الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


روائح رأسمالية 2(#): كيف صعدت اميركا على اكتاف بريطانيا- الضربة الإقتصادية- قانون النفط

صائب خليل

2007 / 7 / 19
اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم


حتى اواخر القرن التاسع عشر، كانت بريطانيا الإمبراطورية الأولى في العالم، فكيف صارت تابعاً وشرطياً لقوة اخرى بهذه السرعة؟ وما دلالة ذلك بالنسبة لنا في هذا الوقت عن اساليب واخلاقية العمل الرأسمالي؟ نحاول الإجابة هنا بشكل مختصر.

في مقابلة صحفية تحدث جون بيركنز عن عمله السابق كـ "رجل الضربة الإقتصادية" قائلاً: "نحدد احد اقطار العالم الثالث الذي يمتلك ثروات تطمح الشركات بالإستيلاء عليها مثل النفط, ثم نرتب له قرضاً هائلاً من البنك الدولي او احدى المؤسسات التابعة له. النقود لا تذهب مطلقاً الى البلاد بل الى الشركات الأمريكية الكبرى التي ستنفذ المشاريع في ذلك البلد.(...) وحين تعجز البلاد عن سداد القرض, نعود في لحظة زمنية معينة لنقول لهم: "انظروا...تعلمون انكم مدينين لنا بالكثير من المال, وانكم لن تتمكنوا من دفع مبالغ ديونكم, لذا توجب عليكم ان تعطونا "رطلاً من لحمكم".*

والفكرة هي دفع البلاد الى حالة تسمح بإبتزازها وتضطر فيها الى قبول شروط ظالمة تحطم مستقبلها. وفكرة استعمال القروض لذلك كما يشير بيركنز تلميحاً، هي نفس الفكرة التي ترمز اليها مسرحية شكسبير "تاجر البندقية" اليهودي الذي اشترط على المقترض ان يأخذ رطلاً من لحمه ومن اي مكان يشاء، ان هو لم يتمكن من سداد القرض.

ربما كانت القروض القاتلة اكثر الأساليب شيوعاً لتنفيذ "الضربات الإقتصادية" لكنها بالتأكيد ليست الأسلوب الوحيد، فكل ما يحصر الضحية في زاوية حرجة يمكن ان يلعب نفس الدور لتحضيرها للذبح. ولعل اشهر الطرق الاخرى هي "الحروب"، سواء تلك التي تأتي بها "صدفة سعيدة" للمستثمر ام تأتي بها "صدفة مخلوقة"، كما ان الإبتزاز ليس مقصوراً على الإبتزاز الإقتصادي بل قد يكون ابتزازاً سياسياً، وغالباً ما يشملهما معاً.

يذكر جون بيركنز في كتابيه امثلة عديدة على بلدان من العالم الثالث تمت معالجتها بهذه الطريقة لتتحول اغنى الدول ثروة الى اكثرها فقرا ًواشدها بلاءً. لكن ان اقتصر حديث بيركنز على دول العالم الثالث حالياً فان التكنيك نفسه قد استعمل من قبل بين الدول الكبرى نفسها. فلقد طبقته اميركا قبل نصف قرن لتستلم قيادة العالم من بريطانيا بفضل "استثمارها" للحرب العالمية الثانية من اجل توجيه "الضربة الإقتصادية" القاتلة اليها بعد ان حضرت لها الحرب العالمية الأولى.

في السنتين الأولين من الحرب العالمية الثانية كانت اميركا تستفيد من كلا طرفي النزاع. ورغم ان معظم الصادرات توجهت الى بريطانيا إلا ان شركات امريكية كبرى كانت تعمل بهمة غير اعتيادية في فروعها الألمانية مثل شركة فورد وجنرال موتورز وغيرها من الشركات الكبرى (ما يكفي لموضوع مقالة مستقلة)، والتي لولاها ما تمكنت الة الحرب الألمانية من بلوغ ما بلغته. ولم يكن تفضيل بريطانيا على اساس مبدئي، حيث كانت المانيا النازية تنعم بدعم لايستهان به بين السياسيين الأمريكان بل وفئات كبيرة من الشعب الأمريكي. وقد قال فورد، الذي كان يتمتع بنفوذ سياسي اضافة الى نفوذه الإقتصادي الكبير، قولته المشهورة حينها بأنه يتمنى ان لاينتصر اي من الطرفين وان تساند اميركا كلا الطرفين ليستمرا في القتال حتى يسقطا اعياء.
انما السبب الأرجح لتفضيل بريطانيا هو ان بريطانيا كانت الأضعف اقتصادياً والأكثر حاجة الى البضاعة الأمريكية. فالمانيا كانت قد استعدت للحرب بشكل جيد نسبياً، ثم ان البلدان التي احتلتها في الأشهر الأولى من الحرب جعلت حاجتها الى الصناعة الأمريكية اقل من حاجة بريطانيا اليها، كما يذكر المؤرخ الان ميلوارد. اضافة الى ذلك فقد كانت بريطانيا تسيطر على البحار، وتجعل تجارة المانيا مع اميركا امراً عسيراً، خاصة ان الأمريكان اتبعوا شعار "ادفع واحمل" ( Cash and Carry ) الذي يفترض ان يقوم المشتري بشراء البضاعة من اميركا ونقلها الى بلاده بنفسه.

منذ البدء اشترطت اميركا المحايدة على بريطانيا الدفع نقداً. ولم يمض سوى وقت قصير حتى نفدت نقود الأخيرة وصارت في موقف حرج. وهكذا ابتدأت مرحلة الإبتزاز لتجريد بريطانيا من نفوذها الإقتصادي الهائل على مستعمراتها الشاسعة...ابتدأت مرحلة "الضربة الإقتصادية". فمقابل بضعة مدمرات متقادمة للبحرية الملكية البريطانية، وضعت اميركا يدها على عدد من القواعد البحرية والجوية في جزر الأنتيل و نيوفوندلاند في سبتمبر 1940. بعد هذا نجح روزفلت باقناع الكونكرس بتقديم تسهيلات دفع الى بريطانيا كان لها اسم غريب هو "اقرض وأجّر" ( Lend and Lease ), والذي بدأ العمل به في آذار 1941, وهكذا استمرت التجارة الأمريكية بانتعاشها الذي بدأ مع الحرب فزاد من 505 مليون دولار عشية الحرب الى مليار واحد عام 40 ثم 1،6 مليار عام 41، ثم 2،5 ...4,5 مليار...5,2 مليار للسنوات التالية.
التسهيلات الامريكية كانت مربوطة بترتيب اسمه ( The Consideration ) تتعهد بريطانيا بموجبه انها سوف تفتح اسواق مستعمراتها لأمريكا بعد الحرب حيث تلغي نظام الحماية الإقتصادية الشديد المسمى ( تعريفة التفضيل الأمبريالي) ( Tariff Imperial Preference) والذي طالما عرقل انتشار تجارة التصدير الأمريكية في بريطانيا ومستعمراتها.

لذلك فأن التسهيلات الأمريكية (Lend and Lease ) حسبما كتب مؤرخان امريكيان: "لم يكن بالكرم الذي اعتقده الناس لفترة طويلة" فقد استبدل السوق البريطاني الكبير المغلق بسياسة "الباب المفتوح" والتي اتاحت اخيرا الفرصة لمعالجة "الكساد العظيم" الأمريكي لسنوات الثلاثينات. وفي الوقت الذي انتعشت فيه الشركات الأمريكية بفضل هذه التسهيلات الضخمة وعلى العكس من الوعود بانها ستدفع من عوائد ضرائب الشركات المستفيدة من التصدير، كان على المواطن الأمريكي ان يدفع ثمنها فيما بعد.

لقد استفادت بريطانيا المضطرة من تلك التسهيلات للخروج من ازمة الحرب منتصرة، لكنها خسرت والى الأبد موقعها كقوة عالمية من الدرجة الأولى, وادت فيما بعد الى رابطة خاصة بين بريطانيا واميركا اكتفت فيها بريطانيا بلعب دور "الضابط" الأمريكي في اوروبا واستمرت ليومنا هذا.
اما حكومة المنفى البلجيكية في لندن فقد تعلمت الدرس الثمين فلم تندفع الى ترتيبات مشابهة مع اميركا. وقد ساعد بلجيكا على تحديدها للإقتراض انها استطاعت تعويض اميركا بالمعادن الثمينة التي كانت نهباً لها من مستعمرتها الكونغولية مثل النحاس والكوبالت واليورانيوم، والذي مكن اميركا فيما بعد من انتاج قنبلتها الذرية الأولى.

هكذا كان اشد "الأحباب الرأسماليين" يعاملون بعضهم البعض فكيف نتوقع منهم ان يعاملوا الآخرين من دول العالم الثالث؟ حين نراجع تأريخ العلاقة العراقية الأمريكية من منظار التأريخ هذا تطاردنا اسئلة خطيرة. الم يكن دفع اميركا لصدام لإشعال الحرب على ايران بهذا الدافع؟ او الم يكن هذا احد دوافعها لتدمير البلدين اقتصادياً مما يتيح فرصاً لسيناريوهات استيلاء اميركا على نفطهما لاحقاً؟ الم تدعم اميركا كل من العراق وايران بشكل يديم الحرب بينهما حتى سقطا اعياءً كما نادى فورد في الماضي؟ ربما لم يكن ممكناً استغلال اميركا الإنهيار الإقتصادي للطرفين بعد الحرب، لكنها استغلت وضع صدام لدفعه الى القضاء على العلاقات العربية من خلال تشجيعه على احتلال الكويت بعد مقابلته مع السفيرة كلاسبي وبتصريحات البيت الأبيض شديدة الحياد حول الموضوع، والتي انقلبت فور دخوله المصيدة. لم توقع اميركا العقود مع صدام المهزوم لكنها حصلت على اكثر من ذلك من اموال وقواعد عسكرية في الخليج كأبتزاز بديل واحتفظت بصدام حياً ليديم نعمة الإبتزاز عليها. (***)

واليوم، هل يكون التدمير الإقتصادي للعراق، متمثلاً بسرقة امواله الفضائحية المتتالية تمهيداً لمثل هذا السيناريو؟ هل يكون حرص اميركا على دعم الفساد بمساندة اللصوص الكبار وتوفير الحماية لهم جزءً من هذه الخطة؟ الا يفسر هذا امتناع اميركا عن اعتبار ديون صدام ديوناً فاسدة كما فعلت حين احتلت كوبا في القرن التاسع عشر فالغت ديونها الدولية وبشكل قانوني على هذا الأساس ومن جانب واحد؟ بدلاً من ذلك ذهب جيمس بيكر في رحلة فاشلة يدعو الدول الدائنة للتنازل عن ديونها، وقد سبق جولته مباشرة قرار امريكي اغضب الدول الدائنة، بان تقتصر مشاريع اعادة اعمار العراق على الدول التي دعمت اميركا. وفي النهاية حصل العراق على تخفيض في ديون صدام مقابل تعهده بالإلتزام بقيود اقتصادية ستبقيه ساحة تتحكم الشركات الأمريكية وتوابعها. اليوم تريد اميركا حصاد ثمار "ضربتها الإقتصادية – السياسية – الإرهابية" للضغط على العراق ليبيع مستقبله مقابل طعام وامن حاضره وبلا ضمانات.


(#) في لقاء تلفزيوني مع جبر صولاغ، وزير المالية العراقي، وزير الداخلية السابق قبل عام قال:" نحن نتجه إلى اقتصاد السوق الحر أما التشريعات والقوانين الحالية فأشم فيها رائحة الاشتراكية". في هذه السلسلة من المواقف التأريخية نود ان نشمم صولاغ المرعوب من رائحة الإشتراكية، بعض روائح الرأسمالية "العطرة".
المعلومات في هذه الحلقة موجزة عن كتاب" اسطورة الحرب الخيرة" للمؤرخ جاك باولز
(De mythe van de goede oorlog)

(*) صائب خليل: رجال الضربة الإقتصادية
http://www.rezgar.com/debat/show.art.asp?aid=100627

(**) اي كتاب لجومسكي يبين خطأ هذه الفكرة الشديد، وللمزيد يمكن مثلاً قراءة (Killing Hope) لـ وليام بلوم.
(***) صائب خليل: سيف ديموقليس الجديد
http://www.rezgar.com/debat/show.art.asp?aid=35988

صائب خليل: شرعية قانون النفط كشرعية إعتراف تحت التعذيب 1- سلة الحيل الديمقراطية
http://www.rezgar.com/debat/show.art.asp?aid=102838









التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. بدرخان: السؤال هو.. ما هو حجم الهزيمة التي سيمنى بها حزب الم


.. حزب الله يقصف إسرائيل بالصواريخ والمسيرات ويهدد باستهداف موا




.. -جهاز التكييف وصل سعره إلى 40 ألف جنيه مصري- موجة حرارة غير


.. الجيش الأوكراني يؤكد انسحابه من حي في مدينة تشاسيف يار الاست




.. توصف بـ-بترول سويسرا-.. هذه أغرب حقوق الأبقار في أوروبا