الحوار المتمدن - موبايل



الاصطفاف: بين تدليس التيار الاسلامى، وغفلة المدنى ؟!

سعيد علام

2019 / 3 / 13
مواضيع وابحاث سياسية


الاصطفاف: بين تدليس التيار الاسلامى، وغفلة المدنى ؟!



سعيد علام
القاهرة، الاربعاء 13/3/2019م


القهر مظهر ضعف لاى نظام وليس مظهر قوة، كما ان اشتداد القمع هو مؤشر على اشتداد ضعف النظام وليس على اشتداد قوته. ان اللجوء الى القهر، يؤشر الى انعدام البدائل لدى النظام، لتمرير ما لا يمكن تمريره.



ماذا بعد، "الشعب يريد اسقاط النظام" ؟ .. ولا كلمة !

ان العمل وفقاً لأسس الدولة المدنية الحديثة هو الشرط الوحيد للحق فى العمل السياسى العام، اياً كانت مرجعيته العقائدية (الاسلامية – المسيحية – اليهودية .. الخ)، او الايديولوجية (الماركسية – القومية – الليبرالية .. الخ).

من المفهوم ان يدلس التيار الاسلامى متعمداً، ويتهرب من الاجابة المحددة على السؤال البديهى والمنطقى الوحيد: ماذا بعد "الاصطفاف واسقاط النظام"؟!، فمن المعروف ان التيار الاسلامى فى مصر يتفوق عدداً وتنظيماً عن التيار المدنى (بدون النظام القائم، بالطبع)، هذا التفوق للتيار الاسلامى يضمن فى حالة "الاصطفاف واسقاط النظام" ان تكون له الكلمة العليا فى تنظيم وترتيب اوضاع ما بعد "الاصطفاف واسقاط النظام"، لذا فمن البديهى ان يطمس هذا التيار ويكتفى بالكلام المرسل، على حقيقة مفادها، ان الاجابة على هذا السؤال هو امر بديهى وشارط قبل اى اصطفاف، خاصة اذا ما كان هدف هذا الاصطفاف بضخامة، "اسقاط النظام"!.


اذا ما كان تدليس التيار الاسلامى امراً مفهوماً، الا انه من غير المفهوم، ان يشارك بعضً من التيار المدنى فى هذه الدعوة الملغومة، التى حال نجاحها سوف تعيدنا، فى احسن الاحوال، الى المربع الاول، ليجد التيار المدنى نفسه مرة اخرى امام الاختيار "المأزق"، بين التسليم بالحكم الدينى لمصر، وبين الاحتماء فى احضان "الدولة العميقة" من اجل دولة "مدنية" ليتم الثورة على نظامها مرة اخرى من التيار المدنى نفسه، الذى سعى بنفسه اليها، انه تجسيداً مخزياً لأسطورة سيزيف. انه مسار الفشل القادم من الانتهازية السياسية للتياريين الاسلامى والمدنى على حدً سواء، وان بأوزان نسبية مختلفة، المسار الذى بدء فى 19 مارس 2011 بـ"غزوة الصناديق"، مروراً بـ"الثورة فى البرلمان وليست فى الميدان"، وصولاً الى "ثورة 30 يونيو 2013"، ومن ثم 3 يوليو 2013!.


ان مبادرة التيار الاسلامى، - بأعتباره تيار الاغلبية "النسبية" -، بالاعلان المباشر والصريح العام عن مشروعه "برنامجه" لشكل وطبيعة الحكم حال اسقاط النظام، هى الخطوة الشفافة والحقيقية الاولى حال الرغبة الصادقة فى الاصطفاف النزيه والعمل المشترك معاً، بدون هذا الاعلان، "حسن النوايا"، تصبح الدعوة للاصطفاف هى دعوة للفشل مجدداً. كما على التيار المدنى ان يطرح مجموعة الضمانات الضرورية لجعل الـ"برنامج" الذى يتم الاتفاق عليه، موضع التنفيذ والالتزام به، بعد الاتفاق عليه اولاً، من قبل الاغلبية "النسبية"، التيار الاسلامى والتيار المدنى على السواء. بدون هذه المبادرة وهذه الضمانات، يكون الامر كله اقرب للنصب السياسى منه للعمل السياسى.





عندما اسمع "اسقاط النظام"، اتحسس المجتمع المدنى !

ان الدعوة "الثورية" لاسقاط النظام، دون توفر الحد الادنى من مجتمع مدنى منظم ومستقل، هى دعوى للفوضى والدمار. التى عملت سلطة يوليو على مدى اكثر من ستة عقود على حرمان الشعب المصرى من حقه الطبيعى والمشروع فى امتلاك منظماته ومؤسساته المدنية المستقلة، ادوات الدفاع السلمية عن مصالحه الطبقية والفئوية، حرص النظام على هذا الحرمان طوال هذا الزمن لادراكه، من خلال خبرته الخاصة، "تنظيم الضباط الاحرار"، انه لا قوة تغيير فاعلة بدون تنظيم.


ان بريق تعبير "الثورة" يجذب كل شخص شريف يرغب فى التغيير للافضل، ان الاوضاع الاقتصادية والسياسية فى مصر تصرخ بـ"الثورة"، ولان الثورة عملية تغيير جذرى، فلا يمكن لها ان تجرى بالقفز الى المجهول، انها عملية، وليست لحظة غضب "انفجارة/انتفاضة" ناجمة عن اوضاع شديدة الاجحاف. ان النضال لانتزاع حق اقامة تنظيمات المجتمع المدنى المستقلة، هو شرط الازم لاى تغيير يأخذ اوضاع الناس والمجتمع الى الامام، وبالمناسبة، هذا النوع من النضال ليس مجانى بدون تضحيات، ان انتزاع الحق فى التنظيمات المستقلة سيواجه بمقاومة عنيفة من القوة اليمينية المحافظة دينية ومدنية، وهو ما سيستدعى كل انواع التضحيات.







كل طرق صندوق النقد تؤدى الى الدمار !*

ان مسيرة رأس المال العالمى، قد وجدت فى البلدان الفقيرة برجوازية مطية لا حول لها ولا قوة وغير مدركة لدورها التاريخى. لقد اندمجت البرجوازية المحلية فى قوة الغزو الرأسمالى العالمى دون ان تذرف دمعاً او تنزف دماً، ومع تزايد هزال الاقتصاد المحلى بعد، هبط نفوذ الدولة الى ادنى مستوى له.


بفضل المساعى الحميدة لصندوق النقد الدولى. دخلت الولايات المتحدة اوروبا دخول الفاتحين وامسكت باعنة تنمية القارة العجوز امساكاً حازماً بعد الحرب العالمية الثانية، "مشروع مارشال"، بحيث اصبحت الصناعة الامريكية فى اوروبا تأتى تالية بعد الولايات المتحدة!. واذا كانت البرجوازية الاوروبية، بتقاليدها وجبروتها، لم تتمكن من وقف السيل، فالى اى شئ يستند الامل فى ان برجوازيتنا، فى هذه المرحلة التاريخية، سوف تقود مغامرة التنمية الرأسمالية المستقلة المستحيلة؟!.


اذا لم تدرك الدولة الفقيرة فى الوقت المناسب انها اذا لم تساعد على خلق تكنلوجيا خاصة بها، فان سياستها القومية سوف تحاول التحليق بأجنحة مقصوصة. فى نفس الوقت الذى تصبح فيه الحاجة ملحة "للشراكة" للصناعة الوطنية مع الشركات العملاقة العالمية العابرة للقوميات، مع احتياج المصانع المحلية الى مستويات عالية من التكنولوجيا والتنظيم.


ان البرجوازية المحلية مسيطر عليها من الخارج، خاضعة للاحتكارات الاجنبية الكبيرة، خاصة الامريكية، تخشى ضغط الجماهير اكثر كثيراً من خشيتها من اضطهاد حكام العالم، والتى تنموا فى احضانهم دون استقلال – ودون اى مخيلة ابداعية – وقد ضاعفت مصالحها مضاعفة فعالة، وتبذل الحكومة كل ما فى وسعها لتجنب اية منافسة مزعجة مع الشركات الامريكية والاوروبية.


فى عام 1965 صدر قانون سمح للشركات الاجنبية العاملة فى البرازيل بالحصول على قروض من الخارج بفائدة 7 او 8 فى المائة، فى نفس الوقت الذى كانت فيه الشركات البرازيلية تدفع فائدة تصل نحو 50 فى المائة!، مبتكر هذا الاجراء هو روبيرتو كامبوس – مبدع سياسة صندوق النقد الدولى فى البرازيل -، الذى برر هذا الاجراء بالتفسير التالى: "من الواضح ان العالم غير متكافئ. ان بعض الناس يولدون اذكياء، والبعض الاخر يولدون اغبياء، .. والعالم يتألف من مشاريع صغيرة وكبيرة، بعضها يموت مبكراً، فى مقتبل العمر، والبعض يماطل بصورة اجرامية عبر وجود عبثى طويل. وهناك انعدام رئيسى اساسى للمساواة فى الطبيعة البشرية، فى وضع الاشياء، ولا يمكن لالية القروض الائتمانية ان تتجنب ذلك. اما الادعاء بان المشاريع الوطنية يجب ان تتمتع بذات الحقوق التى تتمتع بها المشاريع الاجنبية فى الحصول على القروض الائتمانية الاجنبية فهو لا يعدو ان يكون تجاهلاً للحقائق الاساسية للاقتصاد .. ".


وفقاً لهذا "البيان الرأسمالى"، فان شريعة الغاب هى الطبيعة البشرية التى تحكم الحياة الانسانية، اما الظلم فلا وجود له، لان ما اعتدنا التعامل معه على انه ظلم ليس غير تعبير عن التناغم المتوحش الذى يسود الكون، فالبلدان الفقيرة فقيرة لانها .. فقيرة، واقدارنا مكتوبة فى لوح محفوظ ونحن لا نجئ الى هذه الحياة الا لكى تحقق هذه الاقدار. فالبعض محكوم عليه بان يطيع، والبعض الاخر مكلف باصدار الاوامر. البعض يعرض رقبته للشنق، والبعض الاخر يلف حبل المشنقة. ان صاحب هذه النظرية هو مبدع سياسة صندوق النقد الدولى فى البرازيل.


تتحول مؤسسات الانتاج المحلية التى لم تستولى عليها الاحتكارات الاجنبية، او تشارك فيها بنسبة حاسمة على الاقل، الى مجرد تروس فى الة الشركات العملاقة، وفقاً للتقسيم الدولى للعمل، حيث تورد البلدان الفقيرة المواد الخام والعمالة الرخيصة الهاربة من البطالة، وتستورد من البلدان الغنية الرساميل والسلع، ويتواصل التبادل الغير متكافئ، لتمول الاجور الضعيفة فى البلدان الفقيرة ثروات الاثرياء المحليين وفى الدول الغنية، كلً بقدر.


وسيكون هناك دائماً سياسيون وتكنوقراط مستعدون للاقناع بان غزو رأس المال الاجنبى يعد نعمة تهبط على البلد الخاضعة، مشاركة فى زفة اعلانات الحب الصادق التى تتبجح بها الشركات العملاقة والمؤسسات المالية العابرة للحدود، اى الاستعمار الجديد، هذا التعبير الغير سار الذى يعتبرونه من قبيل انعدام الذوق، هذا الاستعمار الذى عندما يتبجح بفضائله تكون عيونه على جيوبنا، والذى لا يجعل البلدان الفقيرة اكثر ازدهاراً، وان كان يثرى بعض اقطابها، وهو لا يخفض من التوترات الاجتماعية، بل يزيد من تفاقمها، وهو ينشر الفقر بشكل اوسع بكثير ويركز الثروة تركيزاً اضيق بكثير.


فى الاطار المحكم لرأسمالية عالمية مدمجة حول الشركات الامريكية العملاقة، يتزايد انفصال التصنيع المحلى عن حاجات التقدم والتحرر من التبعية للدولة الفقيرة التابعة، لتسحق التجارة الحرة الصناعات القومية الناشئة. ولم تفرز مجتمعاتنا برجوازية قوية وخلاقة بما يكفى لتحمل مهمة التحرر الوطنى من التبعية الى نهاياتها، فحدث لبرجوازيتنا ما يحدث للأقزام عندما تصيبهم الشيخوخة دون ان ينموا. الواقع ان ابناء برجوازيتنا الحالية هم مجرد وكلاء وموظفين لدى الشركات الاجنبية العملاقة المهيمنة. الحقيقة انهم لم يفعلوا شيئا يجعلهم جديرين بتحقيق مصير افضل لبلدنا، انهم سماسرة العصر.





الحراس هم من يفتحون الابواب خلسة !

اليوم لا وجود لشئ تنافسى فيما يتعلق برأسمالية تصدر المصانع كما تصدر السلع والرساميل، وتخترق كل شئ وتجز كل شئ، ان هذا نظام صناعى عالمى يتحقق من قبل رأسمالية فى عصر الشركات متعددة القوميات، والاحتكارات العملاقة التى تستوعب كل ضرب من ضروب النشاط فى كل ركن من اركان الارض. ان حفنة من الاحتكارات تسيطر على الاغلبية الساحقة من الاستثمارات. وبالنسبة لهذه الاحتكارات، ليست الامة مهمة يتعين القيام بها، او علماً ينبغى الزود عنه، او مصير يتوجب تحقيقه، انها ليست اكثر من حاجز يجب تخطيه – لان السيادة يمكن ان تكون غير مناسبة – او ثمرة ناضجة جديرة بان تلتهم.


كلما قل ارتباط الرأسمالى "المحلى" بأنماط الانتاج الدولية عن طريق التبعية التكنلوجية والمالية، كلما مال الى تحبيذ زيادة القوة الشرائية لدى الجماهير عن طريق النضال النقابى، ومن الناحية الاخرى، فان اولئك المرتبطين بارتباطات اجنبية اوثق، لا يريدون غير تعزيز الاواصر بين جزر التنمية فى البلدان التابعة والنظام الاقتصادى العالمى، ويخضعون التحولات الداخلية لهذه الاولوية.




سعيد علام
إعلامى وكاتب مستقل
saeid.allam@yahoo.com
http://www.facebook.com/saeid.allam
http://twitter.com/saeidallam



* "الشرايين المفتوحة لامريكا اللاتينية"، ادواردو جليانو.







التعليقات


1 - وضع مستفزّ
حازم (عاشق للحرية) ( 2019 / 3 / 16 - 08:58 )
بما انك يا استاذ سعيد تحدثت عن حدوتة توحيد الصف فانا ايضا اشعر بنفس ما انت تتحدث عنه هنا -ماذا بعد توحيد الصف و رحيل النظام؟ هل نكرر مرة أخرى اخطاء السنوات الماضية؟ بتوع قال فلان و قال علان يقفزون على الحكم و بعدها مأزق أن نرضى بحكم دينى قادم من عصر الصحراء و العصور الوسطى؟ او نرتمى فى حضن الدولة العميقة لكى تنقذنا و لكن بشروط الاستمرار الآمن؟-

بينى و بينك هذا التكرار المبالغ فيه لأخطاء الماضى و الدعوة إلى تكرارها يستفزنى أن اتصور سوء نية و تعمّد أن يوصلونا إلى هذا الحال و لا نفلت منه ,انا أصبحت اتحسس مسدسي كثيرا هذه الأيام.
أما موضوع صندوق النقد فالسادة الجلادين المالتي ناشونال لهم جزيل الشكر تعطفوا علينا بشرب دماءنا ،و نحن لا يزال الكثير مننا مشغول بنسيان الخلافات و توحيد الصف، الف هنا و شفا

اخر الافلام

.. المدن الأغلى والأرخص عالميا


.. الجزائر.. أحزاب السلطة مع مطالب الشعب


.. ليبيا.. جهود الحل وآمال المؤتمر الوطني




.. بلا حدود-الأكاديمي السعودي سعيد الغامدي.. الأوضاع السياسية و


.. الرئيس التونسي يدعو لتعديل الدستور الجديد لتقليص سلطات رئيس