الحوار المتمدن - موبايل



مباحث في الاستخبارات (151) تخريب العقل الجمعي

بشير الوندي

2019 / 2 / 14
الارهاب, الحرب والسلام


مدخل
--------------
لاشك ان مفردة التخريب تعني الدمار في ارض العدو ومنشئآته واقتصاده وبناه التحتية , وهو جزء من الاعمال العدائية التي تسبق او تتزامن مع الحروب .
الا ان النظريات الاستخبارية الجديدة والمتاثرة بالحرب الباردة ترى إن القتال فى أرض المعركة يأتي بنتائج عكسية وغير فعالة وان العداء لاينتهي بالحروب وتزداد المقاومة وتتوحد الشعوب ، وان النجاح لايتم بالحروب والتدمير والدماء , فهذا أسوأ طريق لتحقيق النتائج المرجوة وانه لابد من البحث عن طرق بديلة وذكية تتمثل بتخريب مجتمع العدو من الداخل .
وهذه الطريقة تسهل السيطرة على البلد العدو من دون اطلاق رصاصة واحدة , فكلمة التخريب هنا لاتذهب الى الاعمال الجاسوسية العدائية العنيفة , فأدواتها هو طالب بعثة وفنان وقائد عمالي ودبلوماسي ومنظمة مجتمع مدني ورجل دين ومصور وباحث وغيرهم من الناس اللطفاء ظاهرا , فالتخريب هنا يتم ببطء وفعالية وهو مايسمى بتخريب العقل الجمعي للمجتمع المستهدف .
------------------------
التخريب السلمي
------------------------
التخريب المجتمعي بمعناه الاستخباري يعني تدمير كل ماله قيمة في مجتمع دولة العدو , كالدين والموروث والعادات والحكومة والنظام الاقتصادي والسياسي والنسيج الاجتماعي وتخريب العقل وإفساد الضمائر وإضاعة الوقت .
ان السر في نجاح هذا الاسلوب يتأتى بثلاثة امور :
الاول : هو علانيته وانه عمل محمي بالقانون وليس سري كباقي الاعمال الاستخبارية لكونه يجري وفق قوانين الدولة المستهدفة بالاخص ذات النظام السياسي الديموقراطي , فهو عمل ذو طابع فكري واعلامي ومسموح بممارسته في الدول المستهدفة من قبيل انشاء المنظمات وعدم سيطرة الدولة على الاعلام .
الثاني : هو ان له قابلية التعجيل الذاتي بما يشبه دحرجة كرة الثلج , فالتخريب الفكري يكون لين ومرن وينسلُّ بسهولة ويتمكن من الانتشار والتوغل والالتصاق ومن ثم يتفاعل ذاتياً لينتج تخريباً ذاتياً .
الثالث : انه يجري في مراحله المتقدمة على ايدي ابناء البلد المستهدف ذاته مع وجود الاسناد الاعلامي الاستخباري الخارجي المكثف , ففي حديث لأحد عملاء الاستخبارات السوفيتية المنشقين يتحدث عن الكيفية التي كانوا يقومون فيها بدعوات لمفكرين وادباء وفنانين واعلاميين منتخبين بدقة من بلدان معينة بغية التأثير فيهم والقيام بالهائهم عن اية مظاهر سلبية وابراز ايجابيات الاتحاد السوفيتي ليصبحوا مستقبلاً ادوات في البروباغندا السوفيتية الاستخبارية الموجهة .
وغالباً ماتصرف موازنات مالية ضخمة استخبارية لهذا النوع من تخريب العقول باعتبار انها مهما كانت طائلة فانها لاتصل الى مئات اضعافها في الحروب مع ذات العدو ودون خسائر في الارواح , بل ان احد الخبراء الاستخباريين السوفييت المنشقين يقول ان موازنة تخريب العقول تلك كانت تلتهم اكثر من ثلثي موازنة الKGB.
--------------------------------------
التخريب وفن القتال الياباني
--------------------------------------
يشبه خبراء الاستخبارات أسلوب التخريب بفن الدفاع عن النفس اليابانى، فمن قواعد هذا الفن انه إذا كان العدو أكبر وأثقل منك سيكون من غير المجدي إيقاف ضربته ، لكن الطريقة المثلي للدفاع عن النفس هو أولاً تجنب الضربة ثم إمساك قبضة العدو مع سحبه إلى إتجاه حركته حتى يصطدم بالجدار.
ولتوضيح وجه الشبه , فإن اي نظام حكم فيه معارضون على اربعة اشكال , منهم مجرمون او متمردون على القانون , ومنهم معارضون ايديولوجيون كأحزاب المعارضة , ومنهم شخصيات مضطربة تعادي كل شىء في المطلق , وهناك أيضاً مجموعات صغيرة من العملاء, وان كل من تلك المجاميع الاربع منفصلة عن الاخرى ولكن تمثل اللون الاسود من المجتمع والناقم على كل شي .
فتسعى الاستخبارات المعادية لبلورة الاتجاهات الاربع وتهييجها في وقت واحد , وفى تلك اللحظة التى يتم فيها تحريك الجميع بإتجاه واحد , يأتي الوقت الذى تمسك فيه الاستخبارات المعادية بقبضة الدولة العدوة وتدفعها الى نفق الازمات المدمرة حتى تحطمها وتوثر ردود فعل الدولة على زيادة السخط وعدم رضا باقي افراد المجتمع بشكل عام .
------------------------------
مراحل التخريب الاربع
------------------------------
التخريب المجتمعي يتكون من أربعة مراحل زمنية محكمة هي :
اولاً- مرحلة تدمير الأخلاق ونزع الروح المعنوية: ( Demoralization)
ان هذه المرحلة تستغرق ما بين ١٥ إلى ٢٠ سنة لكى تدمر أخلاق مجتمع.. وهي الفترة الكافية لتعليم جيل واحد من الطلاب أو الأطفال.. فهذه مرحلة تمثل فترة تشكيل الافكار لجيل جديد, فالمرحلة التي تبدأ بإستهداف الاطفال من بداية السن الدراسي وتستمر بممارسة التأثير عليهم حتى مرحلة الجامعة تكون قد سيطرت على جيل من الشباب المتحمس الذي ترى الاستخبارات المعادية انها تستطيع تطويعه لأهدافها .
وتشمل تلك المرحلة العمل على التأثير وخلخلة كل قيم المجتمع وتشجيع التمرد عليها وزعزعة كافة الثوابت التى يتشكل أو يصاغ بها الراي العام مثل الدين والنظام التعليمي والحياة الإجتماعية والإدارة ونظام تطبيق القانون ونقابات العمل وعلاقات أصحاب العمل والمنظور الإقتصادي والنسيج الاجتماعي والمفاهيم الاخلاقية .
ففى حالة الدين : تسعى الاجهزة الاستخبارية المعادية لتدميره والسخرية منه والسعي لاستبداله بمختلف الطوائف والعبادات والمعتقدات التى تجعل الناس ترى ان هذا الدين ساذج و بدائي ومعطل للتطور , فتحصل المقبولية المجتمعية بتآكل العقيدة الدينية لتأخذهم بعيداً عن الهدف الأساسي للدين كعلاقة روحية مع خالق أعلى , كما يتم إستبدال المنظمات الدينية المقبولة والمحترمة بمنظمات وهمية موازية لا تمت للدين بصلة وتصرف إنتباه الشعب عن الإيمان الحقيقي وتدفعهم الى التطرف .
أما في التعليم : فيتم إبعاد الناس عن تعلم الأشياء الهادفة ذات القيمة البناءة، لتكون بديلة عن الرياضيات والفيزياء واللغات الأجنبية والكيمياء، ويتم الحط من البحث العلمي , ويجري العمل على ضخ التعليم بالاشياء التافهة كتاريخ الحروب والإقتصاد المنزلى وبرامج الطبخ والمسابقات التافهة ونشر الخرافات أو أى شيء تافة.
وفى الحياة الإجتماعية: يجري العمل على تحطيم العادات التي تحصن المجتمع بدلاً من تهذيبها وتشويه محتوى العادات الجيدة من خلال ابراز ضرر العادات والتقاليد السيئة ومن ثم ضربها هي والعادات الحسنة دفعة واحدة بيافطة التقدم والتحرر , والاتجاه بالمجتمع المستهدف كي يكون استهلاكياً بالدعايات التي تحثه على الدخول في دوامات الاقساط والشراء والتلهف من خلال اختراق اقتصاد البلد المستهدف وتشجيعه على الاستهلاك واللهاث نحو الموضة.
وفي مجال النقابات : يجري العمل على إستبدل المنشآت والمنظمات التى أوجدتها التقاليد بمنظمات وهمية وتحطيم القدرة على تحمل المسئولية المجتمعية وإستبدلها بنشاطات تافهة لمنظمات مجتمع مدني مدفوعة الاجر .
وفي مجال السلطة المنتخبة : تسعى الاستخبارات المعادية الى العبث بالانتخابات من خلال التأثير على الرأي العام في شيطنة شخصيات لاترغب بها وتنزيه اخرى تسعى الى ابرازها او ايجاد قانون انتخابي هزيل , وفي تلك الحالة سيصل الى سدة السلطة التنفيذية والتشريعية اناس لايمثلون الطموحات الحقيقية للشعب .
وفي مجال القانون والنظام : فان من المهم افساد النظام القضائي وتسييسه , كما تعمل البروباغندا على ضخ الافلام التي تزعزع القناعات بماهو متعارف عليه من الاخلاقيات , ويمكن ملاحظة ذلك في الكثير من الافلام والمسلسلات التي تجعلك تتعاطف مع المجرم والخائن او العشيق بالضد من القانون والنظام والقيم .
ان كل هذا وغيره يجعل المجتمع المستهدف فى حالة عدم إتزان فكري ونفسي بل يصل به الأمر إلى أنه لايميز العدو من الصديق من الأساس ، بل يتشكك في قدرته على الفهم , والاهم من ذلك ان المجتمع المستهدف يصبح عاجزاً عن الرؤية السليمة حتى لو اتيحت له الحقائق والوثائق اللازمة.
ثانياً - مرحلة زعزعة الإستقرار: (Destabilization)
هذه الخطوة قد تأخذ بين عامين وخمسة أعوام ، ويتم ذلك من خلال ضخ الافكار السياسية التي تدعو للتفكيك العرقي والديني والطائفي وتشجيع كافة اشكال تفكيك النسيج المجتمعي وتضخيم الهوية الفرعية على حساب الهوية الوطنية وتشجيع الاتجاه الاستهلاكي والطبقية وتحطيم الطبقة الوسطى لتوسيع الهوة بين طبقات المجتمع , واغراق المؤسسات بالرشوة والفساد المالي والاداري وتحطيم تكافؤ الفرص وتشجيع المزيد من احتقان المواطنين تجاه الدولة والاضرابات مما يؤدي إلى اضعاف اقتصاد الدولة المستهدفة لتصبح بمنتهى التشويش والضعف .
ثالثاً - مرحلة الأزمة:( Crisis stage)
ان المرحلتين السابقتين تؤديان الى شلل في هيكل الدولة والسلطة الحاكمة وهنا تسيطر مافيات الفساد والهيئات غير الرسمية كالمؤسسات عالية التنظيم والاحزاب النافذة مالياً والقوى العصابية , والقوات الموازية للاجهزة الحكومية المسلحة وتسيطر جميعها على مقدرات الدولة والمجتمع , وهنا يبدأ المجتمع في البحث عن منقذ اياً كان هذا المنقذ واياً كانت افكاره , فالمهم ان يخلصهم من الازمات .
وهنا يأتي دور الاستخبارات الخارجية التي تستهدف تلك البلاد لتلقي للمجتمع المأزوم بحبل النجاة , لتكون هي المنقذ من خلال خيارات مشبوهة مرتبطة بها , ففي هذه المرحلة يتم تنشيط جميع الخلايا التخريبية فى الدولة المستهدفة وتنشيط حراك الشباب الذين تم استهدافهم لخمسة عشر عام او اكثر ليكونوا وقود المعارضة والفوضى , ومن ثم السيطرة على مقدرات البلاد بلا تدخل عسكري ولا معارك , فالدولة في تلك المرحلة تكون قد خضعت بالكامل لتوجيهات العناصر الموجهة من الاستخبارات الخارجية .
رابعاً - مرحلة التطبيع: (Normalization phase )
وهنا يأتي المنقذ بشكل حاكم قوى يتعامل بحزم وقوة ويمنع اي شكل من اشكال الاعتراض حتى من اولئك الذين اوصلوه للسلطة , وحينها تمر البلاد بمرحلة اغتيالات وانقلابات لتأكل الثورة او القيادات بعضها البعض لتصل الى شكل من الحكم لايرغب في العداء معك .
ولينتهي الامر بخطوة تطبيع المواطنين فى الدولة المستهدفة على الأوضاع الجديدة وغالباً مايتم فيه الامر بالحزم والقوة ويتم سحق اية مقاومة ، وفي تلك المرحلة تتم سيطرة الجهاز الاستخباري الاجنبي على البلد المستهدف ولاتعود الدولة تنظر للآخر على انه عدو , وكما قلنا دون اطلاق طلقة واحدة .
--------------
الخلاصة
--------------
ان الاستخبارات كعلم يخضع لقواعد وللتطوير المستمر , ومن ثم فإن فكرة العمل الاستخباري في التخريب هي الاخرى تطورت وصارت الدول واجهزتها الاستخبارية تجد ان الحروب والمعارك والنسف والقصف هي حلول بلهاء وان هنالك بدائل اكثر انسيابية وبطرق شيطانية للسيطرة على البلد العدو دون اية ضوضاء , وهو امر لاينبغي النظر اليه باستسلام كالقدر وانما بالامكان مقاومته وافشاله من خلال الوعي وتقوية النسيج الاجتماعي والعدالة الحقيقية وتكافؤ الفرص وكشف الفساد والارتقاء بالتعليم وهي امور ليست طوباوية وغير قابلة للتحقيق فهنالك الكثير من دول العالم الثالث استطاعت بناء نفسها وتطورت واستعادت مكانتها , اما فتح الباب للفساد المالي والسياسي فانه فتح لباب الاختراق الاستخباري الاجنبي , فالظلم ان دام دمّر .والله الموفق.







اخر الافلام

.. بومبيو في المنطقة.. ميليشيا حزب الله تحت المجهر


.. موسكو وواشنطن.. قاذفات النووي واستفزاز الأجواء


.. كارثة نيوزيلندا.. سرعة التعافي وحكمة السلطات




.. إمام مسجد النور: الإرهاب لن يكسر النيوزيلنديين


.. مقاومات بعباءة إيران.. سقوط نماذج غزة واليمن ولبنان