الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


إزالة الخلل بين الأجور والأسعار ضرورة للاصلاح الاقتصادي

قدري جميل

2003 / 10 / 4
الادارة و الاقتصاد


د. قدري جميل *
 

             إن الخلل بين مستوى الأجور والأسعار أصبح موضوعاً محسوماً والكل يتفق اليوم على إصلاح هذا الخلل.

ولكن  النقاش مازال مستمراً حول الأسباب الرئيسية لهذا الخلل وحول نتائجه وآثاره على تطور الاقتصاد الوطني.ِ
لاشك أن السياسة الأجرية تلعب دوراً مفتاحياً في صياغة أية استراتيجية للإصلاح الاقتصادي، فأية سياسة أجرية نريد؟ وما هو دورها الحقيقي في التأثير على التطور الاقتصادي؟.

لست بصدد الحديث عن علاقة السياسة الأجرية بتحقيق العدالة الاجتماعية، فهذا الموضوع بعيد المنال اليوم نسبياً، ولا يمكن حله جذرياً بوجود وسيادة الملكية الخاصة على وسائل الانتاج التي تعني في عالم اليوم مركزة الرأسمال والأرباح في أيدي قلة قليلة.

وإنما بصدد الحديث عن عقلنة التطور الاقتصادي وإيجاد التناسب الضروري والطبيعي بين الأجور ومستوى الأسعار، أي بين الأجور والأرباح. إن هذه العقلنة إذا ماتمت ستسمح بإيقاف تدهور الوضع المعاشي للأكثرية الساحقة من الناس وستفتح الطريق لنمو اقتصادي متوازن، تخفف فيه بالتدريج التشوهات القائمة بين التناسبات الأساسية للاقتصاد الوطني.

لذلك يجب الإجابة على أسئلة كثيرة وهي: لوحة تطور الأجور الفعلية خلال الفترات الماضية وعلاقتها بتطور الأسعار والأرباح التي تعتبر الكفة الثانية لهذه المعادلة وصولاً إلى اكتشاف موطن الخلل وإيجاد السبيل إلى إصلاحه.

1 ـ حجم الهوة بين الأجور والأسعار

يصعب اليوم وضع سلة استهلاك واقعية تبين سلة الأسعار وتطورها، فهي بحاجة إلى دراسة احصائية واسعة تبنى ميدانياً، ولكن هذا لاينفي إمكانية وضع سلة أسعار تقريبية أساسية مأخوذة من المجموعات الإحصائية وهي تغطي عملياً أكثر من 50% من استهلاك الفرد

* باحث اقتصادي ومحاضر في معهد تخطيط التنمية الاقتصادية الاجتماعية

 

 والأسرة، وهي تبين التغير النسبي لأسعار مجموعة من المواد في الفترة الواقعة بين (1975 ـ 2000) وقد تم حساب التغير النسبي لسعر مجموعة المواد بأخذ الفرق بين سعرها في عام القياس وسعرها في عام الأساس 1975 مضروباً بالتثقيل المعطى لكل مادة مقسوماً على مجموع التثقيلات، وقد وضع التثقيل بشكل افتراضي بحيث يبين وزن كل مادة نوعياً في سلة المواد (جدول رقم 1).

وقد تبين بنتيجة البحث أن أسعار المواد الاستهلاكية قد زاد خلال الفترة المدروسة بنسبة 7185% , وضمناً ازداد المصروف على اللحم بنسبة 3000% وعلى المحروقات 1900% وعلى الخضراوات 230% وعلى الشاي 200% تقريباً. بينما ازداد الحد الأدنى للأجور خلال نفس الفترة بنسبة 883%، أي أن مستوى المعيشة بالنسبة لهذه الفئة قد هبط خلال هذه الفترة بنسبة 7185 ÷ 883 × 100 = 813% ، أي أن الحد الأدنى للأجور يغطي فعلياً اليوم 12% فقط من سلة المواد الاستهلاكية المفترضة بأسعار عام 2000 وقد شهدت هذه السلة قفزتان هامتان بين أعوام 85 ـ 90 وبين 90 ـ 95 بحيث زادت في القفزة الأولى حوالي الأربع مرات، وفي القفزة الثانية حوالي المرتان.

ولكن ماهو الحد الأدنى الحقيقي لمستوى المعيشة، وماذا تمثل الأجور الحالية بالنسبة له؟.

2 ـ علاقة الحد الأدنى للأجور بالحد الأدنى لمستوى المعيشة

إن ربط الحد الأدنى للأجور بالحد الأدنى لمستوى المعيشة باتت قضية اقتصادية هامة نظراً لحالة الركود الاقتصادي التي نعيشها اليوم، والتي تعتبر انعكاساً لتدني القدرة الشرائية للمواطنين، حيث تبين تقارير البنك الدولي إلى أن أكثر من 22% من السكان يعيشون عند حدود الفقر. فقد تبين أن هناك ثمة خللاً في السياسات الاقتصادية المتبعة أدت إلى تدهور الحياة المعيشية للعاملين بأجر، ودفعتهم يوماً بعد يوم إلى الاصطفاف عند خط الفقر أو دونه.

وإذا اعتبرنا أن خط الفقر هو ذلك الخط المحدد محلياً من قبل المكتب المركزي للإحصاء، وعالمياً من قبل البنك الدولي بكتلة نقدية تعادل حوالي 1500 ليرة سورية للفرد الواحد شهرياً، وهو الحد الأدنى لتلبية متطلبات المعيشة من المواد الغذائية. وإذا أخذنا بعين الإعتبار أن الحد الأدنى للأجر في سورية بعد الزيادة الأخيرة قد وصل إلى 3045 ليرة شهرياً، وأن متوسط عدد أفراد الأسرة الواحدة هو ستة أشخاص، فالنتيجة أنه في حال وجود شخصان يعملان في الأسرة فإن دخل الأسرة الشهري سيكون 6090 ليرة، ويكون نصيب الفرد الواحد من هذا الدخل 1015 ليرة شهرياً ، أي حوالي ثلثي المبلغ المحدد عند خط الفقر للإنفاق على الغذاء فقط دون مسلتزمات الحياة الأخرى.

ورب قائل يقول: ماهي تكاليف المعيشة اليوم التي تم الاستناد إليها لتحديد هذا الفارق؟؟.

ببساطة نقول: إن وسطي عدد السعرات الحرارية اللازمة للفرد في سورية في حدها الأدنى لمماسة الحياة الطبيعية يبلغ حوالي 2400 حريرة. وهذا يتطلب عملياً تناول وجبة غذائية محددة القوام لتغطية هذه الكمية من السعرات الحرارية، وبالتالي يجب على المستهلك أن يجد المبالغ الكافية للإنفاق عليها.

ويمكن وضع هذه الوجبة وفق الجدول رقم (2) الذي أقره مؤتمر الإبداع الوطني والاعتماد على الذات الذي دعا إليه الاتحاد العام لنقابات العمال عام 1987، حيث يبين لنا هذا الجدول المبلغ اللازم من أجل تلبية حاجات الفرد الأساسية من الطعام يومياً خلال الفترة (1963 ـ 2000)

الجدول رقم 2

المادة
 الوزن
 السعرات الحرارية
 الأسعار (بالقروش السورية)
 
1963
 1973
 1985
 1994
 2000
 
خبز
 500 غ
 1275
 15
 18
 100
 200
 400
 
بيض عدد 1
 50 غ
 75
 13
 21
 180
 260
 260
 
لحم
 75 غ
 108
 26
 64
 312
 1669
 2625
 
جبنة بيضاء
 25 غ
 200
 6
 10
 49
 201
 225
 
خضار مختلفة
 250 غ
 65
 13
 27
 136
 697
 750
 
فواكه
 200 غ
 60
 17
 27
 100
 553
 605
 
أرز حر
 70 غ
 280
 5
 10
 18
 183
 210
 
المجموع
 
 
 95
 177
 895
 3762
 5075
 

     

      ومن الممكن دراسة تطور الأسعار خلال الفترة المدروسة كما هو موضح في جدول رقم (3) الذي يدرس التطور النسبي للأسعار باعتبار عام 1963 هو سنة الأساس. فقد تضاعفت الأسعار في عام 1973 عما كانت عليه في عام الأساس، ثم ازدادت الأسعار بمقدار تسعة أضعاف في عام 1985، ووصلت إلى 38 ضعفاً عام 1994، وحتى أصبحت تزيد بمقدار 51 ضعفاً في أيامنا هذه عما كانت عليه في الستينات.

وبمقارنة النتائج التي حصلنا عليها في الجدول رقم (3) مع نتائج الجدول رقم (4) والذي يحدد مدى التطور النسبي للأجور خلال نفس الفترة، يتحدد الفارق الكبير من الأجور والأسعار، والذي يزداد ويتسع يوماً بعد يوم. فقد وصل في عام 2000 إلى حوالي 300% (5100% ÷ 1692%)، مما يجعلنا نستنتج أن رواتب الحد الأدنى ما زالت غير قادرة على تلبية الحد الأدنى للمعيشة المحدد بخط الفقر.

وبالعودة إلى الجدول رقم (3) نجد أن مجمل الإنفاق اليومي على الطعام للفرد الواحد في أيامنا هذه يعاد لحوالي 51 ليرة سورية، وبالتالي فهو يعادل 1530 ليرة شهرياً، وهذا يقارب أويساوي عملياً مقدار خط الفقر المحدد بـ 1500 ليرة سورية شهرياً، وبالتالي فإن الإنفاق على الطعام لأسرة مكونة من ستة أشخاص في الشهر هو 9180 ليرة.

الجدول رقم 3

التطور النسبي لأسعار الفترة المدروسة 1963 ـ 2000 (1963 سنة الأساس)

السنوات

البيان
 1963
 1973
 1985
 1994
 2000
 
مجموع أسعار الموادالمدروسة (بالليرات السورية)
 1
 2
 9
 38
 51
 
النسب المئوية للاسعار
 100%
 200%
 900%
 3800%
 5100%
 

 

الجدول رقم 4

التطور النسبي للأجور 1963 ـ 2000 (1963 سنة الأساس)

السنوات

البيان
 1963
 1973
 1985
 1994
 2000
 
الحد الأدنى للأجور (بالليرات السورية)
 180
 230
 890
 2435
 3045
 
النسب المئوية للأجور
 100%
 128%
 494%
 1353%
 1692%
 

 

ويشير الجدول رقم (5) إلى تطور الإنفاق للفرد الواحد على الطعام خلال السنوات الماضية. وهو يبين أن الإنفاق على الطعام للفرد الواحد قد ازداد منذ عام 1985 وحتى أيامنا هذه بمقدار 544% وذلك من 270 ليرة شهرياً إلى 1400 ليرة شهرياً.

وبالمقابل فقد ازداد الحد الأدنى من الدخل من 890 ليرة شهرياً إلى 3045 ليرة شهرياً أي بمقدار 342% فقط، أي أن الفارق ما بين زيادة أسعار سلة الغذاء وبين زيادة الأجور الخيرة يزيد عملياً عن 200%. وفي هذا تكمن الأسباب الحقيقية لتدهور مستوى المعيشة، ولتراجع الطلب الداخلي.

 

 

 

الجدول رقم 5

العلاقة بين الحد الأدنى للأجر الشهري والحد الأدنى لمستوى المعيشة في الفترة 1963 ـ 2000 (بالليرات السورية)

السنة
 متوسط إنفاق الفرد شهرياً على الطعام وفقاً للحد الأدنى للمعيشة
 الحد الأدنى للأجر الشهري
 
1963
 1 × 30 = 30
 180
 
1973
 2 ×30 =60
 230
 
1985
 9 ×30 = 270
 890
 
1994
 28 ×30 = 1140
 2435
 
2000
 51 × 30 = 1530
 3045
 

 

هذا وقد تحدثنا حتى الآن عن الإنفاق على المواد الغذائية فقط، فإذا أضفنا إليها نفقات الحياة اليومية غير الغذائية من مواصلات وطبابة ومحروقات وسكن وتعليم وكساء وأدوية ومياه وكهرباء ومنظفات وغير ذلك من الخدمات… والتي تعادل وسطياً 1500 ليرة شهرياً للفرد الواحد، مما يعني أن تكاليف الحد الأدنى للمعيشة + تكاليف الحد الأدنى لنفقات الحياة الضرورية والتي تعادل 1530 + 1500 = 3030 ليرة شهرياً للفرد الواحد، يجب أن تعادل الحد الأدنى للأجر.

ولأسرة مكونة من ستة أشخاص يكون الحد الأدنى شهرياً 18180 ليرة، وإذا كان يعمل في الأسرة شخصان فإن الحد الأدنى لتكاليف الحياة، أي ما يجب أن يكون عليه الحد الأدنى للأجر يساوي 18180 ÷ 2 = 9090 ليرة، على حين أن الحد الأدنى اليوم وبعد الزيادة الأخيرة لا يتجاوز 3045 ليرة شهرياً، مما يعني أن تكاليف الحد الأدنى للمعيشة تفوق الحد الأدنى للأجور بـ 300%.

3 ـ الأسباب الأساسية لتراجع القيمة الحقيقية للأجور

يمكن تلخيص أسباب تراجع القيمة الحقيقية للأجور بالأسباب الأساسية التالية:

آ ـ تراجع حصة الفرد من الدخل الوطني.

ب ـ عدم عدالة توزيع الدخل الوطني بين الأجور والأرباح.

آ ـ تراجع حصة الفرد من الدخل الوطني: (الجدول رقم 6 في الملحق)

لاشك أن الدخل الوطني قد ازداد في الفترة الواقعة بين 1975 ـ 1997 بنسب عالية وصلت إلى 3528% ولكن ازدياد حصة الفرد ازدادت بنسبة 1725% تقريباً أي أنها انخفضت بالنسبة لعام 1975 حوالي 50%. فهل يكمن السبب الحقيقي وراء ذلك في الزيادة السكانية، أم أن هنالك أسباب أخرى أكثر عمقاً وتكمن في انخفاض وتيرة تطوره عن النسب المطلوبة التي تمنع انخفاض حصة الفرد، الأرجح أن الخلل في عملية إعادة الانتاج الاجتماعي التي تتطلب انتاجاً موسعاً يجاري التطور السكاني هي  السبب الحقيقي، ولكن لماذا يحصل ذلك، للإجابة على هذا السؤال لا بد من دراسة العلاقة بين ا لأجور والأرباح.

ب ـ الأجور والأرباح:

تعادل كتلة الأجور في الدخل الوطني حوالي 150 مليار ليرة سورية، وهذا يعني أن كتلة الأرباح تساوي عام 2000 حوالي 550 مليار ليرة سورية، أي أنها تساوي 366% من كتلة الأجور. وقد بلغت زيادات  الأرباح خلال السنوات العشر التي سبقت عام 2000 (400 مليار ليرة سورية) بينما بلغت زيادة الأجور 75 مليار أي أ، الأجور كانت تزداد سنوياً بقيمة وسطية قدرها 10% بينما الأرباح كانت تزيد بنسبة 36% مما أدى عملياً إلى درجة عالية من تمركز الرأسمال سمح بحجب الجزء الضروري منه عن عملية التراكم التي تتجلى بالإستثمار الذي نتج عنه عملياً تخفيض وتيرة النمو الضرورية للدخل الوطني كي يغطي الزيادة السكانية وارتفاع متطلبات  المعيشة.

إن سوء توزيع الدخل الوطني يزيد من حدة تراجع القيمة الحقيقية للأجور بشكل مباشر وغير مباشر، مباشر بإيجاد خلل بين استهلاك الشرائح العليا والشرائح الدنيا من المجتمع وغير مباشر عبر منع عملية إعادة الإنتاج من أن تأخذ حجمها الضروري لتأمين التطور اللاحق.

إن حجم الاستثمار الضروري لإعادة الإنتاج الموسع يجب أن لا يقل عملياً عن 25% من الدخل ا لوطني وهو لا يحصل بسبب سوء توزيع الدخل بين  الأجور والأرباح.

إن الوضع الحالي يجعلنا ندرك أهمية التوزيع العادل للدخل الوطني وإيجاد نوع من التوازن بين كفتي الأجور والأرباح من خلال إعادة النظر بآلية توزيع الدخل الوطني، فالسياسات الاقتصادية والمالية التي اتبعت في الفترة السابقة حفزت تكون الأرباح على حساب الأجور مما اضر بالإنتاج الوطني وبمستوى معيشة الشعب، فرغم أن معدل النمو السنوي للدخل الوطني قد بلغ 7% سنوياً إلا أن هذا التحسن لم ينعكس إيجابياً على مستوى معيشة الناس، بل زاد الأغنياء غنى والفقراء فقراً. وهذا ما نجده في كل مظاهر الحياة اليومية.

4 ـ ماذا يعني الخلل بين الأجور والأرباح والأسعار؟

إن الخلل بين الأجور والأسعار الذي ينعكس بازدياد غير عقلاني للأرباح آثار سلبية كبيرة وبعيدة على الاقتصاد الوطني، فهو يعني:

ا ـ عدم تجديد قوة العمل:

إن كون سعر قوة العمل عملياً أدنى من قيمتها بكثير، يعني تآكلها وانهيارها التدريجي بما يعنيه ذلك من آثار سلبية على مستوى المعيشة التي تظهر عبر انخفاض المستوى الصحي وصولاً إلى انخفاض وسطي العمر المحتمل للقوة السكانية الفاعلة. إلى جانب انخفاض الكفاءة وتسريع دوران اليد العاملة مما يؤثر بشكل كارثي على العمليات الإنتاجية.

ب ـ تمديد يوم العمل:

بواقع الأجر الحالي، أصبح يوم العمل الفعلي لا يكفي لسد الرمق، مما يجبر اليد العاملة على البحث عن مصادر دخل إضافية تعني عملياً إطالة يوم العمل إلى 12 ساعة و16 ساعة  وبذلك يتم التراجع فعلياً عن مكسب كبير حققته الطبقة العاملة بتحديد يوم العمل بثمان ساعات.وما زالت صحيحة المقولة التي تفيد أن درجة حرية المجتمع تقاس بحجم  الوقت الحر الذي يوفره لأفراده.

ج ـ زيادة البطالة:

إن تحديد يوم العمل يؤدي عملياً إلى زيادة  المنافسة في سوق العمل ويخفض فرصة الفرد الواحد في الحصول على فرصة عمل واحدة. إن رفع الأجور لتصل إلى مستوى قيمة قوة العمل الحقيقية التي يجب أن تغطي تكاليف الحد الأدنى للمعيشة، يعني عملياً امتصاص جزء كبير من البطالة التي تزداد سنوياً بواقع 150 ألف فرد.

د ـ زيادة الفساد:

إن انخفاض الأجور والحد من فرص العمل يؤدي إلى زيادة الفساد الاجتماعي وتوسع رقعته، وإذا ترافق ذلك مع الاستهلاك الترفي الاستفزازي للشرائح العليا، يزداد الطين بلة، فظواهر الرشوة والسرقة والنهب ومختلف أشكال الانحلال الاجتماعي هي نتيجة مباشرة لتوسع الفقر وتمركز الغنى.

هـ ـ الحد من فرص الاستثمار:

إن اسطورة "اليد العاملة الرخيصة هي محفز للاستثمار" هي مقولة فاسدة وغير صحيحة من حيث الأساس. فكل الحديث والدعاية عن جلب استثمارات لا قيمة له بالنسبة للمستثمر الجدي لأن اليد العاملة الرخيصة تعني بالنسبة له:

1 ـ انخفاض تأهيلها وبالتالي انتاجية اليد العاملة.

2 ـ انخفاض الطلب الداخلي مما لا يشجع على أي مخاطرة للمستثمر.

3 ـ والأهم احتمال عدم  الاستقرار الاجتماعي بسبب التوتر الاجتماعي الذي تفترضه  الأجور المنخفضة عدة مرات عن حدود مستوى المعيشة اللائق.

5 ـ ما هو الحل؟..

إن المستوى الذي وصل إليه علم الاقتصاد نظرياً، إلى  جانب التجربة العملية المتراكمة تسمح لنا بالتأكيد أن التطور الاقتصادي ما هو إلا وسيلة لتأمين مستوى معيشة لائق لمجموع العاملين بأجر. إن فعالية وإنسانية أية سياسة اقتصادية يجب أن تقاس عبر هذا المعيار: معيار سعيها لتلبية مصالح الناس وحاجاتهم الأساسية.

لذلك تصبح السياسة الأجرية هي محور أي إصلاح اقتصادي حقيقي. وعليه يمكن القول أن تغيير السياسة الأجرية القائمة هو مطلب ضروري لإنجاح أي تطور للاقتصاد الوطني فما هي مكونات هذه السياسة بعدما أثبتت الحياة  فشل وفساد السياسات الأجرية المتبعة حتى الآن.

أولاً: ربط الحد الأدنى للاجور بالحد الأدنى لمستوى المعيشة:

إن رفع الأجور دون إعادة النظر جذرياً بالحد الأدنى للأجور لا معنى له في نهاية المطاف إذ أنه يرقع المشكلة دون الوصول إلى جذورها من أجل حلها.

إن تأمين الحد الأدنى لمستوى المعيشة لأجر الحد الأدنى يعني رفع سعر قوة العمل إلى قيمتها الحقيقية وبعدها يصبح ممكناً تحريك كل سلم الأجور نحو الأعلى على هذا الأساس.

ثانياً: الربط ا لدوري للأجور بالأسعار:

ٍإن السباق الجاري بين الأجور والأسعار يؤدي عملياً إلى تخفيض مستوى المعيشة مع ما ينتج عنه من انخفاض للطلب الذي يؤثر سلباً على الانتاج في نهاية المطاف. لذلك يصبح ربط الأجور بتطور الأسعار مطلباً ضرورياً على استمرارية عملية إعادة الانتاج الاجتماعي بما تعنيه من أنتاج وتبادل وتوزيع واستهلاك.

وهذا يتطلب عملياً إيجاد سلة للاسعار يراقب تطورها جهة وصائية من قبل الدولة إلى جانب سلة أخرى يقوم بمراقبتها وحسابها اتحاد نقابات العمال بشكل مستقل. وعلى أساس تطور هذه السلة يجب أن يجري تعديل الأجور أتوماتيكياً بشكل دوري (شهري أو فصلي) إذا تطلب الأمر. وغني عن القول أن هذا الإجراء لا معنى له دون القيام بالإجراء الأول وهو إعادة النظر بالحد الأدنى للأجور.

ثالثاً: تمويل الزيادات من مصادر حقيقية:

بعد الإجرائين أعلاه يجب البحث عن مصادر تمويل حقيقية وليست تضخمية كما كان يجري حتى الآن. أي أن مصدر زيادة الأجور يجب أن لا يكون بأي حال من الأحوال زيادات في الأسعار وخاصة على أسعار مواد أساسية مثل المحروقات التي يؤدي رفعها إلى سلسلة ارتفاعات لا نهائية على كل المواد.إن المصدر الحقيقي للزيادات على الأجور يجب أن يكون على حساب الأرباح، إذ أن كل زيادة في الأسعار تعني زيادة موازية في الأرباح. والطريقة المثلى والأساسية لتحقيق ذلك هي إعادة النظر بالسياسة الضريبية كي تصبح فعالة وعادلة وتتحول إلى رافعة لتطور الاقتصاد الوطني وليس كابحاً له. طبعاً يجب أن يجري ذلك إلى جانب إجراءات أخرى مثل الحد من الإنفاق الحكومي غير الاستثماري.

إن تحقيق هذه الاجراءات أعلاه ممكن وعملي وهو سيسمح بتحسين المستوى المعيشي للأكثرية الساحقة من الناس، كما سيؤمن استمرارية  الدورة الاقتصادية مما سيسمح بإيجاد مصادر حقيقية وفعالة للتراكم والاستثمار اللاحق.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. افتتاح مصنع «بافكو» لإنتاج أنواع العدس وحبوب الحمص المجروشة


.. الرئيس السيسي: تم التطرق خلال المباحثات إلى الطفرة التي حققت




.. الأزمة الاقتصادية تدفع بشركة -فلاي-بي- البريطانية للطيران نح


.. معدل الصادرات في مصر بلغ نحو 100 مليار دولار خلال العام الما




.. كلمة أخيرة - 500 جنيه للوحدة اللي مساحتها 100 متر.. رسوم تسج