الحوار المتمدن - موبايل



ظاهرة الإلحاد بين الحوار الفلسفى والإرهاب الدينى

سليم صفي الدين

2019 / 2 / 12
حقوق الانسان


فى الوقت الذى تتجهز فيه الدولة لتعديلات دستورية خطيرة -سواء تم تمريرها أو لم يتم، لن يكون ما قبلها كما بعدها فى كل الأحوال بالتأكيد- يظهر الإعلامى عمرو أديب مع ثلاثة ضيوف ليناقشوا "ظاهرة الإلحاد" فى مصر، كأن أديب تفاجأ بأن مصر بها ملحدون، فقرر مناقشة الأمر حتى تتسنى مواجهة هذه الظاهرة التى تمثل خطرًا على مصر، بحسب فهم السيد الإعلامى.

جاء فى الحلقة ضيوف ثلاثة، الدكتور عبدالناصر عمر، أستاذ الطب النفسى بجامعة عين شمس، والدكتور أحمد سالم، أستاذ الفلسفة بآداب طنطا، والدكتور سعد الدين الهلالى، أستاذ الفقة المقارن بجامعة الأزهر. ولأننا نعيش فى عصر متطور علميا وتكنولوجيّا أصبح العالم فيه قرية صغيرة، كان المتوقع أن يكون النقاش مثمرا، وأن تخرج الحلقة بحجم أساتذة كبار كهؤلاء، لكن -ومع الأسف- يظل الطب النفسى فى مصر مقرونا بالشفاء الروحى، ويظل رجل الدين مهما توسمت فيه الاستنارة فى النهاية صاحب فكر دوجمائى لا يتخطى موضع قدمه، وتظل الفلسفة ورجالاتها الملاذ الأول والأخير لشباب ضل موطنه وعاش الواقع فى اغتراب مر.

كتب الأستاذ دندراوى الهوارى فى مقالة نشرتها له جريدة اليوم السابع، فى يناير/كانون الثانى 2018، أن جهات معنية –بحسب تعبيره- تقدر عدد الملحدين فى مصر بما لا يقل عن 5 ملايين ملحد، معظمهم فى الفئة العمرية من 20 إلى 25 عاما. وفى تقرير لصحيفة "الصباح" الكويتية، نشر فى نوفمبر/تشرين الثانى 2013، جاء أن عدد الملحدين يصل إلى 3 ملايين شخص من بين 84 مليونا؛ لتعترف دار الإفتاء أخيرًا بوجود ملحدين فى مصر، ولكن تقول إن عددهم 866 شخصا فقط لا غير، وذلك نهاية عام 2014!

وكانت مؤسسة "بورسن مارستلير" بنيويورك، كشفت أن نسبة الملحدين في مصر وصلت إلى 3% من السكان، أى أكثر من مليونى ملحد، وفقًا لاستطلاع أجرته جامعة إيسترن ميتشيجان الأمريكية، بعد الحراك الشعبى الأخير الذى أعقب ثورة 25 يناير 2011، وانتهى بما حدث فى 3 يوليو 2013.

المؤسسات الدينية فى مصر تعيش فى خيالات لا علاقة لها بواقع الحياة، فرغم كل تلك التقارير وغيرها التى تؤكد أن العدد لا يقل عن مليونى ملحد، يبدو أن وزارة الأوقاف عدتهم فردا فردا وأحصتهم عددا، لتقول إنهم 866 شخصا فقط. لكن الإشكالية ليست فى العدد، وإنما فى إستراتيجية تعامل مثل هذه المؤسسات ورجالاتها مع معتنقى هذه الأفكار، الذين بكل تأكيد لهم مطلق الحرية فى اعتناقها والتعبير عما يدور بخواطرهم، فالإلحاد ليس مذهبا ولا دينا، إنما هو إيمان بالعلم وما وصل إليه بشأن نشأة الكون، وتطور المخلوقات... إلى آخره.

الدكتور سعد الهلالى، يرى بحسب تصريحاته مع عمرو أديب، أن الإلحاد خطر على المجتمع المصرى، وأن هؤلاء الملحدين أعدتهم منظمات أمريكية؛ ويسعون بكل قوتهم لتشكيل كيان هدفه زعزعة الاستقرار فى مصر!
لا أعرف لماذا لا يترك السيد الهلالى اتجاهه كرجل دين، ليكتب قصصا خيالية؟ فذلك أفضل؛ أتوقع أن ينافس الروائيين فى المبيعات!

أما الدكتور عبد الناصر عمر، فيرى أن مخاطبة الملحدين يطبّع العلاقات معهم –أنه تطبيع مع عدو مثلاً- وهذا التطبيع خطر، لأنه يعد إقرارا بوجودهم، وبالتالى سيصبح وجودهم فى المجتمع أمرا طبيعيا! بينما الإلحاد لا يتخطى كونه "ظاهرة فيسبوكية".

من جانب آخر، تكلم أستاذ الفلسفة أحمد سالم، بمنطق رائع وفصاحة بليغة، وأقر بوجود الإلحاد بين طلابه فى الجامعة، وأقر بحقهم فى هذا، وأشار إلى أن الدولة يجب أن تعترف بوجودهم، وأن تحاورهم.

فى فبراير/شباط 2018 أقدم النائب عمر حمروش، أمين اللجنة الدينية بمجلس النواب، على صياغة مشروع قانون يتكون من 4 مواد لمواجهة الملحدين، المادة الأولى تشمل تعريف الإلحاد والمقصود به، والثانية خاصة بفرض العقوبات على الملحدين وتجريم الظاهرة، والمادة الثالثة تتحدث عن إلغاء العقوبات حال استتابة الملحد وتراجعه عن أفكاره، على أن تكون العقوبة التى يتضمنها القانون الجديد مشددة ورادعة.

والسؤال المطروح الآن: لماذا يعد الإلحاد خطرا؟ ولماذا تسعى المؤسسات الدينية والدولة إلى التصدى للملحدين وإرهابهم؟
والإجابة بسيطة: الخوف من التمرد بشكل عام، فالإلحاد هو أعلى مراتب التمرد، لأن الملحد الذى تمرد على سلطة الإله، لا شك في أنه قد يتمرد على باقى السلطات، الاجتماعية والسياسية والدينية... إلى آخره.

الأنظمة البيروقراطية والمؤسسات الدينية الدوجمائية لا تخشى شيئا غير الأفكار الملازمة للتمرد، لأنها تعد خطرا على البقاء المطلق للنظام، فهى تحلحل الأفكار الجامدة وتدحضها.

لست بصدد الدفاع عن الملحدين، إنما أحوال قراءة المشهد بشكل واقعى ومنطقى دون الميل يمينا أو يسارا. الإلحاد فكرة قائمة على رفض الدين وسلطة الإله من خلال العلم. وبنص الدستور والقانون المصرى، حرية العقيدة مطلقة، ومن حق هؤلاء الشباب التعبير عن أفكارهم وآرائهم مثلما يفعل المؤمنون تماما. الأمر ذاته مكفول للفرق الدينية الأخرى، كالشيعة، وللمسيحيين بكل طوائفهم، ولليهود، وللادينيين... إلى آخره.

المجتمعات تُبنى بالنقاش المفتوح وتصارع الأفكار، فلولا تلك الاختلافات الفكرية الضخمة لما كانت الفلسفة، ولولا السؤال لما كان العلم. الدين الذى يخشى النقد ويكمم الأفواه "هش"، والمؤمنون بالمُطلقات دون مراجعة سينهزمون وتسقط أفكارهم لا محالة، والقانون فى النهاية موضوع من أجل "المواطن" من دون النظر إلى دينه وعرقه وأفكاره، والعمل على سن قوانين على رقاب فئة دون الأخرى "انحياز" يُدخِل المجتمع فى صراعات لا أول لها ولا آخر.
الحوار هو الحل.. الحرية هى الحل.







اخر الافلام

.. المئات يتظاهرون ضد ترشح بوتفليقة لولاية خامسة


.. لماذا تنتقد الأمم المتحدة تنفيذ الإعدامات في مصر؟


.. الحوثيون يحولون الإغاثة إلى تجارة




.. توصيات طالبت منظمة العفو الدولية الحكومة اللبنانية الالتزام


.. لما أزعج رأي الأمم المتحدة في قضية الصحفي بوعشرين السلطات ال