الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


من أجل مؤشر مستوى معيشة حقيقي علني وشفاف

قدري جميل

2007 / 12 / 12
اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي


د. قدري جميل في ندوة الثلاثاء الاقتصادية العشرين:أهمية مؤشر قياس مستوى المعيشة

لعلها المرة الأولى في سورية التي يقوم فيها أحد الباحثين الاقتصاديين بتقديم بحث جدي ومتكامل عن «مؤشر قياس مستوى المعيشة» وإثبات أهميته على المستويين الاقتصادي والاجتماعي، والتعمق في ضرورة اعتماده كأحد المعطيات الأساسية لمعرفة «درجة حرارة المجنمع»..
د. قدري جميل وعبر قيامه من خلال بحثه بمقاربة مفهوم ومستوى المعيشة وطرق قياسه والميل العام له خلال العقد الماضي، أمسك بزمام موضوع بحثه من جوانبه كافة، وجذب انتباه الحضور الكبير الذي غصت به مكتبة الأسد مساء الثلاثاء 9/1/2007، تارة بالقراءة، وتارة بالارتجال وعرض الأمثلة..
يقول د. جميل في مقدمة البحث:
اقترحت تكليفي بهذا الموضوع، لأنني وصلت إلى قناعة أنه لا يكفي الدعاية والحديث عن العدالة الاجتماعية، بل إن الأمر يتطلب اكتشاف الأدوات والتفاصيل التي تعيقها على الأرض، من أجل صياغة الأدوات وتلك التفاصيل التي تسمح بتحقيقها، فالشيطان -كما يُقال- يختفي في التفاصيل الصغيرة.وحسب ما استنتجت منذ فترة فإن أحد هذه التفاصيل هو مؤشر مستوى المعيشة، إذ تساءلت كما الكثيرين مثلي: لماذا ليس لدينا في البلاد، ولدى الجهات التي تدير الاقتصاد الوطني هذه الأداة الفعالة في قياس درجة حرارة المجتمع؟ هل سبب غياب هذا المؤشر هو تخلف معرفي؟ أم له علاقة بمصالح ما؟ أم أن الإدارة البيروقراطية لا تحبذ الخوض بمثل هذه التفاصيل لأنها أولاً غير مؤهلة لها ويمكن أن تكشف جهلها، وثانياً ونتيجة لحاسة الشم المتطورة لديها، لا تريد إزعاج بعض القوى والشرائح الاجتماعية المستفيدة من الفوضى السعرية والأجرية التي تسرع من عملية تمركز الرساميل الكبرى، وبالتالي من الخلل في التوزيع بين الأجور والأرباح التي تزداد الهوة بينهما عاماً بعد عام؟؟
لذلك سيقوم هذا البحث بمحاولة لمقاربة مفهوم ومستوى المعيشة وطرق قياسه والميل العام له خلال العقد الماضي.
1ــ حول مفهوم مستوى المعيشة:
إن مؤشر مستوى المعيشة هو مؤشر نوعي يستند إلى مؤشرين كميين هما: مؤشر الأسعار ومؤشر الأجور، وهما بآن واحد شرط ضروري لقياس مستوى المعيشة، ولكن كل منهما على حدة ليس له دلالة اقتصادية عميقة ولا يحمل أية دلالة اجتماعية.وهو مؤشر من الناحية العملية يهدف إلى عقلنة التطور الاقتصادي عبر قياس درجة حرارة المجتمع بشكل مستمر من أجل تجنب المفاجآت، بل إنه يسمح بأكثر من ذلك، عبر قدرته على التنبؤ بالميل العام للتطور العام الاقتصادي ـ الاجتماعي.
وهذا الأمر هام لأنه عند توفر الوعي والإرادة يُمنع الخلل الوظيفي في الأداء الاقتصادي من التحول إلى خلل عضوي. فالخلل الوظيفي يبقى قابلاً للمعالجة إذا ما تم اكتشافه باكراً، ولكن استفحاله يؤدي إلى تحوله إلى خلل عضوي لا يمكن علاجه، بل بأحسن الأحوال يمكن تلطيفه قبل الوصول إلى النهاية المحتومة التي يمكن بأحسن الأحوال تأخيرها حينذاك.أي أن الأمر سواء في حال قياس مستوى المعيشة أو بانتفائه ليس أمراً تكنيكياً، بل هو قضية جوهرية وإستراتيجية.وإذا قال البعض، وهم محقون جزئياً، إن العلم قد تجاوز مؤشر مستوى المعيشة الذي يعكس فقط الاستهلاك الكمي للأفراد، ووصل إلى مؤشر جديد سميّ بمؤشر التنمية البشرية، لقلنا لهم: على الرغم من ذلك يبقى مؤشر مستوى المعيشة المعبر الأساسي لمؤشر التنمية البشرية الذي يتبناه برنامج الأمم المتحدة للتنمية منذ عام 1990، والمكون من العناصر التالية:وسطي العمر المحتمل، درجة تعليم السكان، وحصة الفرد من الدخل الوطني. والمؤشرات الأخيرة بمجملها لا تعدو عن كونها مؤشرات كلية لمعرفة درجة تطور بلد ما بالنسبة للآخر، دون تجاوز القشرة الخارجية للوصول إلى ماهية طريقة توزيع الدخل التي أصبحت عاملاً حاسماً في تحديد منحى ودرجة التطور اللاحقة.أي بتعبير آخر، يصبح مؤشر ارتفاع الأسعار لا معنى له إذا لم يكن جزءاً مكوناً من مؤشر مستوى المعيشة، وهذا ما استدعى طريقة التعامل المختلفة مع مؤشر الأسعار بين بلد وآخر.فلنأخذ فرنسا كمثال، فهي كبلد رأسمالي متقدم تتميز بأن الصراع الاجتماعي فيها قد فرض طريقة معينة للتعامل مع مصالح أصحاب الأجر الذين تعلموا خلال فترة زمنية طويلة كيفية الدفاع عن مصالحهم وأجورهم، مما استدعى أن تأخذ الطبقة الحاكمة بعين الاعتبار ذلك.من هنا فإن مؤشر ارتفاع الأسعار الذي تراقبه الحكومة الفرنسية يستدعي رفعاً دورياً ومستمراً للأجور بقدر ارتفاعات الأسعار، وإذا حصل وحاولت الحكومة «الزوغلة» بالرقم، فإن النقابات تكون عادة لها بالمرصاد والتي بدورها لديها مؤشرها الخاص ومراقبتها الخاصة لهذا المؤشر، فإما أن تحل الأمور بالتي هي أحسن عبر المفاوضات أو يضطر أصحاب الأجر لاستخدام وسائل أقسى للدفاع عن حقوقهم وصولاً إلى الإضرابات الجزئية والعامة.ومن نافل القول إن مؤشر مستوى المعيشة، هو من مصلحة أرباب العمل ليس أقل من أصحاب الأجر، فانخفاض القوة الشرائية للأجر تحت حد معين نتيجة ارتفاع الأسعار وزيادة الأرباح، يؤدي أوتوماتيكياً إلى انخفاض الطلب وإلى تباطؤ عجلة الإنتاج بشكل عام، الأمر الذي لا ينفي أن جشع بعض أصحاب العمل يمكن أن يدفعهم، خلافاً لمصلحة طبقتهم ككل، إلى رفع الأسعار مما يضر بنظامهم على المدى البعيد أكثر مما يضر بأصحاب الأجر على المدى القريب. لذلك تقوم الدولة هنا بدور شرطي السير لمنع الازدحام والفوضى التي يمكن أن تودي بالنظام الاقتصادي ـ الاجتماعي كله على مذبح المصالح الضيقة الآنية للبعض.والسؤال المنطقي هو: من أين رفع الأجور للتعويض عن ارتفاعات الأسعار؟، إن ما يجري فعلياً في هذه الحالة هو فرض ضرائب إضافية على أصحاب الأسعار والأرباح الإضافية حفاظاً على الأمن والاستقرار والتوافق الاجتماعي.طبعاً لا تجري الأمور في كل مكان على هذا المنوال، فهذا الأمر منوط بدرجة وعي المجتمع ونشاطه السياسي، وفي قدرة الدولة على رؤية الواقع واستشفاف المستقبل وفي التعبير الحقيقي عن التوازنات الفعلية الموجودة على الأرض.والخلاصة... أن مؤشر مستوى المعيشة، هو مؤشر ضروري حيث هنالك صراع بين الأجور والأرباح، أي أنه ليس أداة اشتراكية كما يظن البعض للتهرب منه بل هو أداة الرأسمالية العقلانية، وهو من الأدوات الضارة فعلاً بالرأسمالية المتخلفة، الريعية، والوحشية التي تسعى للنهب بلا حسيب أو رقيب، ومثلها مثل من يجلس على غصن شجرة ويقوم بقطعه.إن الوصول إلى اقتصاد سوق اجتماعي والابتعاد عن اقتصاد السوق المشوه يتطلب فيما يتطلبه الوصول إلى مؤشر مستوى معيشة حقيقي علني وشفاف.

1ــ من أجل مؤشر مستوى معيشة حقيقي علني وشفاف:
إن الوصول لمؤشر مستوى معيشة حقيقي يتطلب إزالة العوائق أمامه، وهي من أشكال ومستويات مختلفة منفصلة ومتشابكة بآن واحد.
فالعائق الأول: هو العائق المعرفي:المفارقة أن المستوى الذي وصل إليه العلم بشكل عام في هذا المجال، ومستوى الاختصاصيين الموجودين في بلادنا والذين تكونوا بشكل جيد خلال العقود الماضية يسمح ببناء وصياغة هذا المؤشر، فبناؤه لا يدخل في إطار التكنولوجيات المعقدة والممنوعة التصدير، ولكن المشكلة تكمن على الأرجح في عدم تفهم أهمية هذا المؤشر على الأداء الاقتصادي وعلى التطور اللاحق على المستوى السياسي العام، أي أن هنالك هوة ما يجب ردمها بين ما هو اقتصادي وما هو سياسي، وهذا الأمر يتعلق بخطوة معرفية يجب القيام بها.
أما العائق الثاني: فهو عائق المصالح:
ليس لأصحاب الأرباح الكبيرة التي تنمو بصورة أسرع من نمو الدخل الوطني مصلحة في أي مؤشر، فهم يقولون ويعملون سراً وعلناً ضد أي مؤشر للأجور وضد أي مؤشر للأسعار وضد أي مؤشر لمستوى المعيشة، فهذا الفلتان يصب في مصلحتهم تماماً، وهم يؤثرون على مراكز القرار الاقتصادي وخاصة على المستوى الثاني في هذا الاتجاه، وإلا كيف يمكن تفسير هذا التخلف في الأدوات في وقت تتوفر فيه إمكانيات غير قليلة في البلاد.فالجدول رقم (1) يبين أن وسطي الأجور خلال الفترة الممتدة بين 2000-2005 قد ازداد بنسبة 20% في القطاعين العام والخاص، بينما كانت الزيادة في الدخل الوطني حوالي 30%، وإذا كنا نعرف أن الدخل الوطني من حيث التوزيع هو مجموع الأجور والأرباح، لاستنتجنا ببساطة أن وتيرة تطور الأجور كانت أبطأ من وتيرة الدخل الوطني بنسبة الثلث تقريباً، مما يعني أن حصة الأرباح قد ازدادت خلال الفترة نفسها بحجم يوازي هذه النسبة.
جدول رقم (1)
علاقة متوسط الأجر الشهري وتطور الدخل الوطني

متوسط الأجر الشهري
(عام وخاص) دخل وطني (*) المصدر
ل.س % مليون ل.س %
2000 5900 821390 مسح الهجرة
2001 5340 9.5 871135 6 مسح القوة العاملة
2002 6010 12.5 921107 5.7 مسح القوة العاملة
2003 6380 6.1 935157 1.5 دخل ونفقات الأسرة
2004 6380 1028995 10 دخل ونفقات الأسرة
2005 7200 13 1038413 9 مسح القوة العاملة
التطور الكلي 20 تقريباً 30 تقريباً

(*) مسوحات المكتب المركزي للإحصاء في الأعوام المذكورة.

وحينما نتكلم عن أصحاب الأجور إنما نتكلم عن الكتلة الأساسية من السكان التي تغطي 70% منهم (وسطي الإعالة 4.1) ولا يستهلكون أكثر من 12% من الدخل الوطني حسب معطيات مسح القوى العاملة الأخير (2006) انظر الجدول رقم (2) و(3)، (نتائج مسح القوى العاملة).إن هذا الخلل في توزيع الدخل الوطني يبين عن أي نسبة وتناسب يجري الحديث، وعن أية مصالح ستتعرض للخطر في حال إعادة النظر بالحالة الراهنة بمساعدة مؤشر قوي، حقيقي، شفاف، وعلني.
جدول رقم (2)
عدد العاملين بأجر حسب مسح القوى العاملة 2006

عدد العاملين بأجر
ذكر أنثى المجموع
حكومي 1001778 333389 1335167
خاص منظم 586101 52092 638192
غير منظم 577913 38044 615958
مشترك 5985 - 5985
تعاوني 3734 718 4452
عائلي 23722 2941 26663
أهلي 15000 - 15000
المجموع 2214234 427184 2641418


جدول رقم (3)
العاملين بأجر ومجموع أجورهم حسب مسح القوى العاملة 2006

عدد العاملين بأجر مجموع الأجر الشهري
ذكر أنثى ذكر أنثى المجموع
زراعة وحراجة 139289 29535 5811150 917710 6728860
صناعة 447479 35902 21665223 1648180 23313403
بناء وتشييد 353070 3135 15274530 110109 15384638
فنادق ومطاعم 196714 7912 10001102 350175 10351277
نقل ومواصلات 181250 7151 8806344 278326 9084670
مال وتأمين وعقارات 26922 7096 1297328 280405 1577733
خدمات 869511 336453 35421351 11624840 47046191
المجموع 2214235
427184
98277028
15209745
113486772


وأخيراً العائق الثالث:
يتمثل بقوة حجم العطالة البيروقراطية في جهاز الدولة وخاصة الاقتصادي منه، التي تقاوم بحكم العادة والتقاليد أي جديد وتقدمي على المستوى الجزئي والكلي، إنها مشكلة إدارة وضعت نفسها خارج رقابة المجتمع مع أنها تتصرف باسمه وتحت يافطة مصالحه. إن هذا العائق هو عائق كلاسيكي لا يمكن تجاوزه دون تفعيل قوى المجتمع الحية من نقابات وأحزاب ومنظمات مجتمع أهلي وإطلاق طاقاتها بهذا الاتجاه كي تعيد هذا الجهاز إلى صوابه بصلاحياته المنتفخة ومصالحه القابلة للشراء من قبل الأوفر مالاً.أي بكلمة أخرى، من يعيق موضوعياً الحركة في هذا الاتجاه؟إنهم ثلاثة: أصحاب الربح الكبير، أصحاب الفساد المستشري.. وأصحاب الجهل الفاضح.
إن النتائج العامة لهذا الوضع يمكن، من حيث المبدأ، تلخيصها بالتالي:
1- إن عدم وجود مؤشر مستوى معيشة، يسمح بالإخلال الفاضح والدائم بين الأجور والأرباح دون ضجة، أي يسمح بإعادة التوزيع الدائمة للدخل الوطني لصالح الأرباح عبر آليات معقدة ومستترة وغير مكشوفة إلا حين تظهر نتائجها على أصحاب الأجر.
2- كذلك فإن عدم وجوده يسمح باقتطاع تلك الموارد عبر التضخم غير العقلاني للأرباح التي كان يمكن أن تذهب لتمويل النمو اللاحق عبر التوظيفات الاستثمارية الفعالة.
3- كما أن استمرار الخلل غير الواضح الحجم بين الأجور والأرباح يؤدي إلى تشوهات بنيوية اجتماعية تصبح مع الوقت لا رجعة عنها مع ما يحمله ذلك من انعكاسات سلبية على الوعي والسلوك الاجتماعي. (مثال: البطالة).
4- كما أن استمرار هذه العملية يخلق الأرضية المناسبة للحفاظ على التوتر الاجتماعي وزيادة رقعته، مما يساهم بخلق الأجواء الموضوعية كي تعطي الضغوط الخارجية في ظل الأوضاع الإقليمية والعالمية المعروفة النتائج المطلوبة منها في إضعاف المناعة الوطنية.
5- إن عدم وجود مقياس حرارة للجو الاجتماعي يجعل من عملية الهجرة وخاصة هجرة العقول، عملية استنزاف دائمة للموارد البشرية، فما نربحه من الطبيعة نخسره بالأداء السيىء غير المبرر.
6- وأخيراً تؤدي هذه العملية إلى ازدياد تمركز الرساميل الكبيرة بين أيدي قلة قليلة، والأسوأ أن نتاج هذا التمركز يتوضع في الخارج، سالباً الاقتصاد الوطني موارد هامة كانت فيما لو استخدمت بشكل صحيح، ستساهم جدياً في حل المشاكل الأساسية المنتصبة أمام البلاد.
لذلك يصبح من الهام والملح معالجة هذا الموضوع وحله، فما هي الطريقة لذلك؟

1ــ وما المطلوب لصياغة مؤشر مستوى معيشة؟
يقوم المكتب المركزي للإحصاء بمسح دائم لأسعار التجزئة في البلاد، أي أنه تتوفر خبرة جيدة لبناء سلة استهلاك حقيقية تصبح الأساس لمؤشر الأسعار.وهذه الخطوة الأولى تتطلب مسحاً استبيانياً لعينة عشوائية يتم اختيارها بشكل دقيق تعكس تركيب المجتمع السوري وأنماطه الاستهلاكية.وعليها يتم مراقبة تطور الأسعار بشكل دوري شهري، وحساب تأثير ارتفاع بعض السلع على مجمل السلة الاستهلاكية.إن ما يجري حتى الآن لا يمكن وصفه بالدقة العلمية المطلوبة بسلة أسعار حقيقية:
a) فالسلة نفسها مشكوك بطريقة بنائها.
b) وحتى ولو كانت مبنية بشكل صحيح فإنه لا يتم تنزيل التغيرات بشكل دوري وصحيح لالتقاط التغيرات الحاصلة على مجمل مستوى الأسعار.ولو تم الأمر كذلك لأصبح من السهل تحديد تأثير ارتفاع الأسعار الجزئي على مجمل السلة.لقد كانت المحاولة الأولى الجدية في هذا الاتجاه ما قام به الاتحاد العام لنقابات العمال 1987 في مؤتمر الإبداع والاعتماد على الذات من اقتراح سلة استهلاك غذائية، مما وضع الأساس للمتابعة اللاحقة التي لم تكتمل، والمطلوب وتحديداً من النقابات تبني هذا الموضوع وبناء سلة موازية للسلة الحكومية من أجل الوصول إلى أقرب ما يكون إلى الحقيقة الموضوعية في هذا المجال.
c) ومن ثم، وبما أن زيادات الأجور معروفة ومضبوطة خلال الفترة نفسها التي يقاس فيها ارتفاع الأسعار، فإن نسب ارتفاع الأجور إلى ارتفاع الأسعار يعطينا التغير الحقيقي لمستوى المعيشة.
ولكن هنا لابد من ملاحظة أن مستوى الأجور بشكل عام بحده الأدنى وبحده المتوسط مايزال بعيداً عن الحد الأدنى الحقيقي لمستوى المعيشة ومتوسطه كذلك.
لذلك لابد من إجراءات تعيد التوازن إلى هاتين النقطتين، الأمر الذي يجب أن لا يعني تأجيل قياس مستوى المعيشة إلى حين تحقيق هذا الأمر، بل يمكن بناء السلة وتحديد الحد الأدنى الحقيقي والمتوسط ولحظ التغيرات بعد ذلك بالتدريج.
d) إن ضبط ارتفاعات الأسعار وربطها بالأجور يجب أن يتم بشكل دائم ودوري، أما ماهية هذا الدوري فيجب دراسته وتقديره، والأرجح أنه يجب أن لا يقل عن ثلاثة أشهر، مما يستلزم إيجاد الصيغ التشريعية التي تلزم أصحاب العلاقة برفع الأجور بالقدر الذي يحدده مؤشر مستوى المعيشة الوطني.
إن الوصول إلى هذه الحالة سيؤمن تطوراً متوازناً للاقتصاد الوطني وسيمنع الإخلال بمعادلة الأجور والأرباح على المستوى الكلي، إن حل قضية الأجور هي الحلقة المركزية في التطور الاقتصادي القادم، إذ أنها موضوعياً قاطرة التطور الاقتصادي عالي النمو والذي تتطلبه الظروف الحالية.

2ــ ماذا يعني، وما نتائج عدم وجود مؤشر مستوى معيشة؟
إن الخلل بين الأجور والأسعار الذي ينعكس بازدياد غير عقلاني للأرباح آثار سلبية كبيرة وبعيدة على الاقتصاد الوطني،أي أن غياب مؤشر مستوى معيشة يعني:
ا ـ عدم تجديد قوة العمل:
إن كون سعر قوة العمل عملياً أدنى من قيمتها بكثير، فهذا يعني تآكلها وانهيارها التدريجي بما يحمله ذلك من آثار سلبية على مستوى المعيشة التي تظهر عبر انخفاض المستوى الصحي وصولاً إلى انخفاض وسطي العمر المحتمل للقوة السكانية الفاعلة. إلى جانب انخفاض الكفاءة وتسريع دوران اليد العاملة مما يؤثر بشكل كارثي على العمليات الإنتاجية.
ب ـ تمديد يوم العمل:
بواقع الأجر الحالي، أصبح يوم العمل الفعلي لا يكفي لسد الرمق، مما يجبر اليد العاملة على البحث عن مصادر دخل إضافية تعني عملياً إطالة يوم العمل إلى 12 ساعة و16 ساعة، وبذلك يتم التراجع فعلياً عن مكسب كبير حققته الطبقة العاملة بتحديد يوم العمل بثماني ساعات. وما تزال صحيحة تلك المقولة التي تفيد أن درجة حرية المجتمع تقاس بحجم الوقت الحر الذي يوفره لأفراده.
ج ـ زيادة البطالة:
إن تحديد يوم العمل يؤدي عملياً إلى زيادة المنافسة في سوق العمل ويخفض فرصة الفرد الواحد في الحصول على فرصة عمل واحدة. إن رفع الأجور لتصل إلى مستوى قيمة قوة العمل الحقيقية التي يجب أن تغطي تكاليف الحد الأدنى للمعيشة، يعني عملياً امتصاص جزء كبير من البطالة التي تزداد سنوياً بواقع 150 ألف فرد.
د ـ زيادة الفساد:
إن انخفاض الأجور والحد من فرص العمل يؤدي إلى زيادة الفساد الاجتماعي وتوسع رقعته، وإذا ترافق ذلك مع الاستهلاك الترفي الاستفزازي للشرائح العليا، يزداد الطين بلة، فظواهر الرشوة والسرقة والنهب ومختلف أشكال الانحلال الاجتماعي هي نتيجة مباشرة لتوسع الفقر وتمركز الغنى.
هـ ـ الحد من فرص الاستثمار:
إن اسطورة "اليد العاملة الرخيصة هي محفز للاستثمار" هي مقولة فاسدة وغير صحيحة من حيث الأساس. فكل الحديث والدعاية عن جلب استثمارات لا قيمة له بالنسبة للمستثمر الجدي لأن اليد العاملة الرخيصة تعني بالنسبة له:
1 ـ انخفاض تأهيلها وبالتالي انتاجية اليد العاملة.
2 ـ انخفاض الطلب الداخلي مما لا يشجع على أي مخاطرة للمستثمر.
3 ـ والأهم، احتمال عدم الاستقرار الاجتماعي بسبب التوتر الاجتماعي الذي تفترضه الأجور المنخفضة عدة مرات عن حدود مستوى المعيشة اللائق.
ما هو الحل؟..
إن المستوى الذي وصل إليه علم الاقتصاد نظرياً، إلى جانب التجربة العملية المتراكمة تسمح لنا بالتأكيد أن التطور الاقتصادي ما هو إلا وسيلة لتأمين مستوى معيشة لائق لمجموع العاملين بأجر. إن فعالية وإنسانية أية سياسة اقتصادية يجب أن تقاس عبر هذا المعيار: معيار سعيها لتلبية مصالح الناس وحاجاتهم الأساسية.
لذلك تصبح السياسة الأجرية هي محور أي إصلاح اقتصادي حقيقي. وعليه يمكن القول إن تغيير السياسة الأجرية القائمة هو مطلب ضروري لإنجاح أي تطور للاقتصاد الوطني. فما هي مكونات هذه السياسة بعدما أثبتت الحياة فشل وفساد السياسات الأجرية المتبعة حتى الآن.
أولاً: ربط الحد الأدنى للاجور بالحد الأدنى لمستوى المعيشة:
إن رفع الأجور دون إعادة النظر جذرياً بالحد الأدنى للأجور لا معنى له في نهاية المطاف، إذ أنه يرقع المشكلة دون الوصول إلى جذورها من أجل حلها.
إن تأمين الحد الأدنى لمستوى المعيشة لأجر الحد الأدنى يعني رفع سعر قوة العمل إلى قيمتها الحقيقية، وبعدها يصبح ممكناً تحريك كل سلم الأجور نحو الأعلى على هذا الأساس.
ثانياً: الربط الدوري للأجور بالأسعار:
إن السباق الجاري بين الأجور والأسعار يؤدي عملياً إلى تخفيض مستوى المعيشة مع ما ينتج عنه من انخفاض للطلب الذي يؤثر سلباً على الإنتاج في نهاية المطاف. لذلك يصبح ربط الأجور بتطور الأسعار مطلباً ضرورياً على استمرارية عملية إعادة الانتاج الاجتماعي بما تعنيه من إنتاج وتبادل وتوزيع واستهلاك. وهذا يتطلب عملياً إيجاد سلة للاسعار تراقب تطورها جهة وصائية من قبل الدولة، إلى جانب سلة أخرى يقوم بمراقبتها وحسابها اتحاد نقابات العمال بشكل مستقل. وعلى أساس تطور هذه السلة يجب أن يجري تعديل الأجور أتوماتيكياً بشكل دوري (شهري أو فصلي) إذا تطلب الأمر. وغني عن القول إن هذا الإجراء لا معنى له دون القيام بالإجراء الأول، وهو إعادة النظر بالحد الأدنى للأجور.
ثالثاً: تمويل الزيادات من مصادر حقيقية:
بعد الإجرائين الواردين أعلاه، يجب البحث عن مصادر تمويل حقيقية وليست تضخمية كما جرى ومايزال يجري حتى الآن. أي أن مصدر زيادة الأجور يجب أن لا يكون بأي حال من الأحوال زيادات في الأسعار وخاصة على أسعار مواد أساسية مثل المحروقات الذي يؤدي رفعها إلى سلسلة ارتفاعات لا نهائية على كل المواد. إن المصدر الحقيقي للزيادات على الأجور يجب أن يكون على حساب الأرباح، إذ أن كل زيادة في الأسعار تعني زيادة موازية في الأرباح. والطريقة المثلى والأساسية لتحقيق ذلك هي إعادة النظر بالسياسة الضريبية كي تصبح فعالة وعادلة وتتحول إلى رافعة لتطور الاقتصاد الوطني وليس كابحاً له. طبعاً يجب أن يجري ذلك إلى جانب إجراءات أخرى مثل الحد من الإنفاق الحكومي غير الاستثماري. إن تحقيق هذه الاجراءات أعلاه ممكن وعملي، وهو سيسمح بتحسين المستوى المعيشي للأكثرية الساحقة من الناس، كما سيؤمن استمرارية الدورة الاقتصادية، مما سيسمح بإيجاد مصادر حقيقية وفعالة للتراكم والاستثمار اللاحق.
1ــ وجهة نظر حول الدخل الوطني وطريقة حسابه وتأثير ذلك على مستوى الأجور والأرباح:
بغض النظر عن طريقة احتساب الدخل الوطني حسب طريقة الحسابات القومية الحالية، والتي تعكس حساباً مكرراً للدخل الوطني بسبب خلطها بين فروع الإنتاج الحقيقية التي يتم إنتاج القيمة المضافة فيها وبين الفروع التي تستهلك هذه القيمة بعد إعادة توزيعها، مما يضخم القيمة الإجمالية للدخل الوطني بحدود 30% يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار أن هذا الخلط يؤدي عملياً إلى تخفيض فعالية الاقتصاد الوطني عبر إخفائه الحلقات الرئيسية التي يتم فيها إنتاج القيمة الحقيقية الجديدة وخلطها بشكل معقد مع حلقات أخرى لا علاقة لها بالموضوع.إن فعالية استخدام دخلنا الوطني تظهرها الأرقام التالية المأخوذة من الموسوعة الإستراتيجية لعام 2005 الصادرة عن معهد العلاقات الدولية والإستراتيجية الفرنسي.فسورية حسب تصنيفه هي البلد رقم 55 من أصل 175 من حيث عدد السكان، وهي البلد رقم 69 من حيث إنتاج الدخل الوطني، وهي البلد رقم 102 من حيث حصة الفرد من الدخل الوطني، وهي البلد رقم 106 من حيث سلم التنمية البشرية.
ماذا يعني ذلك؟
إن ما حدتنا به الطبيعة من حيث عدد السكان لا نستخدمه بالفعالية الكافية لإنتاج الدخل الوطني، وما ننتجه من دخل وطني لا نستخدمه بشكل صحيح وعادل لكي ينعكس على كل فرد من السكان، وما يخص كل فرد من السكان من الدخل الوطني لا يفعل بشكل كاف كي يعطي مردوده في التنمية البشرية الشاملة.فنحن نخسر 8% من موقعنا السكاني بسبب سوء استخدام الموارد، ونخسر 19% إضافية بسبب سوء توزيع الموارد، وأخيراً نخسر أكثر من 2% بسبب سوء تفعيل الموارد الموزعة، أي أن مجمل خسارتنا التي تشكل طاقة كامنة لنا 27% من مجمل السلم.فإذا كنا نريد الحفاظ على موقعنا الـ 55 السكاني في إنتاج الدخل الوطني لترتب علينا إنتاج ما قيمته 36 مليار دولار سنوياً أي زيادة قدرها 50% من الناتج الحالي.
وإذا أردنا الحفاظ على موقعنا في الترتيب التسلسلي السكاني فيما يخص حصة الفرد من الدخل الوطني لترتب علينا رفع دخل الفرد الوسطي من 1208 دولار إلى 4112 دولار، أي أربعة أضعاف الحالي، وأعتقد أنه الرقم الصح الذي ينقلنا إلى مصاف متقدم للعب الدور الاستراتيجي المطلوب من سورية، فهل لدينا الإرادة والمعرفة لهذه الخطوة؟نعم إذا تمكنا من تحديد الحلقة الأساسية وبذل كل الجهود الضرورية لحل المشاكل المرتبطة بها ألا وهي مشكلة مستوى المعيشة.










التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. ضابط روسي هرب من بلاده لرفض القتال بأوكرانيا يتحدث لـCNN عن


.. جهود حكومية في الجزائر لمضاعفة زراعة القمح بهدف الوصول للاكت




.. شاهد| دمار في مبنى سكني في دونيتسك جراء تعرضه لقصف أوكراني


.. تطورات ميدانية.. القوات الأوكرانية تقصف 7 أحياء سكنية بـ 150




.. النظام السوري يصادر مساكن المهجرين بدعوى عدم سداد الأقساط