الحوار المتمدن - موبايل



قوة الحق المشروع أمام حق القوة المتمادي

نعمان الفاضيل

2019 / 2 / 23
حقوق الانسان



ربما ما عايناه من وحشية في التدخل الأخير لفض مسيرة الأساتذة،يكشف بالملموس أن شعارات مثل العدالة والأخوة والمساواة... هي فقط حقن مخدرة، ومدجنة لذوي النظر الساذج، التي ما يفتأ يسرح في يوتوبيته،ويعلق طموحاته وآماله في العيش الكريم ضمن مجتمع عادل. لأن أمرا كهذا، لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يتحقق في ظل شروط موضوعية غير ناضجة،الشيء الذي يجعل أي عملية للإنتقال من حالة الإستبداد القائم على الإنفراد في التسيير،إلى حال المشاركة الديمقراطية الفاعلة متعذرة.

إن الشرط الموضوعي الأساس يتمثل في الوعي بفكرة الحق، هذا الحق الذي يجعل فكرة التعاقد الإجتماعي سليمة وعادلة،مادام أي تعاقد اجتماعي تأسس على الوعي بالحقوق،وصيانتها ضد أي انتهاك لكرامة الإنسان،وحقه في أن يحيا مواطنا في مجتمع ديمقراطي يضمن له الأمن والحرية،ويوفر له سبل الاستقرار النفسي والإجتماعي التي تمكنه من المساهمة في بناء ذاته والدفع بعجلة التقدم نحو الأمام.

وفي هذا الإطار، يكشف التحليل لبنية الصراع اليوم، عن بطلان الاتفاق الأولي الذي وضعته الدولة، كحل وحيد لحق الأفراد في الشغل،حيث تغيب فكرة التراضي أو بالأحرى،فكرة الإرادة الحرة،الخالصة من أي إكراه كيفما كانت طبيعته ومبرراته، لأن الموقع ههنا،مكره لا بطل،دفعته ظروفه الإجتماعية والإقتصادية كرها للقبول بهذا الحل،ليس اختيارا أو مكرا،بل لأنه الباب الوحيد الذي يمكن من خلاله لهذا الفرد في أن يحقق طموحاته واستقراره النفسي والاجتماعي.

ومن هذا المنطلق،يقتضي نقدنا لطبيعة الممارسة السياسية أن يكون نابعا من طبيعة الواقع الاجتماعي نفسه،الذي يوشي بمظاهر العدوان، جراء ما أصبح يعيشه الأفراد من تزايد لأشكال القهر والاستغلال البشعة،وهضم لحقهم في أن يحيوا أحرارا مخيرين، لا مسيرين كالقطيع ضمن مجتمع أكثر سماته جلاء هو القمع المفرط، هذا الأخير الذي تتفن الحكومة في ممارسته بكل الأشكال المهينة لكرامة الإنسان،حيث يزداد الأمر فجاعة وخطورة حين يمارس بهمجية،ضد من وكلت لهم رسالة تعليم الإنسانية سبل الخير،وانتشالها من براثن الجهل والتوحش،مادام أن مقياس أي حضارة ما،إنما ينبني بالأساس على رقي ثقافتها ومستواها التعليمي،وليس على مدى قدرتها على احتكار وسائل العنف والقهر والإستبداد.

ومن ثمة،فليس غرضنا من إثارة هذا الموضوع الدخول في سجالات لا طائلة منها،أو القيام بسرد ببغاوي للأحداث وتتابعها،دون الوقوف على عواملها الموضوعية المشكلة للخلل،والتي من خلالها وحدها نستطيع بلورة حل ممكن للمشكل الذي يواجهنا. حيث إن مجرد الانطلاق من فكرة أن أي تعاقد كيفما كان نوعه،يقتضي بناؤه بالضرورة على الحرية كشرط لضمان صلاح العقد،فإن الواقع الموضوعي يكشف عن بطلان أولي لهذا العقد المبرم بين الدولة والأساتذة،مادم شرط الحرية لم يتحقق من جهة، ومادام حق الموقع على العقد في الشغل،وفي الاستقرار النفسي والاجتماعي، مكفول في دستور البلاد،باعتباره المعبر الحقيقي عن الإرادة العامة للأفراد في العيش الكريم،ضمن مناخ ديمقراطي حقيقي،وممارسة عقلانية للسلطة ضامنة لحقوق الأفراد وحرياتهم.

لكن ما يثير الدهشة والفضول،هو أن بعض الحكومات المضطهدة -بكسر الهاء- تستمر تكرار أخطاء الماضي دون أن تدري أنها بهذه الطريقة لا تفعل شيئا سوى تسريع عملية إلقائها في مزبلة،حيث إن من لم يتعرف أخطاء التاريخ محكوم عليه بتكرارها.ومن ثمة، فمادام الأمر على هذا النحو، ومادامت الشعوب لم تعد تقوى على تحمل القمع والقهر أكثر،فإن مصير الحكم الإستبدادي حتما الانهيار والفناء إن لم يراجع تدابيره،بإلغاء القوانين المجحفة،والقيود المنهكة لكاهل الفقراء. وبدء العمل على احترام كرامة الإنسان عبر ضمان الحقوق وحماية الحريات وصيانتها في جو ديمقراطي سليم.

وعليه، تجدر الإشارة في الأخير أن التاريخ البشري عبر تطور مراحله واختلافها،يكشف عن أشكال متعددة من الصراع دارت رحاها بين من يملكون حق القوة، وبين أصحاب قوة الحق،إلا أن تمادي أصحاب القوة في الإستبداد الطغيان، دائما ما كان ينتهي باندحارهم أمام أصحاب فكرة الحق التي أرست قواعد الدولة الديموقراطية الحديثة،حيث يقدم لنا التاريخ شهادات حية عن شعوب انتزعت حقوقها وحرياتها بدء بالمطالبة برغيف خبز،لتؤسس أنظمة عادلة تقوم على الأخوة والمساواة.







اخر الافلام

.. الجيش اللبناني يعتقل لاجئين سوريين من أحد مخيمات البقاع - سو


.. محامو الجزائر يتظاهرون للمطالبة بتنحّي بوتفليقة


.. عناصر من داعش يؤكدون إعدامهم لعدد كبير من الأسرى والمختطفين




.. المجلس الأممي لحقوق الإنسان يدين استخدام إسرائيل -المتعمد وا


.. اليونيسف: الصراعات الطويلة تهدد الأطفال - ستديو الآن