الحوار المتمدن - موبايل



قراءات أفقيّة في السّيرة النبويّة (11)

ناصر بن رجب

2019 / 3 / 11
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


لكي يتمكّن مؤلِّفو المغازي من الحصول على روايات متماسكة من الموادّ التي بحوزتهم، كان تقريبا من المحتَّم عليهم الإمتناع عن ذِكْر مُخبِريهم. فنحن غالبا ما نجد عند أقدم كبار مؤلِّفي المغازي، كعروة بن الزّبير (تـ 93 هـ أو 94 هـ)، وسعيد بن المسيّب (تـ 94 هـ)، وابن شهاب الزّهري (تـ 125 هـ) أحاديث دون أيّ إشارة لمصادرها. وهذا النّوع من التّلاعب بالموادّ هو بالضّبط الذي يسمح بتعقُّب أصولها في مجال المغازي وليس في مجال الحديث. وهذا ينطبق بشكل رئيسي على الأخبار الطويلة التي تشتمل على روايات كاملة لما جرى في حَدَث معيَّن، وهي روايات معظمها يتعرّض لأحداث عُظمى في حياة محمّد مثل بداية نزول الوحي، والهجرة، ومعركة بدر وأُحُد، وصُلح الحديبية، وغزو مكّة... عادة ما تتكوّن الرّوايات الطويلة المتعلّقة بهذه الأحداث من عدّة عناصر يتمّ دمجها في سرد متماسك. وهذه العناصر تتشكّل من وحدات مختلفة ومستقلّة يمكن معاينتها في نُسخ مختلفة من الرّوايات، وهي تتجلّى لنا عادة في ترتيب مختلف، كما أنّها أحيانا تظهر في سياقات متباينة. تفترض هذه القصص في كثير من الأحيان راوِيا له معرفة كليّة، راوِيا يَعرف الوقائع ويُخبِر بما حدث، وبما قِيلَ في معسكر المسلمين وفي نفس الوقت في معسكر المكيِّين. على سبيل المثال، نرى الجِدالات التي دارت بين المسلمين وتلك التي دارت في صفوف قريش في مكّة (عندما عادت وفودهم من عند محمّد)، وردت في صيغة الخطاب المنقول المباشر في رواية عروة بن الزّبير بخصوص وقائع الحديبية. ولاحقا في نفس الرّواية، نرى أيضا حتّى النّقاش الذي دار بين أبو بصير ومُحَاوِرَيْه جاء في صورة الخطاب المباشر. مثل هذا الصّنف من الرّواة المُلِمّين إلماما كلّيّا بالموضوع لا نجده في ميدان الحديث، حيث أنّ قواعد الرّواية فيه تشترط أن يكون الرّاوي الأصلي شاهِدَ عيان، لا سيما إذا تمَّت الرّواية من خلال الخطاب المنقول المباشر. وسواء كانت هذه الأخبار صادرة حقيقة عن شهود عيان أم أنّها مجرّد تقليد أدبي فإنّ ذلك لا يهمّ هنا. وعلى أيّة حال، يكون من الصّعب ومخالفا لقواعد الرّاوي الأصلي تقديم حوارات لمَشَاهِد لم يكن بإمكان هذا الرّاوي الأصلي حضورها وبالتّالي الإدلاء بشهادته بخصوصها. وهكذا، وبالرّغم من أنّ هذه القصص ليست مطابقة لمعايير الحديث ومقاييسه، فإنّها تظلّ دائما مُعتَبَرة بمثابة أخبار [هذا مع العلم أنّ التفريق بين الحديث والخَبَر كان محلّ جدل بين المُحدِّثين المسلمين ويظلّ كذلك اليوم بين مختلف الباحثين المختصّين في هذا الميدان]. بصفة عامّة، الأعراف الأدبيّة المتّبعة في الأخبار لا تختلف كثيرا عن تلك التي تسود في الحديث، ولكن يبدو أنّه لم يقع التّقيُّد بها بنفس الصّرامة في المجالات الخارجة عن الحديث بالمعنى الضّيق للكلمة. هناك فارق ملحوظ، إذ من ممَيِّزات الأخبار أن يكون الرّاوي فيها غائبا عن السّرد. هذا هو عادة الشّأن بالنّسبة لهذه الرّوايات الطويلة، ولكن ليس بالضّرورة بالنّسبة للحديث.
لقد استند العديد من هذه القصص المعقّدة إلى روايات سابقة صدرت عن مُخبِرين مختلفين وشكّلت أخبارا مُركَّبة. والأخبار المركَّبة تمثّل السّمة المشتركة للمنهجيّة الإسلاميّة في تدوين التّاريخ وذلك على الأقلّ منذ زمن ابن إسحاق والواقدي. وهي تنشأ عن دمج لمختلف الرّوايات في سرديّة واحدة. وعادة ما يُنسَب إلى ابن شهاب الزّهري (تـ 124 هـ/742 م) أنّه مَن أدخل استخدام تقنيّة الأخبار المركّبة. ويبدو أنّ نسبة ذلك إلى الزّهري ترتكز على لجوئه إلى السّنَد الجَمْعي [أي: يجمع الرجال والأسانيد في متنٍ واحد]. ومع ذلك، فقد أُقيم الدّليل على أنّ رُواة المغازي السّابقين كانوا يجمعون مختلف الرّوايات ويسوقونها سياقة واحدة متناسِقة وذلك بالرّغم من أنّهم لم يُقدِّموها بسند جمْعي. وإجراء مقارنة بين نسخ مختلفة من أخبار المغازي من شأنها إعطاءَنا الدّليل على أنّ ممارسة دمج الرّوايات في نَسَق واحد كانت ممارسة شائعة بين أوائل شيوخ المغازي. وهناك ممارسة مماثلة يمكن ملاحظتها في ميدان "أيّام العرب" والتي يمكن أن يكون علماء المغازي قد اتّخذوها كنموذج.
في البداية، يبدو أنّ هذه الأخبار كانت قد قُدِّمت بدون ذكر ايّ إسناد. فقط، في وقت لاحق، وربّما تحت تأثير المُحدِّثين، وقع تقديمها بنوع من السّند الجمعي. يمكننا أن نعثُر على روايات خالية من الإسناد تعود إلى شهود عيان وعل سبيل المثال في مرويّات شُرحبيل بن سعد، وعروة بن الزّبير، والزُّهري، ووهب بن مُنبِّه، وعبد الله بن أبي بكر، وعاصم بن عمر، وموسى بن عقبة. وقد بلغ استخدام السّند الجمعي ذروة تطوّره مع الواقدي، مع أنّه يمكن العثور عليه أيضا في كتاب ابن إسحاق. كما يمكن كذلك الكشف عن حالات استُخدِم فيها السند الجمعي مِن موسى بن عقبة، والزّهري إلى عروة بن الزّبير، ولكن يبدو أنّها تمثّل استثناءات وليس القاعدة.
سواء كان بسند جمعي أو بدونه، فإنّ هذه الرّوايات الطويلة والمعقّدة كانت قد نشأت، في كلّ الإحتمالات، في مجال المغازي ولم تنشأ في مجال الحديث. ومع ذلك، يمكن لنا أن نعثر على عدد منها أيضا في المجموعات الحديثيّة، فأحيانا نجدها في أبواب تتناول المغازي، وأحيانا في أبواب أخرى وفقا لمقاصدها الفقهيّة.
وهكذا، فإنّ هذه المرويّات تمكّننا من ملاحظة كيف كان المحدّثون قد تعاملوا مع مادّة كانت في الأصل تشكّل جزءًا من مأثورات المغازي. فعندما نقارن بين النّسخ المختلفة لهذه الرّوايات الطويلة التي تذكرها كتب المغازي، من ناحية، ومصنّفات الحديث من ناحية أخرى، فإنّنا نستطيع أن نعاين بأنّ هذه الرّوايات الطويلة وقع نقلها في بعض الأحيان بشكل كامل في المصنّفات الحديثيّة، والأجزاء الهامّة منها يقع تقديمها غالبا في أبواب مختلفة من نفس المصنَّف: فقد كان بطبيعة الحال اللّجوء إلى إيراد جزء فقط من الحديث يُعتَبر أمرا مقبولا.
في دراسة حول قصّة "حديث الإفك"، خرج ونسبرو، معتمدا في ذلك على تحليل نقدي لثلاث روايات، بنتيجة مفادها أنّ الرّواية التي وردت في صحيح البخاري ما هي إلاّ صياغة جديدة متأخِّرة للرّواية الأصليّة التي جاءت عند ابن إسحاق. وكان الغرض من تقليص القصّة واختزالها في "مَثَل"، حسب ونسبرو، كان يهدف حصريًّا لتقديم مثال ونموذج فقط. غير أنّ غريغور شولر بَيّن، انطلاقا من تحليل نصوص وعديد من الرّوايات المختلفة حول هذا الحدث، أنّ النّسخة المتضمَّنة في صحيح البخاري كانت قريبة جدّا من أقدم رواية لهذه القصّة، في الوقت الذي كان فيه ابن إسحاق قد عمد إلى دمج عدّة مأثورات لتركيب حكايته. وبناء على هذا، فلا شيء يشير، في هذه الحالة، إلى حدوث تغيير متعمَّد للقصّة لكي تُصبِح متطابقة مع شروط المحدّثين.
حديث الإفك هو واحد من القصص الكثيرة المعقَّدة عن حياة محمّد، وهو يعود إلى عروة بن الزّبير، وهو يرد في نسخ متعدِّدة تضمَّنتها في الآن نفسه كُتب المغازي والمجموعات الحديثيّة. نلاحظ أيضا أنّ بعض روايات هذا الحديث وردت بشكل مُتْقَن ومهذَّب أكثر من غيرها، كما أنّ بعضها يحتوي على عناصر سرديّة نراها مفقودة في البعض الآخر من هذه الرّوايات. غير أنّ المُلفِت للنّظر أنّ النُّسخ التي تُقدِّمها المجموعات الحديثيّة نراها لا تختلف بصورة منتظمة تلك التّي تذكرها مصادر أخرى؛ على سبيل المثال، لا نرى فيها على العموم إهمالا لذِكْرِ أسماء أشخاص أو أسماء أماكن. ولكن ما يجب ملاحظته مع ذلك هو أنّ هذه الرّوايات تتوفّر عامّة على سلسلة أسانيد كاملة، في حين أنّها في كتب المغازي يمكن أن تتوّفر على ذلك أو لا.
يمكننا إذن أن نخلُص إلى نتيجة مفادها أنّه عندما يُدمِج المحدّثون في مصنّفاتهم وثائق مبنيّة على روايات طويلة جاءت من كتب المغازي فإنّهم كانوا يحاولون انتقاء النُّسخ الأكثر تطابقا مع معاييرهم. وقد كانوا أيضا يشعرون بأنّ لهم حريّة اختيار عدم ذكر كامل الحديث ولكن الإقتصار على جزء منه فقط، ولكنّهم على العموم لم يعمَدوا إلى إدخال تغييرات في الحديث بغية استنباط نصوص فقهيّة.
ولكنّ الأمور تُصبِح أكثر تعقيدا عندما يتعلّق الأمر بأحاديث قصيرة. فهي أيضا، خلافا للرّوايات الطّويلة أو الأخبار المركَّبة، يمكنها أيضا أن تكون مطابِقة لمعايير الحديث؛ وفي هذه الحالة فإنّه يصعُب تحديد مصدرها وكيف استُخْدمت في ميادين أخرى.
سنتناول فيما يلي حالتيْن. الحالة الأولى تتمثّل في عدّة روايات لحديث يتعرّض لمسألة جواز أكل لحم الصّيد أم لا في حالة الإحرام. وقد مثّلت هذه الرّوايات القاعدة التي على أساسها بنى تيلمان نيجل حجَّته على أنّ موادّ المغازي تَفقِد إطارَها التّاريخي كلّما وقع نقلها إلى ميدان الحديث. قبل كلّ شيء سأقدِّم الرّواية المشترَكة للحديث، ثمّ وجهة نظر نيجل بخصوص توسّع روايات هذا الحديث. رواية صحيح البخاري قُدِّمت على التّالي: "عن عبد الله بن أبي قتادة السلمي عن أبيه رضي الله عنه قال:
"كُنْتُ يَوْمًا جَالِسًا مَعَ رِجَالٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَنْزِلٍ، فِي طَرِيقِ مَكَّةَ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَازِلٌ أَمَامَنَا وَالقَوْمُ مُحْرِمُونَ، وَأَنَا غَيْرُ مُحْرِمٍ، فَأَبْصَرُوا حِمَارًا وَحْشِيًّا، وَأَنَا مَشْغُولٌ أَخْصِفُ نَعْلِي، فَلَمْ يُؤْذِنُونِي بِهِ، وَأَحَبُّوا لَوْ أَنِّي أَبْصَرْتُهُ، وَالتَفَتُّ، فَأَبْصَرْتُهُ فَقُمْتُ إِلَى الفَرَسِ، فَأَسْرَجْتُهُ، ثُمَّ رَكِبْتُ، وَنَسِيتُ السَّوْطَ وَالرُّمْحَ، فَقُلْتُ لَهُمْ: نَاوِلُونِي السَّوْطَ وَالرُّمْحَ، فَقَالُوا: لاَ وَاللَّهِ، لاَ نُعِينُكَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ، فَغَضِبْتُ، فَنَزَلْتُ، فَأَخَذْتُهُمَا، ثُمَّ رَكِبْتُ فَشَدَدْتُ عَلَى الحِمَارِ فَعَقَرْتُهُ، ثُمَّ جِئْتُ بِهِ وَقَدْ مَاتَ، فَوَقَعُوا فِيهِ يَأْكُلُونَهُ، ثُمَّ إِنَّهُمْ شَكُّوا فِي أَكْلِهِمْ إِيَّاهُ وَهُمْ حُرُمٌ، فَرُحْنَا وَخَبَأْتُ العَضُدَ مَعِي، فَأَدْرَكْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَسَأَلْنَاهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: «مَعَكُمْ مِنْهُ شَيْءٌ؟»، فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَنَاوَلْتُهُ العَضُدَ، فَأَكَلَهَا حَتَّى نَفِدَهَا وَهُوَ مُحْرِمٌ"
هناك عدّة روايات لهذا الحديث، وهي تختلف في جزئيّات كثيرة. فأحيانا يُذْكَر أنّ النّبيّ سمَح فقط للحَجيج بأكل اللّحم دون أن يقوم هو شخصيّا بفعل ذلك، وأحيانا نجد ذِكْرا لأسماء أماكن في روايات دون أخرى. بعض الرّوايات تذكر أنّ النّبيّ سأل ما إذا كان أحد من أصحابه كان قد شجَّع أو أمَر أبو قتادة بصيد حمار الوحش ثمّ فقط بعد تأكُّده بأنّ لا أحد قد شجّع أبو قتادة على ذلك يأمر النّبيّ الحجّاج بأكل اللّحم.
هذه الجزئيّات هي بالتّأكيد هامّة فيما يتعلّق بالجانب الفقهي لهذه القصّة: فإذا كان القرآن قد نهى المُحْرِم عن أكل لحم الصّيد "وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا" (المائدة، 96)، فإنّ هذا الحديث يُحِلُّه شريطة ألا يكون المُحْرِم طرفا فاعلا في هذا الصّيد بأيّ شكل من الاشكال. في الواقع، نرى أنّ كلَّ عناصر الحديث وكأنّ لا مهمّة أخرى لها سوى تقديم حُجّة فقهيّة من خلال إظهار الدّور السّلبي الذي لعبه أصحاب أبو قتادة حيث أنّهم رفضوا رفضا باتّا مُساعَدَته على قتل حمار الوحش، فهم لم يدلّوه عليه، ولم يُناولوه السَّوط ولا الرّمح بالرّغم من إلحاحه على ذلك.
العنصر الرّئيسي هنا هو اسم المكان الذي دارت فيه الواقعة، إذ أنّ بعض روايات الحديث تُخبِرنا بأنّ القصّة وقعت سنة صلح الحديبية في الطّريق إلى مكّة. وهو ذات السّياق الذي يضعها فيه الواقدي عندما يذكر أنّها وقعت قريبا من الابواء، وعلى الرّغم من أنّه لا يورِد كلّ التّفاصيل التي ذُكرت أعلاه فإنّ القصّة هي نفسها.
يُصرّ ناجل على أنّ هذا السّياق، أي قصّة خروج محمّد إلى مكّة في شهر ذي القعدة وهو عازم على أداء العمرة رغم خشيته من تعرُّض قريش له ومنعه من ذلك، هو فعلا أصل هذا الحديث. فهو يعتبر أنّ العلاقة مع الحديبية حُذِفت من القصّة في نسختها الحديثيّة، وأنّ سماح محمّد الصّريح بأكل اللّحم، الذي نجده في العديد من الأحاديث، أُضيف لها لاحقا. فقد كانت الغاية هي حذف السّياق التّاريخي للقصّة وخَلْق حُكم فقهي صالح لكلّ زمان ومكان.
إلاّ أنّ وجهة النظر هذه تبقى محلّ نقاش: فهذا الحديث لا يمكن العثور على نسخة منه في سياق مرتبط بصلح الحديبية في أدب المغازي قبل عصر الواقدي. كما أنّه يبدو أنّ ابن إسحاق لم يُورِد هذا الحديث، وفي رأينا لم يذكره موسى بن عقبة، ولا عروة بن الزّبير، ولا الزّهري أو أيّ واحد آخر من كبار رُواة المغازي. من ناحية أخرى، وكما سبق ورأينا ذلك، نرى هذا الحديث حاضرا في العديد من المجموعات الحديثيّة ويلعب دورا هامّا في مسالة جواز أكل المُحْرِم لَحْم الصّيد أم لا. يُقدِّم صحيح مُسلِم تسع روايات من هذا الحديث إلى جانب ستّة أحاديث تعرض وجهة نظر معاكسة مؤكِّدة أنّ محمّدا كان مُحْرِمًا عندما أَهْداه أحَدُهم لحمًا من صيد له ولكنّ محمّدا رفض مع ذلك أكله. هناك مصنّفات حديثيّة أخرى تروي هذا الحديث من وجهة نظر مماثلة: وما حديث أبو قتادة إلاّ واحدا من بين أحاديث متعدّدة تتعلّق بمسألة هل يجوز أم لا للمُحْرِم أكل لحم الصّيد.
في معظم هذه الأحاديث لا نجد إشارة لأيّ سياق تاريخي، في حين أنّ بعض روايات حديث أبو قتادة تقول لنا أنّ الواقعة حدثت في الطّريق إلى الحديبية أو في عام الحديبية. ومن المفيد أن نتمعّن في الأسانيد: كلّ الرّوايات التي تشير إلى الحديبية لها راوية مشترك وهو يحيى بن أبي كثير، في حين أنّ يحيى هذا لا يوجد في سلسلة إسناد أيّ نسخة من الحديث لا يرد فيها ذكر الحديبية. الإستثناء الوحيد يتمثّل في رواية الواقدي التي تذكر الحديبية ولكن لا نجد في إسنادها يحيى بن ابي كثير. غير أنّ الواقدي كثيرا ما يستعمل عادة أسانيد وهميّة حتّى لا يكشف عن مصادره الحقيقيّة كما يمكن أن نرى ذلك في حالات عدّة. ولهذا يجب ألاّ نُعير أهميّة كبيرة لإشارته إلى مصدر الحديث. فيكون إذن يحيى بن كثير الرّابط المشترك الجزئي، حسب المصطلح التي اقترحها غوتييه جوينبول. وهذا الأخير هو من بين الأوائل في تطبيق نظريّة الرّابط المشترك تطبيقا منهجيّا، وهي النّظريّة التي صاغها في البداية جوزيف شاخت، ثمّ طوّرها فيما بعد بإدخال بعض المصطلحات التقنيّة المفيدة. وبالرّغم من أنّ أهميّة الرّابط المشترك كانت محلّ نقاش فإنّه بإمكاننا على العموم استخلاص بعض الإستنتاجات من خلال دراسة الأسانيد وتنوّعاتها في النّصوص المرويّة. مثلا، إذا أخذنا بعين الإعتبار أنّه توجد للحديث الواحد عدّة روايات مختلفة فإنّه يبدو من المعقول أن نفترض أنّ عنصرا محدَّدا مّا من نصّ الحديث كان قد أُقحِم من طرف راوٍ مُعيَّن إذا اكتشفنا أنّ هذا العنصر لا يظهر إلاّ الرّوايات التي نقلها هذا الرّاوي ولا توجد في أيّة رواية أخرى.
فإذا طبّقنا هذا المنهج على اسانيد الحديث الذي نحن بصدد تناوله، فإنّه يصبح من الواجب علينا افتراض أنّ يحيى بن كثير هو أوّل من أقام العلاقة بين حديث أبو قتادة والحديبية وربط بينهما. توفّي يحيى بن كثير سنة 129 أو 132 للهجرة، وعلى الرّغم من أنّه كان يُعتَبر عامّة من الرّواة الثّقاة فإنّ هذا لم يمنع الطّبري من اتّهامه بتدليس الأسانيد.
نظرا للطّابع الفقهي الصّريح لحديث أبو قتادة ولشهرة هذا الحديث في المجموعات الحديثيّة، فنحن نجده في جميع كتب الصِّحاح وتصانيف أخرى، ونظرا أيضا لغيابه النّسبي في أدب المغازي فإنّه من المرجَّح جدّا ألا يكون هذا الحديث قد صدر عن روايات المغازي بخصوص صلح الحديبية. بل على العكس من ذلك، يجب علينا أن نفترض أنّ هذا الحديث كان متداوَلا بين المحدِّثين، وأنّه كان يمثّل جزءًا من النّقاش الفقهي الصِّرف، وأنّه لم يقع إدخاله إلاّ في فترة لاحقة من طرف الواقدي في كتاباته حول المغازي. ولذلك يمكننا أن نعتقد أنّ السّياق، صلح الحديبية، أُعطِيَ للحديث في خضمّ الجدل الفقهي.
فإذا كانت هذه الفرضيّة صحيحة، كيف يمكن لنا أن نفسِّر أنّ هذا الحديث وُفِّر له سياق تاريخي في مرحلة لاحقة تخصّ بالأساس النّقاشات الفقهيّة؟ فهل يمكن أن يكون ذلك مجرّد انعكاس لإرادة بعض الرّواة تقديم أخبار كانت قد تُركِت في الأصل غامضة؟ وهذا بطبيعة الحال أمر وارد. إلاّ أنّ السّياق التّاريخي في النّقاش الفقهي لم يكن عنصرا جوهريّا. ومن ناحية أخرى، يمكن أن يصبح السّياق التّاريخي مُهمّا عندما يتعلّق الأمر باحتمال أن تكون الأحاديث منسوخة. فكما كان بإمكان آيات قرآنيّة متأخِّرة أن تنسخ آيات نزلت قبلها ومتعارضة معها، كذلك كان الشّأن بالنّسبة للأحاديث. فقد أوضح مثلا ابن الصلاح في علوم الحديث [النوع الرّابع والثّلاثون من معرفة ناسخ الحديث ومنسوخه] أنّ ما أمر به النبيّ أو نهى عنه في آخر سنوات حياته يمكن أن ينسخ ما أمر به أو نهى عنه في أوّل سنوات بعثته. وتشكِّل كتبُ ناسخ الحديث ومنسوخه نوعا أدبيّا خاصّا بميدان الحديث. وقد أحصت مُحقِّقة كتاب عمر بن شاهين "ناسخ الحديث ومنسوخه" أربعة عشر مُصنَّفا في هذا الموضوع. وعلى الرّغم من أنّ لا أحد من بين الكتب التي ذكرتها المحقِّقة يعود إلى ما قبل القرن الثّالث الهجري، فإنّه من المحتمل جدّا، مع ذلك، أن تكون الجدالات حول نَسْخ الحديث قد دارت في فترة سابقة لأولى المصنَّفات التي خُصِّصَت لهذا الموضوع. ولعلّ توفيرَ سياق تاريخي لحديث أبو قتادة بتحديد زمن وقوعه عام الحديبية، أي أربع سنوات فقط قبل وفاة محمّد، من شأنه أن يُقوّي موقف الفقهاء الذين كانوا يقولون بجواز أكل المُحرِم لحم الطّريدة، في الوقت الذي يُحتَمل أن يكون هذا الحديث، في ذلك الوقت، بصدد نَسْخ أحاديث سابقة مخالفة له. وقد كان الواقدي نفسه عالما فقيها ويُدخِل الأحاديث الفقهيّة في مصنّفاته أكثر بكثير ممّا كان يفعل ابن إسحاق مثلا. ومن الجائز أن يكون الواقدي قد أدرج حديث أبو قتادة عند كلامه عن الحديبية ليس فقط لأنّه كان يعتبر أنّ ذلك هو سياقه التّاريخي الصّحيح ولكن أيضا لأنّ الحكم الفقهي الوارد صراحة في هذا الحديث كان يتماشى مع وجهة نظره في هذا الموضوع. فنحن نراه يروي، مباشرة بعد حديث أبو قتادة، حديثا مخالفا تماما يُرْوى فيه أنّ محمّد رفض أكل قطعة لحْمِ حمار وحشيّ [قيل "رِجْل حمار" وقيل "شِقُّ حمار"، وأيضا "عَجُزَ حمار"] أُهدْيَت إليه لأنّه كان في حالة إحرام"، إنَا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إلا أَنَّا حُرُم". ولكنّ الواقدي يروي لنا قصّة مماثلة أخرى غير أنّها جاءت في سياق حجّة الوداع: "ثم نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم الروحاء، فإذا بحمارٍ عَقيرٍ، فَذُكِر للنبيّ صلى الله عليه وسلم، فقيل: يا رسول الله، هذا حِمارٌ عَقير، قال: دَعُوه حتى يأتي صاحبُه. فجاء النَّهديّ وهو صاحبه فأَهداه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأَمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر فقَسَمَه بين أَصحابه، وقال: صَيْدُ البَرِّ لَكُمْ حَلَاٌل، إِلاَّ ما صِدْتُم أو صِيدَ لَكُم". وسواء كان الواقدي قد أورد هذه الأحاديث لكي يَدَعم وجهة نظر فقهيّة فإنّه من الواضح أنّ هذا الحديث كان متداولا في أوساط الفقهاء والمحدِّثين ولم يقع نَقْلُه إلى أدب المغازي إلاّ في فترة ثانية.
الحالة الثّانية تتمثّل في عدّة روايات لحديث يتعلّق بامرأة سَرقَت ونُفِّذ فيها حدّ السّرقة بقطع يدها. وهذه القصّة وردت فيها عدّة تفاصيل مختلفة. وها هي الرّواية النموذجيّة كما جاءت عند البخاري:
"عن عائشة: "أن قريشاً أَهَمَّهُم شَأْنُ المرأة المخزومية التي سَرَقت، فقالوا: من يُكَلِّم فيها رسول الله؟ فقالوا: من يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد، حِبُّ رسول الله؟، فكلمه أسامة، فقال رسول الله: أتَشفَعُ في حَدٍّ من حُدود الله؟ ثم قام فاختطب ثم قال: إنَّما أهلك من كان قبلكم أنَّهم كانوا إذا سَرق فيهم الشَّريف تَرَكوه، وإذا سرق فيهم الضَّعيف أقاموا عليه الحدّ، وأَيَّم الله، لو أنّ فاطمة بنت محمد سَرقَت لقَطَعْتُ يَدَها".
في حين أنّ معظم نُسَخ هذا الحديث لا تشير إلى زمان ومكان وقوع القصّة إلاّ أنّ بعضا منها يضعها زَمَن فتح مكّة. وإذا ما اتّبعنا حُجَج وينسبرو ونايجل فإنّه من الواجب علينا أن نعتبر أنّ هذه القصّة اسْتُخْرِجت من بين موادّ المغازي وأنّ الصيغة التي قُدِّمت فيها والتي لا تذكر السّياق التّاريخي هي صياغة وقع تحويرها في فترة لاحقة. غير أنّ هذه الحادثة بهذا السّياق لا وجود لها في أغلب كُتب المغازي. فقد أوردها ابن سعد وابن كثير ولا نجدها عند الواقدي ولا ابن إسحاق. وتُروى غالبا من طريق الزّهري وعروة بن الزّبير في حين أنّنا لا نعثر عليها في رواياتهما المطوَّلة بخصوص فتح مكّة.
نعتقد أنّه من المفيد تسليط الضّوء على مختلف روايات هذا الحديث وتناولها بأكثر تفصيل. إنّنا نجد هذا الحديث في مصنّف عبد الرّزّاق في صياغة أولى:
"عن عائشة قالت: كانت امرأة مخزوميّة تستعير المتاع وتجحَدُه، فأَمَر النبيّ بقَطْع يدها، فأتى أهلُها أسامة بن زيد فكلَّموه، فكلَّم أسامة النبيَّ فيها، فقال له النبيّ: يا أسامة، لا تزال تُكلِّم في حدّ من حدود الله، ثم قام النبيّ خطيبا، فقال: إنّما هلك مَن كان قبلكم بأنّه إذا سرق فيهم الشّريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضّعيف قطعوه، والذي نفسي بيده، لو كانت فاطمة ابنة محمّد لقَطَع يدها".
وفي صياغة ثانية:
"(...) سَرقت امرأة من بنات الكعبة، فأُتِيَ بها النبيّ، فجاء عمر بن أبي سلمة، فقال للنّبيّ: إنّها عمَّتي، فقال النبيّ: لو كانت فاطمة بنت محمّد لقطَعْتُ يدها...".
نلاحظ هنا أنّ الشّخص الذي كلّم محمّد في المرأة المخزوميّة، "السّارقة"، مرّة يكون أسامة بن زيد (وهي الرّواية الشّائعة أكثر)، ومرّة يكون عمر بن أبي سَلمة. وفي رواية ثالثة، أخرجها مسلِم في صحيحه، يُروى أنّ المرأة المخزوميّة "عاذَت بأمِّ سَلمة زوْج النبيّ، فقال النبيّ: والله لو كانت فاطمة لقطَعْتُ يدها". ابن سعد يُعطينا اسم المرأة المخزوميّة، التي لا يُذكَر عادة اسمها مباشرة، فمرّة هي فاطمة بنت الأسود بن عبد الأسد، ومرّة يقول أنّها أمّ عَمرو ابنة سفيان بن عبد الأسد. في الحالة الأخيرة، تكون الحادثة قد وقعت في حجّة الوداع. ومن المهمّ أن نشير إلى أنّ ابن سعد لا يذكر هذه الحادثة إلاّ عندما يقدِّم ترجمة أسامة بن زيد وترجمة فاطمة بنت الأسود وليس في المقاطع التي يروي فيها فتح مكّة وحجّة الوداع.
يبدو من المرجّح جدّا أن هذا القرار المزعوم الذي اتّخذه محمّد في حقّ المخزوميّة لم يقع توفير سياق تاريخي له إلاّ في مرحلة لاحقة، فنحن نجد روايات مختلفة تتعلّق بالأشخاص الفاعلين وفي نفس الوقت بالسّياق التّاريخي المرتبط مرّة بفتح مكّة وتارة أخرى بحجّة الوداع. وكما فعلنا مع حديث أبو قتادة، فإنّ دراسة أسانيد هذا الحديث، الذي نحن بصدده، تعيننا على تحديد مَن هو الرّاوية الذي يتكفّل بإقامة رابط بين القصّة وفتح مكّة؛ فنحن نلاحظ أنّ كلّ نُسخ الحديث التي تضع القصّة في هذا سياق الفتح تشترك في راوِيَتَيْن هما عبد الله بن وهب (الذي عاش بين 125 و197 هـ)، ويونس (تـ عام 152 أو 159 هـ)، في حين أنّ كلّ روايات الحديث التي جاءت من طُرُق أخرى لم تُقِم هذا الرّابط. وبما أنّ عبد الله ويونس يظهران في أسانيد كلّ روايات الحديث التي تذكر مكّة فليس بإمكاننا معرفة مَن منهما بالنّهاية هو الذي أقام هذا الرّابط، ومع ذلك يبدو من المرجَّح أن هذا الرّابط لم يقع إدماجه في الحديث قبل النّصف الأوّل من القرن الثّاني (أي في الفترة التي عاش فيها هذان الرّاويان.
إنّ مختلف روايات هذا الحديث التي تذكر السّياق التّاريخي، والأشخاص الفاعلين، وكذلك باعتبار أنّ هذا الحديث لا يمكن العثور عليه في كتب المغازي قبل ابن سعد، كلّ هذا يجعل من المحتمَل ألاّ يكون هذا الحديث الفقهي قد أُدْرِج في المغازي إلاّ في وقت لاحق. وكما هو الشأن بالنّسبة لحديث أبو قتادة، ليس من المستبعد أن يكون ربط هذه القصّة بأحداث أعوام محمّد الأخيرة، فتح مكّة وحجّة الوداع، هو وسيلة لدَعْم تداعيات الحديث الفقهيّة ونتيجة للجدل بخصوص نَسْخ الحديث. هناك تفسير ممكن آخر يتمثّل في الرّغبة من جديد في إعطاء معلومات إضافيّة التي يمكنها، في هذه الحالة، أن تفسِّر الإفصاح عن أسماء المرأة التي تتضارب فيما بينها وكذلك تعارض أسماء الأشخاص الذين كلّموا النبيّ فيها. ومهما يكن من أمر، يبدو أنّ السّياق التاريخي جيء به في مرحلة لاحقة ولكن دائما في إطار النّقاش الفقهي. وهذا السّياق التّاريخي، الذي ورد في روايات مختلفة من هذا الحديث، هو الذي يكون قد سمح بالإدراج المحتمَل لهذه الرّوايات في كتب المغازي.
إنّ دراسة الحالتَيْن اللّتَيْن قُدِّمتا أعلاه تدلّ على أنّه من الممكن فعليّا، في بعض الحالات، إقامة البرهان على أنّ ظهور حديث في مجال مُعيَّن كان قد سبق استخدامه في مجال آخر. ومسالة استخدام بعض الأحاديث في مجال مّا قبل نقلها إلى مجال آخر ليس بأمر مُستَغْرب في حدّ ذاته ويمكن تفسيره بشكل أفضل عندما نتخيّل أنّه كان هناك في ذلك الوقت عدّة دوائر من المتخصِّصين كانوا يتجادلون في مواضيع شتّى. فالأحاديث ذات المحتوى الفقهي قد تكون متداولة أساسا بين الفقهاء والمحدِّثين، في حين أنّ الأحاديث ذات المحتوى التّاريخي قد تكون متداولة بالأساس في أوساط مَن كان اهتمامهم منصبّا على المغازي أو على ميادين مشابهة.
لقد رأينا أنّ الأحاديث تكون عرضة لتغييرات مختلفة أثناء عمليّة النّقل؛ فالظروف التي تحفّ بعمليّة النّقل ومصالح واهتمامات الرّواة هي التّي نحتتها باستمرار وأفضت بالتّالي إلى ظهور العديد من الرّوايات المختلفة للحديث الواحد. وهذا الإختلاف في الأهداف والأولويّات بين المحدِّثين وكتّاب المغازي أثناء نقل الأحاديث سمح لكلِّ فريق منهما أن يترك عليها بصماته الخاصّة.
يمكننا إذن أن نقول بأنّ بعض الأحاديث، تلك التي تقدّم قصصا طويلة ومتناسقة تتعلّق بالأحداث الرّئيسيّة في سيرة محمّد وربّما أيضا أحاديث أخرى، لم يقع إدراجها في ميدان الحديث إلاّ بعد أن تحصّلت على شكلها الأصلي في أوساط كتّاب المغازي. من ناحية أخرى، لدينا أحاديث فقهيّة وقع إدخالها في حقل المغازي بعد أن تداولها المحدِّثون وصاغوها بأنفسهم. إنّ نقل الأحاديث من ميدان إلى آخر لا يعني بالضّرورة حدوث تغيير مُتَعمَّد للنّص.
إنّه ليس من البديهي، كما يمكن أن يبدو لنا من الوهلة الأولى، أن تكون موادّ المغازي قد وجدت مكانا لها في بعض المصنّفات الحديثيّة. بطبيعة الحال، يمكننا أن نؤكِّد بأنّ كلّ ما فعله النبيّ هو سنّة، وبالتّالي كلّ ما جاء من أحاديث في المغازي يستطيع أن يصبح جزءً لا يتجزّأ من الحديث شريطة أن يحترم المعايير الرسميّة. ولكن كما نعرف، لقد قِيل غالبا بأنّ أهل المغازي كانوا يروون أحاديث حسب معايير لم تكن مقبولة من طرف المحدِّثين الشيء الذي دفع هؤلاء المحدِّثين أحيانا إلى إنتاج أحاديث تتعرّض للمغازي بالرّغم من أنّها لا تكون حقيقة مطابقة لشروطهم. ونحن نجد مثل هذه الأحاديث مثلا في الرّوايات المركَّبة لا تعود إلاّ إلى عروة بن الزّبير أو الزّهري وليس إلى شاهد عيان يذكُره عبد الرّزّاق أو ابن ابي شيبة في مُصنَّفَيْهما.
على ما يبدو، رأى المحدِّثون أنّ بعض أحاديث أهل المغازي كانت أحاديث صحيحة بما فيه الكفاية فأدرجوها في مصنّفاتهم. وقد حدث ذلك فقط، على ما يظهر، مع أحاديث أوائل أهل المغازي والذين كانوا أيضا معروفين بفقْهِهم في الحديث على غرار سعيد بن المسيّب وعروة بن الزّبير وعبد الله بن ابي بكر أو الزّهري. وبالمقابل نرى أنّ المحدِّثين لم يتبنّوا الأخبار المركّبة التي جاء بها لاحقا من تخصّصوا في المغازي والحديث معًا مثل موسى بن عقبة.
إنّ الرّوايات التي أُدرِجت في صحاح الحديث هي عامّة تلك التي تحتوي على أفضل سلسلة إسناد. وليس من الواضح، في هذه المرحلة، ما إذا كان الإسناد قد وقع تطويره عَمْدا عندما استخدم المحدِّثون هذه الموادّ ونقلوها، أم أنّ المحدّثين قاموا بمجرّد انتقاء الرّوايات التي تتمتّع بأفضل إسناد من بين مختلف الرّوايات الموجودة. في بعض الحالات، نرى أنّه وقع أخذ إسنادٍ لأحد الرّواة، الذي يخصّ في الواقع جزءً فقط من الخبر المركّب، ثمّ سُحِب على الحديث بأكمله.
وعلى النّقيض من ذلك، نرى أهل المغازي لا يجدون بطبيعة الحال أي حرج في إدخال الأحاديث الفقهيّة ضمن موادّهم. والظّاهر أنّه في الوقت الذي كانت تبرز فيه أولى مصنّفات الحديث، كان أهل المغازي قد بدأوا في استعمال واستغلال هذه المصادر إلى جانب استخدامهم القصائد الشعريّة، والآيات القرآنيّة وحكايات القُصَّاص وغيرها. ويبدو أنّ هذا التوجّه استمرّ لمدّة طويلة: فابن إسحاق لا يورِد بشكل صريح أحاديث فقهيّة كثيرة، في حين نرى الواقدي يقدِّم الكثير منها وابن كثير أكثر وأكثر. وهذا ليس بالضّرورة التوجّه العام ولكنّه يمكن أن يكون أيضا نابعا من الإختيارات الشخصيّة للمؤلِّفين.
إنّ تأثير الحديث في المغازي لا يقتصر فقط على العناصر الإضافيّة التي قدّمها لها. فأهل المغازي كانوا كذلك قد تأثّروا بالمحدّثين فيما يخصّ الملامح الشكليّة للنّقل والرّواية. فقد أصبح استعمال الإسناد، وهو العمود الفقري لعلوم الحديث، أصبح شيئا فشيئا يحظى باهتمام كبير في ميدان المغازي. من المرجّح جدّا أن يكون العلماء بالحديث وبالمغازي في نفس الوقت هم أوّل من اعتمد استعمال الإسناد وطوّره في كتابة المغازي، ومن ثمّة رأينا كيف أنّ أهميّة استعمال الإسناد في المغازي ما فتئ يتطوّر باستمرار عبر الزّمن.
والجدير بالملاحظة أنّ أوّل خبير بالمغازي والحديث، عروة بن الزّبير، لم يقدّم لنا تفاصيل عن مصادره في رواياته التّاريخيّة المطوّلة إلاّ بين الفينة والأخرى. وهذا يتضارب مع الأحاديث الفقهيّة أو التفسيريّة المنسوبة إليه والتي تُروَى عادة بمصادرها التي تتضمّن أيضا مصادر عروة نفسه. ومع هذا كلّه، يستحيل علينا أن نقول ما إذا كانت هذه الأسانيد قد أُضيفت لاحقا ووقع تهذيبها خلال عمليّة النّقل. ومع مجيء جيل آخر، خصوصا مع ابن شهاب الزّهري، أصبح من المألوف تطعيم الرّوايات التاريخيّة الطويلة بنوع من الإسناد، بالرّغم من وجود أحاديث منسوبة له، أي الزّهري، ظلّت إلى الآن غير معروفة المصدر الأصلي لها. ثمّ مع جيل ابن إسحاق، الذي جاء بعد ذلك، يبدو أنّ القاعدة السّائدة أصبحت تتمثّل في إرادة تقديم كلّ النّصوص والوثائق بسلسلة من الأسانيد؛ وابن إسحاق يستخدم بانتظام الإسناد الجَمْعي عندما يقدِّم اخباره المركّبة مثله في ذلك مثل الواقدي.
من كلّ ما تقدّم، نستطيع أن نخرج بنتيجة مفادها أنّه بالرّغم من أنّ ميدانَيْ المغازي والحديث متلازمان تلازما وثيقا إلاّ أنّهما ظلاّ منفصلَين الواحد عن الآخر. فقد أثّرا في بعضهما البعض وتداخلا، ورَأَينا أنّ عددا كبيرا من الأحاديث التي تخصّ ميدان أحدهما يمكن اعتبارها مفيدة أيضا ومهمّة بالنّسبة لميدان الآخر. ولكن، لا يمكن اعتبار المغازي ميدانا ثانويّا واشتُقَّ من الحديث، كما لا يمكن التمسّك بوجهة النّظر المعاكسة.







اخر الافلام

.. ميليشيا أسد الطائفية تسير دوريات في مدينة درعا - سوريا


.. نهاية تنظيم -الدولة الإسلامية- لا تعني نهاية التهديد الإرهاب


.. فيديريكا موغيريني: رهاب الإسلام يهدد الجميع لا المسلمين فقط…




.. ميليشيا أسد الطائفية تسير دوريات في مدينة درعا - سوريا


.. جدل متواصل بمنصات التواصل الروسية بشأن مذبحة المسجدين بنيوزي