الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


اللجوء بوصفه تهمة

راتب شعبو

2019 / 5 / 22
الهجرة , العنصرية , حقوق اللاجئين ,و الجاليات المهاجرة


لم يكن لجوء السوريين إلى الدول المجاورة أو البعيدة، خياراً سياسياً، كان أقرب إلى ظاهرة طبيعية ناجمة عن غريزة التعلق بالحياة والهروب من الخطر. لا مكان للسياسة حين تصبح الحياة نفسها على المحك. الشيء نفسه ينطبق على حركة النزوح. كثير من السوريين الذين لم يخرجوا من حدود البلاد، نزحوا مراراً، يهربون ويلاحقهم الموت فيهربون مجدداً. ولم يكن نصيبهم من النجاة وافراً على كل حال، فقد أخفق هؤلاء غير مرة في مسعى النجاة، واصطادهم الموت وهم في خيم اللجوء داخل بلدهم.
إذا قلنا إن في اللجوء الشعبي جانباً سياسياً هو إعلان "الشعب" اللاجئ الانسحاب من السياسة عبر الانسحاب من الوطن، ينبغي أن نضيف إنه، انسحاب قسري غير مختار. الخيار السياسي يبدو ترفاً حين تتحول السياسة من محل للخيارات إلى محل للإعدام، وحين يتحول عنف الدولة من وسيلة شرعية ومقوننة لضبط المجتمع إلى وسيلة لسحق المجتمع وإخضاعه.
الحدث الساخن الذي يمثله اللجوء بوصفه جزءاً من قضية متفجرة، يبرد مع الزمن ويصبح، بسبب العجز عن كسر السياسة التي أدت إليه، قضية بحد ذاته ومحط تفاوض وتسويات وابتزاز ..الخ. تماماً كما هو حال موضوع المعتقلين والمخطوفين والمغيبين الذين يتحولون أيضاً، وللسبب نفسه، إلى ورقة تفاوض. يؤكد هذا، للمرة الألف، ما كنا كتبناه، أقصد معتقلي حزب العمل الشيوعي في سجن دمشق المركزي (عدرا)، في مذكرة دفاعنا المشتركة أمام محكمة أمن الدولة العليا في دمشق في عام 1994، وهو أن الاستبداد هو استعمار داخلي أو احتلال داخلي، سواء من حيث لا شرعيته وعنفه أو من حيث نظرته للأهالي.
بعد كل شيء، يقول اللجوء الشعبي الواسع إن حقوقاً واسعة تخلى عنها أهلوها لأن حياتهم وحياة أطفالهم باتت مهددة، وأن هذه الحقوق صارت مستباحة لمن يمتلكون بالقوة ولاية الأمر في مناطقهم، أي صارت حقوقهم "غنائم" حرب. ومن المفهوم أن تكون عودة اللاجئين في غير صالح من "غنم" أرزاقهم ولاسيما غير المنقولة منها. النسبة العظمى من الغانمين هم من أزلام النظام وشبيحته وانتهازييه، ولا شك أن هؤلاء يحلمون (كما حلم أرييل شارون ذات يوم، بأن يستيقظ فيجد غزة وقد غرقت في البحر) بأن تنسد دروب عودة اللاجئين، أو حتى أن تخفس الأرض بهم، فتبقى غنائم الغانمين دون مساءلة.
يتقاطع حلم هؤلاء مع حلم النظام السوري نفسه الذي لا يرغب بعودة اللاجئين لأن من شأنها أن تحمل إليه عبئاً اقتصادياً وأمنياً يسعى إلى تفاديه. وهو لهذا الغرض يوجه رسائل متنوعة لها هدف واحد هو إبراز عدم الترحيب بعودة اللاجئين على اعتبارهم "معارضة"، أو خونة أو بيئة حاضنة للإرهاب أو عناصر تشويش على "التجانس" الوطني ..الخ.
أخطر ما في الأمر هو بروز خط تمايز جديد بين من خرجوا من البلد ومن بقوا، الخط الذي يمكن أن يشكل أرضية حساسيات وصراعات أهلية جديدة. أي بروز موقف "شعبي" من اللاجئين هو في نفس اتجاه موقف النظام ومحيطه وإن كان على أرضية مغايرة.
إذا تجاوزنا عن الجانب المادي والنفعي الذي جناه مرتزقة كثيرون من خروج السوريين من بلدهم، يبقى التقييم السياسي والأخلاقي الذي يذهب في الاتجاه نفسه سواء من زاوية نظر الموالي للنظام السوري أو المعارض له. اللاجئ هو بعين الموالي المقيم في البلد، خائن، هكذا ببساطة، وهو بعين المعارض المقيم (أقصد من لا يصفق للنظام أقلّه)، هارب من وجه قضيته وأناني. الاتجاه في الموقف واحد وإن اختلفت الأرضية.
المحصلة أن الوعي العام في المجتمع السوري الداخلي الحالي يشكل قوة صدّ بوجه عودة اللاجئين. يبقى الحنين إلى الوطن والأهل والحق في استعادة الممتلكات، هي وقود الرغبة في العودة، ولاسيما إذا أضفنا إليها عنصرين دافعين هما: أولاً مرارة العيش في المخيمات (الأردن، لبنان، تركيا) أو في المجتمعات غير المتقبلة وغير القادرة على توفير فرص العمل. ثانياً، العودة القسرية التي تفرض على اللاجئين في هذه البلدان، أو برامج التشجيع على العودة التي تنتهجها بعض الدول الأوروبية.
من المتوقع أن يعاني اللاجئون حال عودتهم، من الاضطهاد الخشن الذي تتولاه أجهزة النظام (المقصود بالنظام هو الدولة التي تسيطر عليها فئة بالقوة أي بدون آلية مستقرة لإنتاج الشرعية السياسية)، فاللاجئون في منطق الدولة الأسدية هم طرف مهزوم عاد صاغراً وينبغي أن يدفع ثمن هزيمته. لا شك أن هذا يتعارض مع اعتبار اللجوء هروباً من التنظيمات الإسلامية المتطرفة، على ما يكرر إعلام النظام الأسدي، غير أن هذا الإعلام ليس سوى وسيلة لتعمية الحقيقة.
ومن المرجح أيضاً أن يعاني اللاجئ، في حال عودته، من الاضطهاد الناعم الذي قد يتولاه الناس الذين بقوا في ظل الحرب، وتشكلت لديهم نظرة سلبية تجاه اللاجئين تحت تأثير تغذية واعية من إعلام النظام المباشر أو غير المباشر، من جهة، وتحت تأثير التصور بأن من بقي من السوريين داخل البلد عانى كثيراً (القلق والخوف والغلاء والموت ونقص الكرامة ..الخ) فيما كان اللاجئون خارج دائرة المعاناة هذه. والحق أن للاجئين معاناة عميقة لا يلحظها مثل هذا التصور.
مع الميل المحلي والدولي إلى إعادة تأهيل النظام السوري، فإن حركة اللجوء، وإلى حد ما حركة النزوح أيضاً، مرشحة إلى أن تسبب خلخلة إضافية في الاجتماع السوري، إذا كتب لهذا الميل أن يتحقق على نحو نهائي.

كانون ثاني 2018








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. قضية احتجاز مغاربة في تايلاندا وتشغيلهم من دون مقابل تصل إلى


.. معاناة نازحة مع عائلتها في مخيمات رفح




.. هل يستطيع نتنياهو تجاهل الضغوط الداخلية الداعية لإتمام صفقة


.. بعد 7 أشهر من الحرب.. تساؤلات إسرائيلية عن جدوى القتال في غز




.. لحظة استهداف الطائرات الإسرائيلية منزل صحفي بخان يونس جنوبي