الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


مملكة فنان ميت .. قصة

مجدي السماك

2007 / 11 / 20
الادب والفن


كان فنانا حاذقا ، أو هو الفن .. القاصي والداني يشهد ببراعته ، نبغ في نحت التماثيل و إعطائها ما يليق بها من رونق وبهاء ، يخيل للناظر وكأنها إنسان حقيقي .. هي قمة في الإبداع أو هي الإبداع بعينه .. أكسبته الحياة خبرة لا مثيل لها في كافة فضاءاتها ، مما كان له الأثر العميق على ما تخرجه يديه من حسن و جمال ، و يكاد تمثاله أن يحدثك عما يجول في خاطره .. وضع كل ملكاته الإبداعية في تمثاله الأخير بعد عمل مضني وجهد جهيد ، كان يعمل ليلا ونهارا حتى يخرجه إلى الوجود.. تمثال يولد بعملية قيصرية ، مات قبل انجاز هذا التمثال وإعطاءه شكله النهائي .. فغدا تمثال ينقصه الكثير من الأعضاء و الأجزاء .. ينقصه يد وقدم وعين وأذن وانف .. و أصبح تمثالا يتيما .
الجميع حزن على موته ، طاقة إبداعية خلاقة واراها الثرى و راحت ترقد في باطن الأرض للأبد ، بقي التمثال وحده .. ينتظر من يكمله ويعطيه حقه بما نقص من مكونات ..وقف أبناء الفقيد أمام التمثال يحدقون بإعجاب وحسرة و خوف .. أعجبهم أيما إعجاب ، أحبوه حبا جما ، فعزموا أمرهم على انجاز التمثال وإكماله بما يليق بحسنه .. و إخراجه بأجمل شكل ممكن.
اختلفوا فيما بينهم و تعددت آراؤهم ، و انقسموا إلى فريقين .. كل فريق يريد التمثال له وحده و يدعي انه الأقدر على إكماله و إعطاءه الشكل الأجود .. لعلعت المشادات الكلامية والشتائم فيما بينهم .. و جدت البغضاء طريقها إلى قلوبهم ، أخذت الأيام تحصي نفسها يوما وراء يوم .. والتمثال ينتظر من يكمله و كأنه في شوق إلى فنان بارع و حضن دافيء .
الأبناء في شقاق و انقسام وتوتر .. بدأ العراك بينهما و تطور لقصائد هجاء مقذع بين الفينة والأخرى ، حتى أصبح الهجاء شغلهم الشاغل و كأنهم من اجله خلقوا .. انقسم أهل الحي إلى قسمين بين الفريقين المتعاركين .. التمثال ينتصب في المنتصف بينهما ، و أصبح يتعرض لما جادت به قريحتهم من مدح وذم وغناء .. تم تسخير كل بحور الشعر لإغراضهم ، وكل أغراض الشعر من فخر و هجاء وحماسة و غناء تقذفه أفواههم .. بعض أبيات الشعر المنظومة على بحر الهزج من طراز الذم أصابت أذن التمثال الوحيدة .. كلاهما تبادل الاتهامات و حمل الأخر مسؤولية قطع الأذن .. أخذت الأيام تتابع .. و الشعر يتواصل ، وبحوره تموج بأمواج عاتية تتلاطم .. تسونامي يجتاح قلوبهم .. بعض القصائد أصابت جسم التمثال بالقرب من قلبه و كأنها سهام حاقدة ، و أخرى خرقت عينه الوحيدة .. دمه ينزف ، صرت أخشى عليه من الموت .
الآن هدوء ، ما قيل من شعر يكفي لإرجاع الأندلس .. اخذ التمثال يتنفس الصعداء ، و الناس تسير على هواها و رغبتها .. ما هي إلا أيام معدودة حتى تجددت المبارزات الشعرية بين الإخوة من جديد .. أبيات من بحر السريع و قصائد من بحر الطويل تخترق أجسامهم و التمثال يصرخ مستغيثا ، شعرهم يقتلهم في كل مبارزة ، منه العباسي و منه الأموي .. منافسة حامية الوطيس .. التمثال يئن وتتصاعد صرخاته و كأن نارا أضرمت به .. وأخذت تتطاير من جسمه الشظايا مع كل وابل من الكلام المقفى .. صار خائر القوى .. مال التمثال ليسقط أرضا لولا حائط قصير أسنده .. حائط لم يكتمل بناؤه حال دون وقوعه .. أصبح مضرجا بدمائه .. أخذت أغمغم : هل يتفتت التمثال إلى شظايا من الحصى تدوسها الإقدام و رمالا تذروها الرياح ؟ لا اعلم شيئا ، و لكن التمثال يصرخ ودمه ينزف بقصائد أصحابه ، و زخات قصائد الشعر تتجدد مع كل ساعة .. قد تكون سيارة الإسعاف قادمة في الطريق.. ستنقله إلى غرفة الإنعاش ، إن عاش. [email protected]








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. أفقد السقا السمع 3 أيام.. أخطر مشهد فى فيلم السرب


.. في ذكرى رحيله.. أهم أعمال الفنان الراحل وائل نور رحمة الله ع




.. كل الزوايا - الفنان يحيى الفخراني يقترح تدريس القانون كمادة


.. فلاشلايت... ما الفرق بين المسرح والسينما والستاند أب؟




.. -بيروت اند بيوند- : مشروع تجاوز حدود لبنان في دعم الموسيقى ا