الحوار المتمدن - موبايل



خمس ملاحظات لفهم الهدر الإنساني

عبد الله عنتار

2019 / 2 / 23
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع



في الصفحة 28 من كتابه « الإنسان المهدور: دراسة تحليلية نفسية، ط 2، المركز الثقافي العربي»، يعرف عالم النفس مصطفى حجازي مفهوم الهدر : «ما يبطل من دم أو غيره أي ما يستباح ويمكن سفحه في حالة من زوال حرمته التي تحصنه ضد التعدي عليه»، وأفهم من هذا التعريف أن الإنسان المهدور مبطول الدم وأن هذا الأخير مستباح سفكه، وحرمته غير محصنة، ويمكن التعدي عليه، ولذلك لا قيمة للإنسان المهدور، أي أنه ساقط وباطل كما ورد في معجم المعاني، ومن ثمة فالهدر هو الضياع والحرمان وعدم القيمة.
وفي هذا الإطار سوف ألمس عمليا دلالة الهدر في أربع ملاحظات ميدانية، سجلتها يوم 22 فبراير 2019 على متن الحافلة المتوجهة بين مدينتي الدار البيضاء والمحمدية، فالهدر لا يتعلق بهدر الدم، بل يتجلى في استباحة وتجريد الإنسان من إنسانيته، أي هدر ذاته وغيره داخل منظومة واسعة اسمها منظومة الهدر الإنساني:
الملاحظة الأولى: كانت الحافلة مكتظة عن آخرها، والبشر مكدسون مثل الحجر بلا قيمة ولا كرامة، يتدافعون كما تتدافع القطعان كما أن كراسيها متسخة ونوافذها مكسرة، وبين أروقتها يتطاير الغبار، وتبدو الحافلة كابن آوى الجريح، لا تحظى بعناية من طرف مسؤوليها، ثم لا تحظى بعناية من طرف الركاب الذين يتركون أزبالهم مرمية على الكراسي، وليس هذا وحسب، بل إنهم يخربون ويكسرون ويحطمون ويفرغون غلهم وحقدهم على حافلة لا حول ولا قوة لها، إنها بمثابة قربان يقدم لضريح الهدر الإنساني، فكما الحافلة تنفث سمومها ودخانها في شوارع المدينة فإنها تحترق من حين لآخر، وتتوقف في الطريق، ولذلك تعبر عن عقلية مهزومة، عقلية بلا أفق ولا مستقبل ولا أمل، إنها تعكس ذهنية تحترق داخليا وخارجيا، إن الحافلة جسد مريض يعبر عن مرض الأمة المغربية، وتوقفها وعدم مواكبتها للسرعة المطلوبة يوحي ببطء الأمل والحياة، ومن هذا المنطلق تختزل الحافلة واقع المغرب كله، وهذا الواقع يوحي بشتى أنواع التبخيس.
الملاحظة الثانية: انطلقت الحافلة شمالا صوب مدينة المحمدية، كانت تعتصر بالضجيج والضوضاء، ولقد بلغ الازدحام حدا لا يطاق، فهناك من هو واقف ملتصق على الباب حتى يكاد يسقط وهو ماسك بالحافلة كمن يمسك بالحياة إلى آخر رمق، وبعد برهة من الزمن صعد شخص يبيع أغلفة البطاقات، وهناك عادة غريبة في الدار البيضاء، وهي أن البائع يحمل المشتري على شراء بضاعته بطريقة مهينة تصل حد التسول، إذ يضع البائع بضاعته أمام المشترين ويقوم بجولة حاثا ومرغبا إياهم على شراء البضاعة، ولئن رفض المسافرون شراء البضاعة يتذمر البائع، ويقول لهم: «تعاونو معايا، واش بغيتوني نمشي نشفر»، ولم يهتم به أحد، فراح يلعن الأرض والسماء والبشر، إذ لم يبع سوى بطاقتين، فشكر امرأتين قبلت بشراء بضاعته، إلا أنه لم يحترم إرادة باقي الركاب في الشراء من عدمه، ولذلك من اللافت القول أن الهدر الإنساني يسكن التبادل كآلية للأخذ والعطاء، فالبائع يهدر قيمة المشتري والمشتري يبخس قيمة البائع، لقد سمعت البائع يقول: «علاش مبغيتوش تعاونو معايا وأنا مقودة علي؟»، ومعنى هذه العبارة: لماذا لم تتعاونوا معي ووضعيتي بائسة، فعلا، إن وضعيته كارثية تدعو إلى الرثاء، صندل مغبر ورأس منفوش وشفتان نالت منهما السجائر، وصدر منخور يكح كحا عميقا، هل من حياة بائسة تفوق هذا البؤس ؟ إنه الهدر الإنساني وقد صار إلها يمشي على قدميه
الملاحظة الثالثة: قطعت الحافلة أربعة كيلومترات تقريبا، و بعد لحظة تقف، فتصعد امرأة تحمل رضيعا، إضافة إلى ابنيها الآخرين اللذين سارعا إلى اختراق البشر المكدسين ، تتزاحم المرأة مع المتزاحمين، تدفع أجر تذكرة واحدة، فتمر هنيهة من الزمن، فتجد نفسها أمام المراقبين، فصرخ في وجهها أحد المراقبين قائلا: «نت هاذ الولاد لاش والداهم ملي باغاش تخلصي عليهم»، أيها المراقب : هل الأمر يعزى إلى هذه السيدة المسكينة ؟ إن الإرادة عمياء و فتاكة ومدمرة، وعلى رأس هذه الإرادة إرادة الجنس، وهو أعمى يخرج الزنابير من أعشاشها لإطعام نسل لن تراه، ويوقظ عاملا في الصباح الباكر للذهاب إلى العمل من أجل إطعام أولاده، وأنت ألم تخرج إلى العمل لإطعام أولادك؟ ومن يدري ؟ قد تكون هذه السيدة تعمل من أجل إطعام هؤلاء الأولاد وتدافع عنهم في سبيل أن يحيوا عندما تموت، فهذه هي إرادة التناسل والجنس التي لا تتفوق عليها أية إرادة أخرى . إلا أن المراقب ينظر إلى ذاته بعنجهية لا تفوقها أية عنجهية أخرى، إنه يقوم بالمراقبة أي أنه حامل للسلطة، وتتجلى هذه السلطة في تمزيق الأوراق، فمن الناحية السيكولوجية يمارس نوعا من الأبوية، فالتمزيق فعل عنيف ويكون المراقب موضع الفاعل، بينما يكون الراكب موضع المفعول به، فاقدا لأية سلطة، وبالتالي عليه تسليم الورقة لكي تكون عرضة للتمزيق، كيف يقبل الراكب تمزيق ورقته مع العلم أنه دفع مقابلا على ذلك ؟ هنا يبرز الهدر، أي الراكب له القابلية للتمزيق مادام يقبل بتمزيق ورقته، وفي بعض الأحيان تتم مراقبة الورقة مرتين أو ثلاث ويتحول الراكب إلى ورقة ممزقة، إن هذه الصورة تختزل رمزيا المآل والحضيضية والدونية التي وصل إليها الإنسان المغربي.
الملاحظة الرابعة: يعثر المراقبون على ضحية لم تدفع ثمن التذكرة، كان ولدا قصيرا، وكانوا يجرونه كما تجر النعاج وفي الوقت نفسه كانوا يحتقرونه ويلعنونه بأتفه العبارات ويفتشون جيوبه وسرواله في موقف مذل، البعض كان يضربه والبعض الآخر كان يركله، وحينما لم يعثروا على شيء رموه خارج الحافلة وهم يسبونه بسباب بذيء.
الملاحظة الخامسة: تصعد عجوز إلى الحافلة، تتوسل إلى الركاب لكي تحصل على كرسي تجلس عليه، تمنحها راكبة مقعدها، وحينما وصلت العجوز إلى نقطة نزولها منحت شابا مكانها وتذكرتها.
الملاحظة السادسة: لما أرادت العجوز أن تنزل ضربت الباب بعنف، ولعنت السائق علنا وسرا لأنه لم يتوقف في النقطة التي تريد بالضبط.
يتبين من خلال ما سبق أن الهدر بنية، فلا يتعلق الأمر بالراكب وحده كذات مهدورة، بل يتعلق الأمر كذلك بالحافلة والمراقب والبائع وصاحب الحافلة، وجميع من يدخلون في هذه البنية الاجتماعية المركبة والمعقدة التي يخترقها الهدر من كل جانب.







اخر الافلام

.. كارثة نيوزيلندا.. سرعة التعافي وحكمة السلطات


.. إمام مسجد النور: الإرهاب لن يكسر النيوزيلنديين


.. مقاومات بعباءة إيران.. سقوط نماذج غزة واليمن ولبنان




.. العراق.. وعبّارة الموت المكتظ


.. هضبة الجولان السورية.. والاعتراف الأميركي بالسيادة الإسرائيل