الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


ساعة إينشتاين وخارطة بوانكارييه

رحيم العراقي

2007 / 8 / 6
الطب , والعلوم


بيتر غاليزون هو أستاذ تاريخ العلوم في جامعة هارفارد، حصل على جائزة ماكس بلاتك على كتابه الذي يحمل عنوان «الصورة والمنطق» لعام 1999 حيث جرى اعتباره أفضل كتاب لتاريخ العلوم في تلك السنة.
إذا كان اينشتاين هو مخترع نظرية النسبية، فإن هذا لا يعود إلى عبقريته فحسب، وإنما أيضا إلى كون أنه كان تقنيا بارعا عمل بدأب على المشاكل المتعلقة بآلية عمل الساعات. وكان سابقه «هنري بوانكاريه» مهندسا أيضا وكان مأخوذا بدقة حركة رقاص الساعة كما كان عالما في الرياضيات. وما يؤكده مؤلف هذا الكتاب هو أنه بدون الكفاءات «العملية» لهذين العالمين لما كان بإمكانهما أن يضعا المفاهيم القديمة للزمان والمكان موضع التساؤل. وفي هذا الكتاب «ساعة اينشتاين وخارطة بوانكاريه» يقوم المؤلف «بيتر غاليزون» بالبرهان على أن هذين العالمين الكبيرين قد كانا مصدر ثراء كبير للعلم وللفلسفة بنفس الوقت، وهو يبحث من أجل هذا في أراشيف غير معروفة حتى الآن وفي وثائق منسية كي يوضح كيف أن عملية ضبط الزمن - التزامن- قد كان لها دور في تاريخ الاستعمار والتجارة والفيزياء والمعرفة العلمية.
وإذا كان البرت اينشتاين هو الأكثر شهرة، فإن هنري بوانكاريه هو صاحب مجموعة المقالات التي نشرها عام 1902 تحت عنوان: «العلم والفرضية» والتي أمّنت له موقعا متفردا في الحياة الفكرية الفرنسية إذ بلغت قمة في ميادين الرياضيات والفيزياء والفلسفة. وكان بوانكاريه قد درس الرياضيات أولا ثم تحوّل لدراسة هندسة المناجم، مناجم الفحم، كي يجسد العلاقة بين «المجرّد» متمثلا في الرياضيات و«المحسوس» في الفحم. وكانت فرنسا كلها آنذاك مأخوذة في مسائل تطبيقات العلوم البحتة.
ويؤكد مؤلف هذا الكتاب أن أحد الدوافع الكبرى التي حثت فرنسا على النهوض هو منافستها لألمانيا التي كانت قد اقتطعت منها مقاطعتي الألزاس واللورين بعد هزيمة عسكرية ساحقة. وفي ذلك السياق صدرت سلسلة من الكتب التي حاولت تفسير سبب تلك الهزيمة، وركّزت كلها على هشاشة البنى الأساسية وفي مقدمتها شركة الخطوط الحديدية وغيرها من البنى التي تجعل البلاد غير قادرة على مواجهة ألمانيا في أي نزاع. وكان النقد عنيفا ضد التعليم التكنولوجي مما استدعى إعادة تنظيم المؤسسات التعليمية وبسرعة فائقة.
هكذا أنشئت مدرسة التكنولوجيات العليا (بوليتكنيك) لتصبح أحد أهم المؤسسات العلمية ليس في فرنسا وحدها وإنما على الصعيد الأوروبي كله، بل ونالت شهرة كبيرة على الصعيد العالمي، إذ لم يكن لها أي معادل في الولايات المتحدة الأمريكية أو بريطانيا أو ألمانيا. وكان هنري بوانكاريه أحد أساتذتها في بدايات القرن العشرين، أي بعد سنوات من تأسيسها عام 1794. كان الغرض الأساسي من إنشاء تلك المدرسة هو تكوين المهندسين من النخبة الذين يمكنهم أن يعززوا قوة الجيش ويجعلونه حديثا بواسطة الإنجازات العلمية. وكان من أهم الفروع فيها الرياضيات والفيزياء والكيمياء.
بكل الأحوال وجد حاملو شهادة هذه المدرسة أنفسهم على رأس إدارات الدولة العليا. وكان من أهم أساتذتها «الفريد كورنو» الذي كان عالما في ميدان الفيزياء وعلم الفلك والأرصاد الجوية وعلم قياس الزمن (الساعات). وكان قد صمم ونفّذ بواسطة رقّاص هائل ساعة فلكية فائقة الدقّة في مدينة نيس. ويعود المؤلف إلى تاريخ 31 أغسطس 1879 عندما انفجر أحد مناجم الفحم في منطقة «سان جوزيف» وقُتل عدد كبير من العاملين فيه. لقد جرى تكليف بوانكاريه بالتحقيق في أسباب تلك الكارثة.
اتجهت أنظاره أولا نحو «مصابيح الأمان» التي صممها «همفري دافي» عام 1815. أمضى بوانكاريه عدة أشهر في تحقيقاته ليقدم بعدها تقريرا، لا يزال مرجعا حتى الآن، عن منظومات التهوية والضغط الجوي في المناجم. ورغم تعيينه بعد ذلك أستاذا للعلوم في جامعة «كان» الفرنسية، فإنه تابع اهتمامه بعالم المناجم والفحم ونشر في عام 1912، أي قبل وفاته بفترة قصيرة مقالا تحت عنوان «المناجم» وذلك في كتاب كان هو وبعض أقرانه قد كرّسوه للمصالحة بين الثقافة والتكنولوجيا والعلوم.
وفي عام 1875 وقّع 17 شخصا من بينهم إمبراطور ألمانيا وإمبراطور هنغاريا ـ النمسا ـ ورئيس الولايات المتحدة ورئيس الجمهورية الفرنسية وإمبراطور الروس كلهم «اتفاقية» تبنّي المتر كوحدة قياس، كما قرروا إنشاء «المكتب الدولي للأوزان والقياسات». هكذا حل «المتر» و«الكيلوغرام» مكان وحدات القياس والوزن الوطنية العديدة المنافسة.
وهذا ما سيكون له أثره الكبير على «رسم خرائط» العالم. لقد كانت تلك الاتفاقية بمثابة «تجسيد للقاء العلم والدبلوماسية»، وكان ذلك بمثابة «نقطة انطلاق» وليس «نقطة وصول» إذ كان لذلك آثاره المباشرة على ميادين عديدة مثل العمل على توحيد مقياس الزمن على أساس «الساعة» وضبط عمل شبكات السكك الحديدية. وأدّى توحيد مختلف وحدات القياس إلى نوع من القبول العالمي بها وتبنّيها. وفي عام 1897 حدد «مكتب تحديد خطوط الطول» هدفا له في تطبيق النظام العشري على الساعة، لكن أولويته كانت هي تنسيق مشروع لإنجاز خرائط أكثر اكتمالا. وكانت وزارة البحرية قد طلبت من هذا المكتب منذ عام 1885 «تحديد المواقع الدقيقة لداكار وسانت لويس في السنغال».
وقد استمر المكتب في البحث لمدة سنوات ولم ينشر تقريره حول «مهمة السنغال» إلا في عام 1897، أي قبل أن ينشر هنري بوانكاريه عمله حول «قياس الزمن» ويتسلم رئاسة ذلك المكتب. وكانت تلك الفترة قد عرفت ضرورة الوصول إلى «اتفاقيات دولية حول الزمان والمكان».وفي عام 1905 كان بوانكاريه قد أصبح أكاديميا باريسيا شهيرا عمره 51 سنة. وكان قد نشر الكثير في ميدان الرياضيات والميكانيك والديناميكية الحرارية والمجال المغناطيسي. باختصار قدم أكثر من مائتي مساهمة في مختلف ميادين العلوم والفلسفة التي كان لها أثرها على الكثيرين.
ومن بينهم البرت اينشتاين ابن السادسة والعشرين عاما آنذاك و«الخبير المغمور الذي كان يقطن في الطابق الأخير من بناية لا مصعد فيها في حي متواضع بمدينة برن». وآينشتاين هو فيزيائي ألماني اكتسب الجنسية السويسرية عام 1900 ثم الأميركية عام 1940. وكان قد بدأ منذ عام 1913 التدريس في جامعة برلين ليبدأ في الوقت عرض أطروحاته حول الجاذبية وحول القوانين العامة للنسبية. وحصل عام 1921 على جائزة نوبل للفيزياء.
وتحت عنوان «ساعات اينشتاين» يشير المؤلف إلى الاستقبال الكبير الذي كرّسته سويسرا لصانع الساعات الشهير دوليا «ماتيوس هيب» الذي كانت «الرقاصات الكهربائية» التي صنعها أكثر تقدما بكثير من «الرقاصات الميكانيكية». كما كان قد قام بتصنيع مقياس للوقت «كرونومتر». وكان قد درس بالتعاون مع فيزيائيين وعلماء فلك سرعة نقل الإشارات العصبية والبرقية والضوئية مما ساهم في اختراع تقنيات جديدة لاستخدام الكهرباء وكذلك الوصول إلى اختراع ساعات جديدة من أجل تجسيد الزمن. كان ينبغي تنظيم الوقت فـ «الزمن هو المال» كما شاع أحد الأمثال منذ نهاية القرن التاسع عشر.
لم يكن آينشتاين قد أولى أي اهتمام للساعات في سنوات 1890، لكن اعتبارا من عام 1902 بدأ العمل في إطار «مكتب براءات الاختراع». وبتاريخ 25 أبريل 1905 تلقّى هذا المكتب طلبا من أجل «اختراع رقاص ساعة يتم ضبطه بطريقة كهربائية ـ مغناطيسية». وكان آينشتاين قد عمل لسنوات حول المفاهيم والقوانين السائدة حول الزمان والمكان كي يصل إلى القناعة بأنها «ليست صالحة إلا ضمن المقياس الذي تقيم فيه صلة واضحة مع التجربة التي يمكنها أن تؤدي إلى تغيير تلك المفاهيم والقوانين». وكان هذا نقطة انطلاق نحو إنجاز نظريته حول «النسبية».

رحيم العراقي








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. محمد عبده يعلن إصابته بمرض السرطان وتلقيه العلاج في باريس


.. معرض ابوظبي للكتاب يناقش مستقبل صناعة النشر في ظل تقنيات الذ




.. في تسجيل صوتى محمد عبده يعلن إصابته بالسرطان


.. ابتداءً من 6 مايو | أثر الطائر الطنان | ناشونال جيوغرافيك أب




.. هكذا نحمي أطفالنا من مخاطر مواقع التواصل الاجتماعي