الحوار المتمدن - موبايل



قراءات أفقيّة في السّيرة النبويّة (9)

ناصر بن رجب

2019 / 2 / 23
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


لقد سبق وذكرنا أنّ مصادر السّيرة النبويّة تتلخّص في ثلاثة مصادر رئيسيّة: القرآن، السِّيَر والمغازي بشتّى تنوّعاتها، ثمّ الحديث.
1- أهميّة الحديث في معالجة السّيرة النبويّة
أمّا فيما يتعلّق بالقرآن، فقد ذكرنا أيضا أنّ المعلومات حول النبيّ الواردة في نصوصه، ولسوء طالعنا، هي معلومات شحيحة للغاية ومن الصّعب جدّا تأويلها وبالتّالي الاعتماد عليها أساسا، خلافا لما يدّعيه العلماء المسلمون الذين يرون فيها، (ولا ندري في الحقيقة كيف يتمّ لهم ذلك؟) مادّة خصبة وصريحة فيها ما يكفي وزيادة للتّعرّف على محمّد وملامح شخصيّته وأطوار حياته. في المقابل، تُشكّل السِّيَر والمغازي خزّانا زاخرا تختلط فيه مجموعات متنافِرة، تتكوّن غالبيّتها من عناصر بيوغرافيّة، وأخبار، وتقارير، وتفاسير قرآنيّة، ووثائق وأشعار، بمعنى آخر وكما قال صاحب العقد الفريد، فيها من كلّ: "نادرة شاردة، ومَثَل سائر وخَبَر مُسْتَطْرَف" (ص 6). العديد من هذه النّصوص، وليس كلّها، تتوفّر على سلاسل من الإسناد. أخيرا، يتمثّل النّوع الثّالث من المصادر فيما بات يُعْرف تحت التّسمية العامّة بـ "الحديث"، أي تلك المجموعات الهائلة من المصنّفات التي تضمّ بين طيّاتها روايات وأخبارا قصيرة في الغالب، كلّها تشتمل على أسانيد، تحتوي على أقوال وأفعال وتقارير النبيّ. وبعض هذه المصنّفات ككُتُب الصّحاح يرقى إلى مرتبة قدسيّة علية تأتي مباشرة بعد مرتبة القرآن.
فإذا كنّا قد يئسنا نهائيّا تقريبا في الاعتماد على النّصوص القرآنيّة إلاّ فيما ندر، للأسباب التي ذكرناها آنفا، فإنّنا سوف نركّز مطوّلا بطبيعة الحال على السّير والمغازي وكتب التّاريخ للمضي قدما في هذه السّلسلة من القراءات. ولكن قبل هذا سوف نقف بعض الوقت لكي نُلقي بعض النّظر والتّمحيص بخصوص الحديث لأنّه، إلى جانب كونه يمثّل أساسا مصدرا للفقه الإسلامي، فهو يشكّل أيضا مصدرا مهمّا في التّعرّف على سيرة نبيّ الإسلام وعلى مدى صحّة هذه الأحاديث تتوقّف إلى حدّ كبير على صحّة ما رُوي بخصوص محمّد والظّروف التي أتمّ فيها رسالته.
2- عرض بعض المقاربات الأساسيّة لدراسة الحديث
سنتناول فيما يلي أربع مقاربات واعدة بإمكانها أن تقودنا إلى اكتشاف وقائع تاريخيّة عن محمّد من المصادر الإسلاميّة ذاتها وإظهار، بصورة نموذجيّة، نوعيّة المعلومات التي يمكننا الحصول عليها بهذه الطّريقة.
هناك مقاربة سبق أن وقع توخّيها منذ زمن طويل وهي تلك التي تتمثّل في التّركيز على سرديّات مخالفة للمأثور السنّي المتأخِّر وكذلك التوجّهات التي ظهرت في زمن لاحق. ويمكن لحادثة "الآيات الشيطانيّة" أن تشكّل مثالا لمثل هذا الصِّنف من المأثور. إذ نرى أنّ الرّوايات والأحاديث حول هذه القصّة تقدّم محمّد في صورة سلبيّة. فبما أنّ المأثور اللاّحق حاول تفسير هذه الواقعة والتّقليل من شأنها ولكن دون إنكار حيثيّاتها، فإنّ هذه الرّوايات، من وجهة النّظر هذه، يجب أن تُقبَل كروايات تاريخيّة. ما عدا ذلك، لا يمكن أن نفسِّر لماذا وقع إدماجها في التّقليد الإسلامي. وبالرّغم من أنّ هذه المقاربة ما زالت مُتّبَعة اليوم في نطاق محدود، والحقّ يقال، فإنّ التّركيز عليها وحدها من شأنه أن يقودنا إلى التعاطي مع الموضوع من زاوية ضيّقة للغاية. وبناء على هذا، فإنّ شخصيّة محمّد، التي تتوصّل إليها هذه المقاربة، هي بالضّرورة شخصيّة سلبيّة بحكم أنّ ملامحها قد وقع التماسها حصريّا من خلال الأحاديث والرّوايات التي تقدِّم محمّد بصورة سلبيّة، في حين نراها تميل إلى اعتبار الرّوايات التي تُقدِّم محمّد حسب التصوّرات السنيّة اللاّحقة على أنّها موضوعة.
المقاربة الثّانية تتمثّل في المنهج التّحليلي الذي يُعرَف بـ "الإسْناد والمَتْن معًا"، أي تجميع كلّ الأحاديث المتعلّقة بقصّة مّا وتحليلها مَتْنا وإسنادا. وقد طوّر هرالد موتسكي هذا المنهج في مقاله (النبيّ والمَدِينِين Der Prophet und die Schuldner Harald Motzki,. وقد كانت هذه المقاربة مقصورة على الباحثين "التشكيكيّين" ولكنّها أصبحت اليوم مقبولة بشكل واسع وتُطبَّق ليس فقط على الحديث ولكن أيضا على نصوص السّيرة. يستخدِم هذا المنهج سِمَتَيْن تتميَّز بهما أغلبيّة الأحاديث والرّوايات الإسلاميّة. الخاصيّة الأولى هي وجود روابط مشتركَة تربط بينها، أي وجود أشخاص يبدو أنّهم لعبوا دورا مركزيّا في نقل بعض الأحاديث وهم يظهرون في كلّ الأسانيد أو على الأقل في بعض منها. أمّا الخاصيّة الثانية فهي تتمثّل في التّلازم الموجود عامّة بين نصّ الحديث، أي مَتْنه، وبين طُرُق نَقْله.
غير أنّ منهج "الإسناد والمتن معًا" لا يمكن أن يُعطي نتائجَ ملموسة إلاّ إذا توفّرت لدينا عن نفس الحديث بما يكفي من عدد الروايات المتنوّعة، بمعنى عندما نجد رواية مّا تتكرّر عدّة مرّات وفي مصادر مختلفة. في هذه الحالة، نجد أنّ الأسانيد تشتمل، في الغالب الأعمّ، على راوِية مشترك، إذ يظهر اسم مُعيَّن في كلّ سلاسل النّقل تقريبا، كما أنّ الأحاديث التي تُبْرِز تشابها كبيرا بين أسانيدها هي أيضا تكون على العموم متقاربة بين بعضها البعض من حيث الصّياغة. وفي حالات وجود عدّة روايات متنوّعة للحديث الواحد، فإنّ هذه الظّاهرة يمكن تفسيرها أفضل بافتراض أنّ عمليّة النّقل كانت قد تمّت بالفعل حسب التّواتر الموجود في الإسناد.
لقد وقع الحديث كثيرا عمّا يمكن أن تُبشِّر به هذه المنهجيّة في التّحليل (الإسناد مع المتن) والصّعوبات الملازمة لها. وليس هنا مجال لطرح هذه الأسئلة من جديد. ولكن، في حالة الأحاديث الموثَّقة جدّا والتي لها عدّة نسخ متنوّعة فإنّه من الممكن أن نفهَم بصورة أفضل ثلاثة جوانب من الحديث. أوّلا وقبل كلّ شيء، من الممكن أن نعرف مَن هو المسؤول عن التّغييرات التي دخلت على الحديث، وكذلك ما أُضيف إليه وما أُسْقط منه. فإذا كانت كلّ نُسَخ الحديث، التي تشترك في راوية بينها، تحتوي على عنصر مّا ثمّ نرى أنّ باقي الرّوايات الأخرى بأنواعها المختلفة، والتي نقلها رُواة آخرون، لا تحتوي على ذلك العُنصر، فإنّه من الضروري أن نفترض أنّ هذا العنصر وقع نَقْله بواسطة ذلك الرَّاويَة المشترك المشار إليه. ثانيا، من الممكن أن نرصُد الأسانيد الموضوعة (الزّائفة) عندما لا تكون النّسخ الآحاد من حديث مّا مُتَّسِقة مع نموذج تطابق الإسناد والمتن. ثالثا، بالإمكان أيضا تحديد ما هي العناصر التي تعود إلى الرّاويَة المشترك. في نهاية المطاف، كلّ العناصر التي يقدِّمها العديد ممّن تتلمذوا على يد الرّاوِيَة المشترك، الواحد بمعزل عن الآخر، يجب اعتبارها كعناصر تشكِّل جزءا ممّا أورَده هذا الرّاوية المشترك. قد يكون من الممكن جدّا أن يكون هذا الرّاوية المشترك قد قدّم عدّة روايات مختلفة للحديث الواحد لتلاميذ مختلفين في أوقات مختلفة، الشيء الذي ينتج عنه وجود المزيد من العناصر التي تُحيل إلى الرّاوية المشترك. حتّى وإن كان من الصّعب تحديد كلّ هذا بشكل قاطع فإنّ العناصر التي رُوِيَت بصورة مستقلّة الواحد عن الآخر من قِبل العديد من التّلاميذ، تكون بلا شكّ قد سبق وأن حدَّث بها الرّاوية المشترك.
إنّ قيمة نتائج هذا النّمط من التّحليل ترتبط في جزء كبير منها بشخصيّة الرّاوية المشترك. فكلّما كان الرّاوية المشترك قد عايش الأحداث التي يرويها عن قرب، كلّما كانت رواياته تعكس بدقّةٍ أكبر الإطار العام لتلك الأحداث؛ وكلّما بَعُد الرّاوية المشترك عن الأحداث، كلّما ضعفت مصداقيّة رواياته. هذه المنهجيّة تقرِّبنا إذن من حياة محمّد، إلاّ أنّها لا تقدِّم لنا أي حدث أكيد لا يقبل الجدل. ومع ذلك، يمكنه، في حالات عدّة، أن يكون مفيدا للفرز بين الرّوايات الأصليّة وبين ما أُلحِق إليها من إضافات وتزويقات في أوقات متأخِّرة. إنّ منهجيّة "الإسناد والمتن معًا" تشكو من عدّة نقاط ضعف، أهمّها:
1- بالنّسبة لسيرة نبيّ الإسلام نرى أنّ الأحاديث التي تدخل في إطار هذا التّحليل عددها محدود جدّا. هناك الكثير من الأحاديث التي تتعرّض لسيرة محمّد لا ترد في صياغات مختلفة بما يكفي لكي يستطيع هذا النّمط من التّحليل إعطاء نتائج ذات أهميّة.
2- اختلاف المرويّات من الأحاديث اختلافا شديدا من حيث اللّفظ. لهذا، وبصورة عامّة، يكون من المستحيل إعادة صياغة التّعابير الأصليّة كما حدَّث بها الرّاوي المشترك وكلّ ما يمكن الحصول عليه عامّة هو المحتويات الأصليّة (أي المعنى العام) لهذه الأحاديث.
3- أولى الرّوايات، بخصوص سيرة محمّد، التي يمكن إعادة صياغتها بهذه الطّريقة (من حيث المحتوى لا اللّفظ) تعود في الغالب إلى 40 أو 60 سنة بعد وفاة النبيّ، وبالتّالي لا تشكِّل شهادات عيان، ما عدا بعض الإستثناءات التي يمكن أن نفترض أنّها وردت في تاريخ أسبق.
4- منهج "الإسناد والمتن معا" يشكّل مقاربة صعبة وتتطلّب أن يُكرَّس لها وقت طويل. فهناك العشرات من الرّوايات النصيّة المتنوّعة التي يجب تحليلها ومقارنة بعضها ببعض. وفي بعض الحالات على الأقل، نرى أنّ المجهود المبذول يفوق بكثير قيمة النّتائج الهزيلة التي يقع التوصّل إليها.
لقد وقع تطبيق هذا المنهج بنجاح على أحاديث بخصوص حياة محمّد في دراسات عديدة. كما وقع تكريس بحوث أخرى لتناول مسائل فقهيّة أو أولى الفتوحات الإسلاميّة.
تتمثّل المقاربة الثّالثة في تحليلِ مدوَّنة كاملة من النّصوص. فبينما تركّز منهجيّة "الإسناد والمتن معا" على أحداث معزولة مذكورة في نسخ لعدد صغير من الأحاديث، فإنّ هذه المقاربة تسعى لتحليل وتمحيص كلّ الأحاديث التي تُرفَع لبعض الأشخاص. فيما يتعلّق بسيرة محمّد، نجد أنّ المرشَّحين المؤهَّلين أكثر من غيرهم لهذا النّوع من التّحليل هم أوائل رُواة السّيرة المشهورين وأقدمهم في هذا الميدان من أمثال أبّان بن عثمان (تـ 105 هـ/723 م)، عروة بن الزّبير (تـ 93 هـ/712 م)، شُرحبيل بن سعيد (تـ 123 هـ/741 م)، عبد الله بن أبي بكر (توفّي حوالي 93 هـ/712 م)، أو سعيد بن المسيَّب (تـ 94 هـ/713 م). كما أنّ هذه المقاربة يمكن المزج بينها وبين المنهج التّحليلي "الإسناد والمتن معا" عند تناول أحاديث مُنفَردة وذلك لكي يتسنّى لنا إقصاء الإضافات التي زِيدَت لاحقا والأسانيد الموضوعة. فالمزج بين المقاربتين يُسلِّط الضّوء على ما اعتبره كبار رواة سيرة محمّد الأوائل ذا أهميّة من جهة، ومن جهة ثانية، على ما تركوه ولم يُحدِّثوا به. كما أنّ هذه المقاربة المزدوجة تعطي أيضا صورة أكثر وضوحا عن عمليّة نقل الحديث وروايته.
3- أحاديث عروة بن الزّبير والسّيرة النبويّة
هناك عدّة محاولات وقع القيام بها من أجل جمع مدوّنات من أقدم النّصوص لبعض أقدم رواة سيرة محمّد. وقد حظيت الأحاديث المرفوعة لعروة بن الزّبير باهتمام كبير وكانت أوّل مجموعة من الأحاديث طُبِّق عليها منهج "الإسناد والمتن معا".
لقد أظهر تحليل مجموعة أحاديثِ عُروة أنّ أطول الأخبار المنسوبة إليه تقتصِر على سبعة أحداث تتعلّق بحياة محمّد، وأنّ معظم هذه الاحداث كانت قد وقعت بعد الهجرة. نجد فقط روايتيْن ترتبطان بفترة ما قبل الهجرة، الأولى تحكي خَبرَ أوَّل ما نزل من الوحي، والثّانية تتعلّق بوضع المسلمين في مكّة واضطهاد قريش لهم وهو ما سيُجبِرهم في النّهاية على مغادرة ديارهم والهجرة إلى يثرب. أمّا باقي الأحاديث فهي تخصّ معركة بدر، ومعركة مُؤتَة، وحادثة الإفك بخصوص عائشة زوج الرّسول، وصُلح الحديبية وفتح مكّة، وكذلك الغزوات اللاّحقة بما فيها غزوة حُنيْن وغزوة الطّائف.
أحاديث عروة بن الزّبير المتعلّقة بالسّيرة النبويّة تختلف على العموم عن الأحاديث المتعلّقة بالتّفسير أو الفقه بالرّغم من وجود بعض التّداخل فيما بينها وتَكَرُّرِها داخل مختلف المصنّفات. إنّ هذه التمايزات بين طرق النّقل يمكن اعتبارها دليلا على أنّ الأسانيد ليست مجرّد اختراعات اعتباطيّة. إلاّ أنّه وفي حين أنّ بعض الأحاديث تكون موثَّقة توثيقا جيّدا ونجدها قد أُخْرِجت من طُرق عدّة مستقلّة، هناك بعض الأحاديث يبدو أنّها موضوعة إمّا من طرف الواقدي أو حتّى من قِبَل ابن إسحاق نفسه.
من خلال استخدام منهج "الإسناد والمتن معا" يكون من الممكن أن نُعيد بناء محتويات أخبار عروة بخصوص الأحداث التي سبق ذكرها. في أغلب الأحيان نرى أنّ هذه المحتويات تتمثّل في لمحة عامّة عن الواقعة التي ترويها. وإذا كان من الممكن في بعض الحالات أن نبيِّن بأنّ جُمَلا بسيطة تعود إلى عروة، فإنّه إجمالا يستحيل علينا أن نُعيد تركيب الصّياغة اللّفظية الأصليّة لمرويّاته.
من الجدير بالذّكر أنّ العديد من النَّزعات، في نقل الحديث، المذكورة أعلاه، والتي وقع اعتمادها كبراهين على عدم مصداقيّة الأحاديث، يمكن إقامة الدّليل على أنّها إقحامات أو تحريفات لاحقة لا تعود إلى عُروة. مثلا، أحاديث عروة لا تحتوي على ايّ إشارة تاريخيّة. مرّة واحدة فقط نرى حديثا يُشير إلى حادثة وقعت في شهر رمضان، ولكن بدون ذِكْر السّنة. كذلك نلاحظ أنّ العديد من الآيات القرآنيّة التي ربطها التّراث لاحقا بأحداث معيَّنة لا تظهر في الأحاديث المروّية عن عروة، هذا بالرّغم من وجود القليل النّادر من الإشارات إلى الآيات. وبالمثل، فإنّ الأحاديث الفقهيّة، التي غالبا ما ترتبط بأحداث مُعيَّنة من حياة محمّد كمحاولة لدعم أحكام فقهيّة محدَّدة، لا نجد لا أثرا في مرويّات عُروة التّاريخيّة.
في هذا السّياق، تستحقّ رسائل عُروة إلى الخليفة عبد الملك (الذي حكم من 65 هـ/685 م إلى 86 هـ/705 م) اهتماما خاصّا، إذ كان يكتب رواياته عن السّيرة والمغازي وكان يُرسِلها إلى البلاط الأموي على شكل رسائل. إنّ مضمون هذه الرّسائل تؤكِّده أحاديث طويلة أخرى منسوبة إليه ونقلها عنه تلاميذه كلّ على حدة، الشّيء الذي يسمح لنا بالتّالي أن نُرجِعها إليه بقدر مّا من اليّقين. مقارنة مع أحاديث أخرى، فإنّنا نلاحظ أنّ رسائل عروة تشتمل على مواصفات تجعلنا نعتقد أنّها لم تكن قد تأثّرت تأثيرا كبيرا بعمليّات التّنقيح والمراجعة من قِبل المحدّثين والأخباريّين. وهي في الحقيقة رسائل تكتفي بسرد الوقائع والأحداث، ولا تحتوي تقريبا على أيّ قصص خارقة، كما أنّها لا يَعْتَر أسلوبَها التزويق والتّنميق وتجميل الأحداث. فالأشخاص الذين لعبوا في وقت لاحق دورا حاسما في بدايات الإسلام مثل الخلفاء الرّاشدين لا يظهرون بشكل بارز في هذه الرّسائل. إضافة إلى ذلك، نرى عُروة يَغْفَل فيها عن الأسانيد، إذ يذكرها أحيانا وأحيانا يتركها مُكتَفيًا بتصدير الحديث النبويّ بعبارات مُختصرَة مثل: "زُعِم أنّ النبيّ قال...".
يُرجِّح جوزف هروروفتس أنّ رسائل عروة بن الزّبير تشكّل أقدم المدوَّنات التي حُفِظت لنا عن حوادث متعلِّقة بحياة النبيّ، كما تمثِّل أقدم نصوص النثر التّاريخي العربي. غير أنّ وجهة النّظر هذه قابلة للنّقاش، إذ أنّ الرّسائل كانت تنتقل عن طريق التّلقين مثلما كان الشّأن مع الأحاديث الأخرى، وبالتّالي فهي تكون عُرضَة للتّغيير والتّنقيح زيادة أو نقصانا. ومع ذلك يبدو أنّها شهدت، كما ذكرنا سابقا، تحويرات أقلّ بكثير ممّا شهدته أحاديث أخرى أثناء عمليّة النّقل.
إنّ القيام بمقارنة، بين مدوّنة أحاديث عُروة ومدوّنات رُواةٍ آخرين من الجيل الأول حول حياة محمّد، من حيث المحتوى واستعمال الآيات القرآنيّة، ومن حيث الأسلوب، وكذلك بعض الميول السّياسيّة أو الفقهيّة أو اللاّهوتيّة، قد يكون من شأنه أن يُعزِّز بصورة كبيرة معرفتنا بالشّكل الذي اتّخذته أقدم الأحاديث المتعلّقة بحياة النبيّ والطريقة التي تمّت من خلالها عمليّة نقلها، كما أنّ ذلك قد يساعدنا في الحصول على صورة أكثر دقّة لما كان أشهر الرّواة قد اعتبروه أكثر أهميّة في حياة محمّد وما هي الأحداث التي من الممكن أن تكون قد أُقْحِمت في سيرته في فترة زمنيّة متأخِّرة.
غير أنّ هذه المقاربة تبقى هي أيضا محدودة. لا لشيء سوى أنّه لا يوجد إلاّ عدد قليل من الرّواة المبكِّرين للسّيرة النبويّة وصلتنا منهم مجموعة كافية من الأحاديث لإجراء تحليل ممكن من هذا الصّنف. وفي أفضل الأحوال، نرى أنّ الأحاديث التي يمكن إعادة بنائها تعود إلى ما لا يقلّ عن 40 أو 60 سنة بعد الأحداث التي ترويها.
في السّنوات القادمة قد يكون من الممكن القيام ببحوث تعتمد في الآن نفسه على منهج "الإسناد والمتن معا" وتحليل وتمحيص المجموعات الحديثيّة وذلك بشكل أكثر نجاعة. كما أنّنا نشهد تزايد نشر المصادر أكثر فأكثر الشيء الذي من شأنه زيادة عدد الأحاديث وتنوّعها وَمدِّنا بقاعدة أكثر صلابة للقيام بهذه التّحاليل. أيضا نلاحظ أنّ الحصول على هذه الأحاديث أصبح أسهل بكثير من ذي قبل من خلال رَقْمَنتِها ووضعها على الأنترنيت.
أمّا المقاربة الرّبعة، التي لم يتمّ اتّباعها إلى حدّ اليوم بشكل واسع، فهي تتمثّل في تحليل الخصوصيّات اللّسانيّة للنّصوص محلّ الدّراسة. فهناك نوع أدبيّ كامل يتناول بالبحث ما ندر من الألفاظ في الأحاديث ونعني به أدب "غريب الحديث". هذه الأعمال مهمّتها الأساسيّة جمع وشرح الألفاظ التي قاومت تَجدَّد اللّغة وتبسيطها وتكييفها عبر الزّمن ممّا استوجَب تفسيرها في وقت لاحق. غير أنّ هذا لا يَعني بالضّرورة أنّ كلّ كلمة نادرة نُسِبت لمحمّد هي كلمة نطق بها فعلا، كما أنّه لا يمكن الحكم على نصّ بأنّه قديم برمّته لا لشيء إلاّ لأنّه يحتوي على بعض الألفاظ النّادِرة والتي عفا عليها الزّمن. وبالمقابل، نجد بعض النّصوص تحتوي ليس فقط على بعض الكلمات النّادرة والمعزولة ولكنّها تحتوي على العديد من الألفاظ والجملة التي تتطلّب إيجاد تفسير لها. وأشهر مثال على هذا النّوع من النّصوص هو نصّ "وثيقة المدينة" الذي تَعُجّ بالكلمات والجمل النّادرة العتيقة والتي كانت عصيّة على الفهم عند الأجيال اللاّحقة ممّا نتج عنه ضرورة تفسيرها.
هناك مثال آخر يتمثّل في الرّسالة التي يُقال أنّ محمّد كتبها لأُكَيْدِر دومة، ملك دومة الجندل الواقعة شمال الجزيرة العربيّة. الرّسالة هي عبارة على اتّفاق يضبط حقوق استخدام الأراضي ومصادر الماء. وهذا هو نصّ الرّسالة كاملا:
"من محمد رسول الله لأكيدر دومة حين أجاب الى الاسلام، وخلع الأنداد والأصنام، مع خالد بن الوليد سيف الله في دومة الجندل وأكنافها: إن لنا الضاحية من الضحل والبور والمعامي وأغفال الارض والحلقة والسلاح والحافر والحصن. ولكم الضامنة من النخل، والمعين من المعمور، لا تعدل سارحتكم، ولا تعد فارتكم، ولا يحظر عليكم النبات، تقيمون الصلاة لوقتها، وتؤتون الزكاة بحقها، عليكم بذلك عهد الله والميثاق. ولكم بذلك الصدق والوفاء شهد الله تبارك وتعالى ومن حضر من المسلمين".
وقد وجد الفقيه أبو عبيدة القاسم بن سلام نفسه مُجبَرا على شرح ثلاثة عشر كلمة وعبارة من هذه الرّسالة القصيرة، أي ما يعادل تقريبا نصفها (كتاب الأموال، ص 301-304). إنّ عدد الألفاظ النّادرة المرتفع يجعل من هذه الرّسالة بالفعل رسالة قديمة، مع العلم أنّ هذا لا يدلّ بالضرّورة على أنّ نِسبَتها للنّبي أكيدة وثابتة. يبدو من المحتمل جدّا أنّ الصّياغة اللّفظية في نقل المعاهدات والمواثيق تحظى باهتمام أكبر منها في نقل الأحاديث. وما يدعم هذه الفرضيّة هو أنّ هذا الصّنف من الوثائق لا توجد له نُسخ وصياغات متنوِّعة على غرار ما نجده سائدا في الأحاديث الأخرى. ولقد لاحظنا نفس هذا التوجّه في الرّسائل التي بعث بها عروة بن الزّبير إلى الخليفة عبد الملك والتي ذكرناها آنف. إنّ تحليلا مُمَنهَجا لأدب غريب الحديث يمكنه أن يقودنا إلى نصوص أخرى قد يتّضح لنا أنّها من أقدم نصوص المأثور الإسلامي.
4- القيمة المحدودة للأحاديث المتعلّقة بالسّيرة النبويّة
إنّ النّتائج التي يمكن التوصّل إليها من مثل هذه المقاربة هي بطبيعة الحال نتائج محدودة. فإذا كان من المرجّح، بواسطة هذه الطّريقة، أن نتمكّن بعد النّبش أن نستخرج من المأثور بعض النّصوص التي يعود تاريخها إلى القرن الأوّل، فإنّه من لا يمكننا أن نستبعد احتمال أن يكون المأثور الإسلامي قد وضع هذه النّصوص في سياق مُزَوَّر أو أنّ إضافات وحذوفات أو تغييرات وقع إدخالها على الأحاديث وتكون قد طرأت خلال عمليّة النّقل. إلاّ أنّ أبو عبيد، في المثال الذي سقناه أعلاه، يؤكِّد أنّه رأى نصّ الوثيقة بأمّ عينيه وأنّه نقله كلمة كلمة، فهو يصرّح: "أمّا هذا الكتاب فأنا قرأت نسخته وأتاني به شيخ هناك مكتوبا في قضيم [الجلد الأبيض] فنَسَخْتُه حَرفًا حَرفًا..." (ص 301). فليس من المستبعد إذن أن يكون قد قام فعلا بعمليّة نسخ مباشر من الوثيقة الأصليّة. في هذه الحالة، وإذا صحّ ذلك، فإنّ تعاطينا مع النّص سوف يقتصر فقط على التّعامل مع أخطاء الرّسم؛ وهكذا قد تكون بحوزتنا وثيقة قصيرة ولكن يمكن أن ننسبها لمحمّد. بواسطة هذه المناهج الأربعة التي قدّمناها هنا بعجالة، نستطيع أن نعرف الكثير بخصوص موضوع أولى الأحاديث عن سيرة محمّد، كيف كان شكلها وكيف كانت قد تغيّرَت مع مرور الزّمن وتطوّر السّياقات والظّروف. كما أنّه من الممكن من خلال هذه المناهج أن نُبرِز كيف أنّ مختلف المذاهب والأهواء التي نَحَتت الأحاديث حول السيرة النبويّة وصاغتها على مذاقها لم تُؤثِّر في هذه الأحاديث القديمة أو فعلت فيها ذلك لمدّة زمنيّة قصيرة. بالإضافة إلى هذا فإنّ التّحليل اللّغوي يُتيح لنا أيضا تأريخَ نصَّيْن يعودان إلى قرن الإسلام الأوّل وذلك بدرجة إحتمال عالية نسبيّا. وهكذا يمكننا تقليص الفارق الزّمني إلى 40 أو 60 سنة بين أكثر الأحاديث قِدَما، أو النّصوص التي يمكن إعادة بنائها، وبين الوقائع التي ترويها هذه الأحاديث.
حتّى ولو افترضنا جدلا أنّ هذه الأحاديث القديمة تعكس بصورة جيّدة الخطوط العريضة للأحداث، كما تقترحه بحوثٌ في تاريخ التّقاليد الشفهيّة، فإنّ كميّة الوقائع التّاريخيّة المتعلّقة بحياة محمّد والتي يمكن استخلاصها بهذه الطّريقة تظلّ كميّة ضئيلة. إذا أخذنا مثلا أحاديث عروة بن الزّبير كأساس فإنّ الأحداث التّالية، والمتعلّقة بفترة ما قبل الهجرة، هي وحدها على الأرجح التي يمكن أن نعتبرها أحداثا تاريخيّة، وهي كما يلي: عندما بدأ محمّد يستلم الوحيّ من الله انتابه قبل كلّ شيء نوع من الذّعر والكَرب، ثمّ انطلق فيما بعد ينشر الرّسالة التي تلقّاها من ربّه. في البداية، كانت ردود فعل أهل مكّة تتراوح بين اللاّمبالاة والتّعاطف. لكنّ الأشياء تغيّرت عندما بدأ محمّد يهاجم آلهتهم وبدأت قريش تتحرّش بمن أسلَم منهم ودخل في الدّين الجديد ممّا اضطرّ بعضَهم إلى الهجرة إلى الحبشة. ثمّ تحسّنت الأوضاع في مكّة لفترة زمنيّة قصيرة وبدأ المسلمون يهاجرون إلى المدينة. وبالنّهاية، لحق بهم محمّد صُحبَة أبو بكر واستقرّ به الحال في المدينة. هذا تقريبا كلّ ما يمكن أن نستشفّه كأحداث تاريخيّة مُحتمَلة تُغطّيها أحاديث عروة في فترة ما قبل الهجرة. وهذه التّغطية للأحداث تُصبِح أفضل بكثير بخصوص فترة ما بعد الهجرة، فكما سبق ورأينا فإنّ مدوّنة عروة بن الزّبير تحتوي على أحاديث أطول تتعلّق بهذه الفترة، وبالأخصّ معركة بدر، معركة مؤته، حديث الإفك وغزوة الحديبية وفتح مكّة وما نتج عنه من أحداث. غير أنّنا نلاحظ وجود عددا من الوقائع الهمّة التي لا نجد لها أثرا في أحاديث عروة مثل معركة أُحُد أو حجَّة الوداع. بعض هذه الفراغات يمكن ملؤها وتداركها حينما تكون الأحاديث والنّصوص والمدوّنات قد وقعت دراستها وتحليلها تحليلا مُمَنْهجا ودقيقا ووقعت مقارنتها بعضها إزاء البعض الآخر، ولكن المشكلة تكمن في وجود عوائق كامنة ومتأصِّلة في طبيعة هذه الموادّ. على سبيل المثال، لا يمكن إعطاء تواريخ مضبوطة للأحداث في سيرة محمّد وستبقى دائمة مسألة حَدس وتخمين. فمن الواضح أنّ أولى رُواة السيرة النبويّة لم يكن تأريخ الأحداث بدقّة شغلهم الشّاغل. ولم يظهر الاهتمام بهذه المسالة إلاّ بعد جيل أو جيلَيْن. ومع ذلك، فمن الممكن تطوير كرونولجيا تقريبيّة، لأن بعض الرّوايات تفترض وقوع بعض الأحداث في فترة مُعيّنة سابقة.
لا ينبغي لنا أن نثمِّن قيمة الموادّ المتعلّقة بحياة محمّد، التي جُمِعت من المصادر الأدبيّة الإسلاميّة، ككلّ وبشكل إجمالي. ذلك لأنّ هناك عدّة أصناف من الموادّ تتنوّع فيما بينها تنوّعا شديدا بخصوص قابليّتها للخضوع لإعادة بنائها بناءً تاريخيّا. والمقاربات الأربع التي عرضناها هنا تهدف بالأساس إلى غربلة أجزاء المأثور الإسلامي التي تحتوي على معلومات موثوقة حول سيرة محمّد وفصلها عن الأجزاء الأخرى التي لا تتلاءم مع مثل هذه الدّراسات والتّحاليل. وإذا سرنا على هذا الدّرب فإنّه بإمكاننا أن نُضيف شيئا فشيئا لَبِنات أخرى لإعادة صياغة سيرة محمّد التّاريخي. وعلى الرّغم من أنّنا لن نَبلُغ أبدا درجة تفاؤل المفكِّر الفرنسي إرنست رينان الذي قرّر أنّ الإسلام وُلد في "نور التّاريخ السّاطع"، وأنّ "حياة محمّد معروفة لدينا معرفة جيّدة كمعرفتنا بحياة أيّ شخصيّة إصلاحيّة في القرن السّادس عشر"، فإنّه من الأفضل لنا أن نستشرف التوصّل، على أقلّ تقدير، إلى تكوين فكرة واضحة عن الجزء الأخير من حياة محمّد حتّى ولو كان ذلك في حدود خطوطها العريضة.







التعليقات


1 - انطباع
على سالم ( 2019 / 2 / 23 - 15:20 )
هذا اكيد وقت فارق ورائع , عندما يسطع النور ويذهب الظلام وتذعر الخفافيش فى اوكارها , عندما تتكسر الاغلال والارهاب وسحق الافكار , عندما نفضح الدجل المقدس ومنظومه العفن والغش والرياء والقمع الممنهج والاغتيال الجسدى والمعنوى , لايصح الا الصحيح , يجب تسميه الاشياء بمسمياتها بعد قرون من الاكاذيب والتضليل والارهاب الفكرى والمجتمعى , هذا الصلعم الواجب فضحه ووضعه فى مكانه الحقيقى وبعيد عن القداسه والتبجيل والعباده والهوس البدوى الاسلامى

اخر الافلام

.. نيوزيلنديون يسلمون أسلحتهم بعد مذبحة المسجدين


.. شوارع #نيوزيلندا.. تقف حداداً على أرواح ضحايا المسجدين


.. رئيسة وزراء نيوزيلندا: وسائل الإعلام ستبث الأذان مباشرة يوم




.. نيوزيلندا: بدء مراسم دفن ضحايا مذبحة المسجدين


.. فيسبوك في ورطة.. بعد بث مجزرة المسجدين عبره