتنة المحتملة في العقل والضمير والوجود الاجتماعي للبشر ومواقفهم العملية من كل ما يشكل بالنسبة لهم قيمة كبرى. فهي العبارة التي كثفت في أعماقها إشكالية التراكم الثقافي وتربية الإرادة بالشكل الذي يحررهما من غواية الارتماء وراء كل عابر طريق أو تقليد أجوف.
***







اخر الافلام

.. -أنا شاب مصري، أريد أن أفهم، ما هدف التعديلات الدستورية الآن


.. هذا ما يتوق إليه الشباب الفلسطيني


.. صفقات ضخمة خلال يومين في -أيدكس- و-نافدكس-




.. نشرة الثامنة- نشرتكم 2019/2/18


.. ظريف: خطر نشوب حرب بالمنطقة بات كبيرا - تعليق برهوم جولان