الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


المحارة ... قصة قصيرة

حميدة العربي

2007 / 12 / 12
الادب والفن


لقطة عامة
( امرأة- مجللة بالظلال- ينتصب جذعها مثل شراع لم تلوه الريح ... انا ! )
( رجل ملقى -امامها- على ضفة السرير يتقاسمه الظل والضوء مناصفة ... آدم ! )
* * *
ارتجفت... داهمتني- بشكل مباغت- شهوة للعيد والرجل الممدد قربي.. تمتمت:
- آدم ... الا تستفيق .. الجو خانق والجنة صارت بعيدة ...
تململ وما استدار...
تكورت عند شاطئ السرير اهدهد جسدي المحكوم بالخوف والصبر والرجال " القوامون " .. اداعب البركان الخامد امامي منذ عصور.. ابحث بين رماده عن جمرة او ومضة او بقايا من جواب ظل مشنوقا على السرير.
تأوه- معتذرا او آسفا - : لا استطيع!!
( موجه من سمفونية بيتهوفن التاسعة تنسدل علينا )
* * *
مر عام.. ربما اكثر.. يوم علّمنا على التقويم اشارات طفولية.. نفضنا عن يومنا بعضا من غبار ازماته.. خرجنا عن الطور قليلا..عبرنا دجلة منسابين مثل مشحوف1 وطرّادة 2.. قطعنا شارع النهر حثيثا, رافقتنا "هوسة" الشارع النسوي وازهار قليلة.. واغنيات ما مللنا دفء صداها..
يا نبعة الريحان حني على الولهان
جسمي نحل والروح ذابت وعظمي بان
مضحكا كان مشهدنا وقد استعرنا شاهدين وتعاهدنا في حضرة القاضي..سأضيع وابدد عمري في حقول عينيك الربيعية.. تجولنا في"الرشيد" 3 قليلا.. سقانا ابو جبار4 "شربته"..تجاوزنا ساحة الوثبة.. فجأة.. تسمرنا..عند بداية الرعب واطراف االآمان- حين دوت صافرات الشوؤم- وقف الشارع الكهل على رأسه واقتربت من بعضها الجهات الأربع , ضاقت المسافات وانكمشت على نفسها.. رصت الكتل البشرية في مستطيل لاهب وامتزج الحر القائظ بحمم الصرخات المتبارزة:
حرامي.. فرار5 ... سياسي.. نشال... لا لا.. سياسي .. حرامي .. امسكوه... امسكوه...هارب....
انفلتت يده من يدي مخنوقة مثل جنين في ولادة عسرة وامتلأت المسافة بيننا ببحر من الاجساد والغربان تنعق فوقها...تنافست على جسده الناحل الوان واصناف من الركلات والطعنات...حملوه مثل حمامة مذبوحة على سياخ الشواء..
هزمت... وضاع مني , فهل اصرخ او انوح ؟
تحسست ما تبقى مني... كان جسدي مثل طائرة ورقية تلهث مذعورة بين الشد والأرخاء.
توكأت على عجزي وتقلدت شجاعتي المزعومة وصبري المتهاوي ... وهرولت اوزع لهاثي في شوارع بغداد.. تقذفني الريح من باب الى باب.. من الشرقي الى باب المعظم.. ومن الدروازة الى القبلة 6 .. يستفزني هدوء الأزقة وانعطافاتها اللامبالية, كأنه متعمد ومبالغ فيه.. بل احسه موجه ضدي .. ضد غليان دمي واضطراب مشاعري.
صفقت بغداد ابوابها في وجهي... وهزمت للمرة المليون.. فهل اصرخ او انوح ؟
( لقطة مقربة جدا لآدم- ملقى امامي على السرير- مطبّر ومكسّر وجراحه مثخنة بالملح والتيزاب.. وحدائق عينيه موصدة الابواب لا ينفذ منها النور الا شحيحا)
يتقرفص.. يقترب وجهه من عينيّ.. تدنو عيناي من ذاكرته فأرى- بلقطات متسارعة-
- محارة جمر تهوي ملتهبة مثل شهاب
- رجل- آدم- يقيد من اربع
- المحارة تواصل انقضاضها
- ينتفض الرجل المشرع اليدين والساقين
- تفغر المحارة فمها... تبرق!
- يجحظ وجهه رعبا وعيناه
- تطبق المحارة على ما بين ساقيه
- نافورة من نار.. تنفجر صرخته!
- يتكوم رمادا منطفئا!!
( موجه موسيقية عاتية تجتاح لحظتنا المدججة بالصراخ ) ...
انفجر, اتكوّم عليه!!


* * *



1- المشحوف : زورق خشبي صغير
طرادة: بتشديد الراء , زورق صغير جدا , يشبه الهلال , ينساب على الماء برشاقة
2- هوسة : ضجيج باللهجة العامية العراقية
3- الرشيد : من اقدم الشوارع في بغداد
4- شربت ابو جبار : اشهر محل عصير في شارع الرشيد
5- فرار: من يفر من الخدمة العسكرية
6- ابواب بغداد القديمة








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. السودان.. الفنانون الملتزمون يحاولون إحياء روح الثورة • فران


.. تفاعلكم الحلقة كاملة: خبير يكشف سبب زلزال تركيا وسوريا وهجوم




.. مليون مواطن في جنازة أم كلثوم يتقدمهم رئيس الوزراء وهدير الأ


.. تفاعلكم : هجوم عالمي على شارلي ايبدو لنشرها كاريكاتيرا يسخر




.. فنان مهاجر يضفي لمسة ملونة على جدران الأحياء الفقيرة في موري