الحوار المتمدن - موبايل



خرافات الإعجاز في القرآن

سامي الذيب

2019 / 3 / 11
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


سألني احد متابعي عن الترتيب الزمني لآيات التحدي في القرآن.
كان بإمكاني احالته إلى طبعتي العربية للقرآن، ولكننا اليوم في عصر الوجبات السريعة، ولا يتسع الوقت لقراءة الكتب الضخمة.
لذا اود ان انقل لكم هنا ما جاء في مقدمة طبعتي حول الإعجاز البلاغي والغيبي والعلمي والعددي، مع بعض التصرف ودون الهوامش، حيث عرضت موضوع آيات التحدي.
ومن يهمه هذه الطبعة كاملة، يمكنه اما تحميلها مجانا من موقعي
https://goo.gl/MzdTib
أو طلبها من امازون ورقيا
https://goo.gl/GFWK4W

---------

لم يأت في القرآن تعبير «إعجاز» أو «معجزة»، وإن استعمل فعل عجز ومشتقاته في بعض آياته. والإعجاز عند المسلمين القدامى والمحدثين يشير إلا عدم إمكانية الإتيان بمثل القرآن، وهو الدليل عندهم أن القرآن من عند الله. والمعجزة تعني أمرًا خارقًا للعادة مقرون بالتحدي يستدل به صحة رسالة أحد المرسلين والأنبياء، يشير لها القرآن بتعبير «آية».

ويذكر القرآن أن موسى (أنظر مثلًا 39-7: 104-108 و52-11: 96-97) وعيسى (أنظر مثلًا 89-3: 49-50 و112-5: 110) على سبيل المثال قد أثبتا رسالتيهما بواسطة المعجزات - الآيات. بينما لا يذكر القرآن أية معجزة - آية للنبي محمد مشابهة لتلك التي صنعها موسى وعيسى، لا بل برر القرآن عدم قيامه بمعجزات (أنظر تحدي معارضي محمد بأن يقوم بمثل تلك المعجزات الآيات: 55-6: 109 و55-6: 126 و51-10: 20 ورد القرآن عليهم: 41-36: 46 و50-17: 59 و84-30: 58).

وخط الدفاع الذي تبناه القرآن ويتبناه المسلمون إلى يومنا هذا لإثبات مصدره الإلهي هو التحدي. وقد جاء التحدي في خمس آيات هي بالتسلسل التاريخي:
- قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (50-17: 88)
- أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (51-10: 38)
- أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (52-11: 13)
- فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (76-52: 34)
- وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (87-2: 23).

يلاحظ هنا انتقال التحدي من «مثل هذا القرآن» إلى «سورة مثله» إلى «عشر سور مثله» إلى «حديث مثله» إلى «سورة من مثله». وهذه الآيات مكية ما عدا 87-2: 23-24 (سورة البقرة) التي نزلت بعد الهجرة بقليل.

وبعد الهجرة ترك القرآن التحدي بإعجازه إلى التحدي بآية الحديد التي تقول: «لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ» (94-57: 25). ويقول ابن كثير مفسرًا لهذه الآية:
وقوله تعالى: «وَأَنزْلْنَا ٱلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ» أي: وجعلنا الحديد رادعًا لمن أبى الحق وعانده بعد قيام الحجة عليه، ولهذا أقام رسول الله بمكة بعد النبوة ثلاث عشرة سنة توحى إليه السور المكية، وكلها جدال مع المشركين، وبيان وإيضاح للتوحيد، وبينات ودلالات، فلما قامت الحجة على من خالف، شرع الله الهجرة، وأمرهم بالقتال بالسيوف وضرب الرقاب والهام لمن خالف القرآن، وكذب به وعانده. وقد روى الإمام أحمد وأبو داود من حديث عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان عن حسان بن عطية عن أبي المنيب الجرشي الشامي عن ابن عمر قال: قال رسول الله: «بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم».
ورغم توقف القرآن عن اللجوء إلى التحدي، استمر العرب بمعارضتهم: «وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ» (88-8: 31-33).

والتحدي القرآني لا معنى له. فكل نص أو عمل أدبي وفني فريد من نوعه ولا يمكن عمل مثله إلا بنسخه. فلا يمكن عمل سيمفونية مثل سيمفونيات بيتهوفن إلا بنسخها. كما لا يمكن ان تأتي بكتاب مثل كليلة ودمنة إلا بنسخه. وقديما قال الفيلسوف الرازي لمحاوره بخصوص إعجاز القرآن:
إنكم تدعون أن المعجزة قائمة موجودة، وهي القران، وتقولون من أنكر ذلك فليأت بمثله ... إن أردتم بمثله في الوجوه التي يتفاضل بها الكلام فعلينا أن نأتيكم بألف مثله من كلام البلغاء والفصحاء والشعراء، وما هو أطلق منه ألفاظًا وأشد اختصارًا في المعاني، وأبلغ أداة وعبارة وأشكل سجعًا، فإن لم ترضوا بذلك فإنا نطالبكم بالمثل الذي تطالبوننا به».

ويلاحظ هنا أن القرآن رغم تحديه، ينكر مسبقًا إمكانية الرد عليه. فهو يقول: «وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ» (87-2: 23-24). وهو ما أطلق عليه المعتزلة اسم «الصرفة»، «أي أن الله صرف العرب عن معارضته وسلب عقولهم، وكان مقدورًا لهم، لكن عاقهم أمر خارجي، فصار كسائر المعجزات» . ونقل عنهم الشهرستاني في الملل والنحل بخصوص الإعجاز أن الله «منع العرب عن الاهتمام به جبرًا وتعجيزًا، حتى لو خلاهم لكانوا قادرين على أن يأتوا بسورة من مثله بلاغة وفصاحة ونظمًا» . ويكون الإعجاز هنا ليس في النص ولكن في إعجاز الله للبشر بإتيان نص مثل القرآن رغم إمكانية ذلك. ويرى عمر سنخاري أن فكرة التحدي التي جاءت في القرآن تذكر بتحدي الإله زيوس في إلياذة هوميروس لباقي الآلهة إذ عرض عليهم أن يجتمعوا لجر سلسلة من الذهب يمسك هو بطرفها، وينهي زيوس التحدي بقوله إن كل قوتهم لا يمكنها أن تعادل قوته.

وقد تدرج المسلمون في مفهوم الإعجاز ومضمونه، بداية بالإعجاز البلاغي وانتهاءً بالإعجاز العددي، مرورًا بالتحدي العلمي. ولن ندخل هنا في التفاصيل ونكتفي ببعض فقرات تلقي الضوء على الذهنية الإسلامية وكيفية فهم المسلمين للقرآن.

فيما يخص الإعجاز البلاغي، ذكرنا عند تكلمنا عن غريب القرآن المشاكل التي يتضمنها والتي تنفي عنه صفة البلاغة. فعدد من كلمات القرآن غير واضحة المعنى وعدد من آياته غريبة التركيب، مقطعة الأوصال وناقصة. ويكفي للاستدلال على ذلك الرجوع إلى كتب التفسير لترى حيرة المفسرين في فهم القرآن، مما جعلهم يقترحون تفاسير كثيرة متناقضة.

وقد يكون أفضل ما كُتب مشككًا في الإعجاز البلاغي للقرآن قول معروف الرصافي:
إن مسألة إعجاز القرآن إن اعتبرت مسألة فنية أدبية محضة لكان للمنطق فيها مجال، وللحجج والبراهين فيها حيال ونزال، ولكن كيف والأفكار غير حرة، وأين والعقائد التقليدية دائبة مستمرة. وأيضًا إن الذين كتبوا في تفسير القرآن وفي إعجازه لم ينشأوا إلا في القرن الثاني، ولم تطلق إذ ذاك للفكر ولا للقول حريته. وفي هذا القرن نشأ الإيمان التقليدي الذي يكون المرء فيه تابعًا لدين أبويه، والذي هو أقوى وأرسخ في قلوب أصحابه من الإيمان الناشيء من أسباب غير التقليد...
وكيف تطلق للناس حرية أفكارهم وأقوالهم في عصر كل ما فيه قائم باسم الدين، فالدولة والحكومة والخليفة والملك والأمير والوزير والقاضي والقائد والجيش، كل ذلك مصبوغ بصبغة الإسلام ومخضوب بخضاب ديني لا نصول له منه. فليس من مصلحة أحد من هؤلاء أن تكون الأفكار حرة خصوصًا في الدين وصبغته، بل رجال الحكم كلهم ولا سيما كبيرهم يعملون في جانب هذه الصبغة على بقاء ما كان على ما كان، ويراقبون النصول منها في السواد الأعظم بكل ما عندهم من حول وطول.
وإن هذه الحالة دائمة مستمرة إلى يومنا هذا، لا بل هي في زماننا أشد وأنكى. فلا يستطيع أحد منا اليوم أن يكتب ما كتبه كتاب السيرة النبوية في عصر التدوين، فضلًا عن نقاشهم فيما رووه وذكروه. هذه مصر، وفيها من أهل العلم والأدب ما فيها، فلا يستطيع أحد منهم أن يكون حرًا في افكاره إذا خطب أو كتب إلا فيما لا يمس الدين. وقد كتب الدكتور حسين هيكل كتابًا في السيرة النبوية لم يأت فيه بأكثر مما قاله الأولون، لأنه غير حر فيما يكتب ويقول. وكيف يكون حرًا وهو يرى الجامع الأزهر مطلًا عليه بعمائمه المكورة على اللجاجة ترقبه بعين الغضب إذا حاد عن طريقها لكي تثور عليه وتمور ومن ورائها السواد الأعظم. ولا ريب أن هذه الحالة أينما وجدت وجد الرياء فهو معها لا يفارقها في كل زمان ومكان. ولله در أبي العلاء إذ قال:
أرائيك فليغفر لي الله زلتي - فديني ودين العالمين رياء
والرياء، قبحه الله، من أكبر الرذائل الاجتماعية لأن فيه التمويه والتضليل وكلاهما من سموم السعادة في الحياة الاجتماعية... فإن قلت: في الزمان الذي نشأ فيه من الفوا كتبًا في إعجاز القرآن قد نشأ أناس من الزنادقة أيضًا وهم أحرار في أفكارهم، فلماذا لم يردوا على هؤلاء ما قالوه في إعجاز القرآن؟ قلت: نعم قد نشأ معهم أناس من الزنادقة أيضًا، ولكنهم ليسوا بأحرار في أفكارهم كما تقول، بل كانت عقوبة الزنديق القتل إذا تكلم بما يخالف الدين. وقد قتل العباسيون كثيرًا من الزنادقة، ولم يكتفوا بقتلهم بل محوا كل ما كتبوه وطمسوا كل أثر تركوه، فأين ما كتبه أولئك الزنادقة وأين الدامغ لابن الرواندي.

ويضيف معروف الرصافي:
لا شك أن البلاغة من التبليغ ... فالمقصود من جميع طرق البلاغة ومناحيها هو الوصول إلى إفهام المعنى للمخاطب على وجه يكون أحسن وقعًا في سمعه وأشد تأثيرًا في نفسه. فكل من استطاع أن يفهم مخاطبه المعنى الذي حاك في صدره وجال في خاطره بأسلوب من أساليب البلاغة فهو بليغ وفي كلامه بلاغة. فالإفهام هو المحور الذي يدور عليه فلك البلاغة. والكلام يبعد عن البلاغة قدر بعده عن فهم المخاطب ويقرب منها قدر قربه منه، ولا يماري في هذا إلا معاند. إن آيات القرآن متفاوتة في بلاغتها، بل فيها ما لا يتمشى مع البلاغة، بل فيها ما لا يتمشى بظاهره مع المعقول. فمنها ما هو غير مفهوم، ومنها ما لا يبلغه الفهم إلا بتأويل وتقدير. وليس هذا القول ببدعة. فالقرآن نفسه قائل بذلك ومعترف به. ففي سورة آل عمران: «هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ» (89-3: 7).

ويشار هنا إلى أن من يجرؤ على مواجهة تحدي الإعجاز البلاغي يتعرض للمخاطر ويُمنع كتابه، كما حدث مع كتاب أنيس شوروس المعنون «الفرقان الحق» . مما يشكل تناقضًا في موقف المسلمين. فمن يتحدى عليه أن يقبل الرد على التحدي وفقًا لمعاييره دون تهديد بالقتل، وإلا لم يعد تحديًا بل تهديدًا.

وهناك أيضًا كثير من الكتب والمقالات حول الإعجاز الغيبي والعلمي للقرآن هدفها إثبات أنه منزل من عند الله. فيقول مؤلفوها إن في القرآن معلومات كانت مجهولة في زمن النبي، مما يبين أن مصدر القرآن هو الله العليم. ونجد مثل هذه الادعاءات أيضًا عند اليهود والمسيحيين. وقد بحث البعض عن الإعجاز العلمي في الشعر الجاهلي بقصد الاستهزاء بأدعياء الإعجاز العلمي في القرآن.

ويقول خالد منتصر في هذه الخصوص:
إن الإعجاز العلمي في القرآن والأحاديث النبوية وهم وأكذوبة كبرى يسترزق منها البعض ويجعلون منها بيزنس... من يروجون للإعجاز العلمي لا يحترمون العقل بل يتعاملون معنا كبلهاء ومتخلفين ما علينا إلا ان نفتح أفواهنا مندهشين ومسبحين بمعجزاتهم بعد كلامهم الملفوف الغامض الذي يعجب معظم المسلمين بسبب الدونية التي يحسون بها وعقدة النقص التي تتملكهم والفجوة التي ما زالت تتسع بيننا وبين الغرب فلم نعد نملك من متاع الحياة إلا أن نغيظهم بأننا الأجدع والأفضل وأن كل ما ينعمون به وما يعيشون فيه من علوم وتكنولوجيا تحدث عنها قرآننا قبلهم بألف وأربعمائة سنة.
ويضيف ساخرًا:
يصف شاعرنا العظيم المتنبي الحمى في البيت الشهير الذي يقول:
وزائرتي كأن بها حياء - فليس تزور إلا في الظلام
وبعد قراءة هذا البيت من الممكن تدبيج واختراع عدة أبحاث في جامعات بوركينافاسو وجزر القمر والأسكيمو تتحدث عن أن أغلب أنواع الحمى تتصاعد حدتها في الليل وبهذا نثبت أن المتنبي لم يكن كاذبًا حين ادعى النبوة... إلخ! صدقوني ليست هذه سخرية ولكنه نفس الأسلوب الذي يتبعه زغلول النجار في صفحته المؤجرة بجريدة الأهرام الموقرة .
وننقل عنه واحدًا من عدة أمثلة يبين فيها كيف يتم التلاعب بالآيات. فسورة النجم تقول: وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى (23-53: 45-46). وقد استخدمها دعاة الإعجاز العلمي لإثبات أن القرآن قد سبق الغرب في إثبات أن الرجل هو المسؤول عن تحديد جنس المولود. ويذكر شعر زوجة أبي حمزة العيني والذي هجرها بعد أن ولدت بنتًا فقالت:
ما لأبي حمزة لا يأتينا - ظل في البيت الذي يلينا
غضبان ألا نلد البنينا - تالله ما ذلك في أيدينا
ونحن كأرض لزارعها - ننبت ما قد زرعوه فينا
فهل نصرخ كما صرخ الإعجازيون ونقول إن هذه المرأة البدوية البسيطة يتساقط من فمها إعجاز علمي ويجب أن نقيم لها مقامًا وكعبة؟

وكما يشير خالد منتصر، فإن إقحام القرآن في الإعجاز العلمي يؤدي في النهاية إلى ضياع كل من الدين والعلم، فالقرآن ليس كتابًا علميًا بل كتاب هداية، كلم الناس في القرن السابع الميلادي على قدر عقولهم ومعلوماتهم. والقول بأن في القرآن إعجازًا علميًا يجبر الآخرين بإثبات العكس وهو ما سيضع المسلمين أنفسهم في حيرة. وليس عجبًا إن رأينا اليوم موجة من الإلحاد لم يسبق لها مثيل في التاريخ الإسلامي، سببها لغط المهرجين وتجار الدين. وللعلم، فقد ذاق الغرب ذاته ويلات الربط بين العلم والدين. ولا داع هنا للتذكير بمحاكمة جاليليو لأنه قال بدوران الأرض حول الشمس، والتي توازيها فتوى ابن باز الذي يكفر من يقول بدوران الأرض وعدم جريان الشمس ويطالب بقتله كمرتد.

وقد أدى الاعتقاد بأن التوراة والإنجيل والقرآن كلام الله إلى ولع بعمليات حسابية يبغي من ورائها المصابون بهذا الداء إثبات اعتقادهم. وقد كان أول من سلك هذا المسلك عند المسلمين الدكتور رشاد خليفة. فقد نّبَّه إلى تميز الرقم 19 في القرآن (وهو الرقم الذي جاء في الآية 4-74: 30). وقد استقبل المسلمون نظريته هذه بالتزمير والتطبيل والتهليل. إلا أن حساباته اصطدمت بآيتين أفسدت عليه نظريته وهما الآيتان 113-9: 128 و129: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ. فحكم عليهما بأنهما شيطانيتان وطالب بحذفهما. وفعلًا قام بحذفهما من ترجمته الإنكليزية للقرآن . إلا أن المسلمين لم يتنبهوا منه إلا بعدما أعلن عن رأيه في أن الحديث النبوي هو من صنع الشيطان ، وأنه رسول مرسل من عند الله معتمدًا في ذلك على الآية 89-3: 81: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آَتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ. كما ادعى ان اسمه رشاد جاء ذكره في الآيتين 60-40: 29 و60-40: 38. فصدرت ضده فتوى اعتبرته مرتدًا عن الإسلام ، قام على أثرها أحد المسلمين باغتياله عام 1990.

وقد حذا حذو رشاد خليفة تلميذه التركي أديب يوكسل الذي هاجر إلى الولايات المتحدة بفضل وساطته. وهناك من يرى في الترتيب الحالي للقرآن إعجازًا، تمامًا كما رأى البعض سابقًا في الأخطاء اللغوية أيضًا إعجازًا. يقول جلغوم في كتابه معجزة الترتيب القرآني:
إن غياب حقيقة ترتيب القرآن الكريم جعل البعض يتصور أن لا ترتيب له بل هو فوضوي لا يخضع لأي نظام عقلي أو منطقي كما وصفه محمد أركون. ولهذا فإن مسؤولية تقديم صورة صحيحة لترتيب القرآن الكريم للآخرين تقع على عاتقنا وعلينا أن نبحث عن كل ما يمكن أن يحقق هذا الهدف. ولعل في لغة الأرقام ما يصلح لذلك. فلماذا لا تكون إحدى وسائلنا في تقديم القرآن الكريم لهم؟ أليس في لغة الأرقام ما يعوضنا عن القصور في فهم بلاغته؟ ولمن يزعم الجهل بالعربية ألا يمكن أن يجد في لغة الأرقام ما يعوضه عن الجهل بها؟ [...] فإذا انتهينا إلى هذا الرأي بأن ترتيب سور القرآن وآياته من عند الله، فما العجب أن يكون وجهًا من وجوه إعجاز القرآن الكريم، وأن يكون كتابًا محكمًا منظمًا مرتبًا بقوانين رياضية؟ [...] إن سمة النظام والترتيب ظاهرة في كل ما في الكون ولا ينكر ذلك أحد. فلماذا لا يكون القرآن كذلك؟ هل يرتب الله كل شيء في هذا الكون من الذرة إلى المجرة ويستثني من ذلك كتابه الكريم؟

وفي نقاش في منتدى يدعى «ملتقى أهل التفسير» كتب جلغوم: «ترتيب القرآن الكريم هو ترتيب توقيفي تم بالوحي ومن عند الله، وهو ترتيب رياضي محكم، والحكمة من هذا الترتيب (ترتيب القرآن على غير ترتيب نزوله) إقامة الحجة على المنكرين والمفترين لألوهية القرآن في عصرنا هذا، بلغة الأرقام اللغة العالمية المشتركة بين الناس جميعًا». ويضيف: «القرآن محاط بسياج منيع من الأنظمة الرياضية (أنظمة الحماية) دليلًا على أنه كتاب إلهي وليس من تأليف النبي، أو غيره كما يزعم خصوم القرآن» . وهذا المؤلف يريد أن يثبت إعجاز ترتيب القرآن من خلال الإعجاز العددي، ابتداءً من مقدمة لا إثبات لها. فمن أين جاء هذا المؤلف وغيره بمقولة أن القرآن كتاب الله؟ فليس هناك ما يسمى كتاب الله إلا في مخيلة المؤمنين، إذ أن كل الكتب بشرية بطبيعتها.

وحقيقة الأمر، لا ينظر الباحث إلى الجدل حول إعجاز القرآن بأشكاله المختلفة إلا كمن يبحث في الأساطير والخرافات كظاهرة اجتماعية. فمن البديهيات أن كل كتاب أو نص هو من تأليف البشر حتى ولو لم يُعرف مؤلفه، كما هو الأمر مع ألف ليلة وليلة. والقول بغير ذلك ضرب من الجنون، وما أكثر المصابين بهذا الجنون بين أتباع الديانات السماوية، حتى بين حاملي الشهادات الجامعية، مما يشكك في سلامة التعليم في الجامعات التي تخرجوا منها. ولذلك لن نتعرض إلا نادرًا لمثل هذه الخزعبلات التي تُحمِّل النصوص ما لا تحتمل. والأساطير بحد ذاتها لا ضرر من ورائها إلا إذا كانت لها عواقب اجتماعية تتصادم مع مباديء حقوق الإنسان المتعارف عليها في أيامنا.
.
النبي د. سامي الذيب
مدير مركز القانون العربي والإسلامي http://www.sami-aldeeb.com
طبعتي العربية وترجمتي الفرنسية والإنكليزية والإيطالية للقرآن بالتسلسل التاريخي وكتابي الأخطاء اللغوية في القرآن وكتبي الأخرى: https://sami-aldeeb.com/livres-books
يمكنكم التبرع لدعم ابحاثي https://www.paypal.me/aldeeb







التعليقات


1 - لنهتف عاليا ... سلوات سلوات الحلو فات
ابو حسين الحجيمي ( 2019 / 3 / 11 - 13:56 )
ومن المعجزات التي اقترنت بيوم ولادة خير البرية وفخر الكائنات وسيد ولد آدم ان أنشق أيوان كسرى في مدينة سلمان باك قرب بغداد وفاضت بحيرة ساوة قرب مدينة السماوة ... !!! اما معجزات علي بن ابي طالب فلا تحصى يكفي ان اذكر منها ان الشمس قد ردت له لكي يلحق بصلاة الظهر مع جيشه في منطقة
براثا بالعطيفية ...!!! قولوا معى سلوات سلوات

اخر الافلام

.. ميليشيا أسد الطائفية تسير دوريات في مدينة درعا - سوريا


.. نهاية تنظيم -الدولة الإسلامية- لا تعني نهاية التهديد الإرهاب


.. فيديريكا موغيريني: رهاب الإسلام يهدد الجميع لا المسلمين فقط…




.. ميليشيا أسد الطائفية تسير دوريات في مدينة درعا - سوريا


.. جدل متواصل بمنصات التواصل الروسية بشأن مذبحة المسجدين بنيوزي