الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


هزيمة للعنصرية وللعداء لليسار في المانيا

نبيل يعقوب

2008 / 1 / 31
اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم


غيرت نتائج الانتخابات في مقاطعتين في غرب المانيا الخريطة السياسية في المانيا. وكانت ابرز نتائجها نجاح حزب اليسار الالماني لاول مرة بعد الوحدة الالمانية في دخول برلمان نيدر ساكسن (عاصمتها هانوفر) حاصلا على 1و7 % من الاصوات
ودخول برلمان مقاطعة هيسين (عاصمتها فيزبادن) بنسبة 1و5 % من الاصوات.

وبينما سيواصل الائتلاف الوزاري القائم في هانوفر(الحزبان المسيحي والليبرالي) الحكم، يختلف الامر في مقاطعة هيسين كثيرا. فرغم ان الحزبان الكبيران قد حصلا على نصيب الاسد من الاصوات: المسيحي الديمقراطي 8و37% بخسارة 12 بالمائة من الاصوات مقارنة بالدورة السابقة، والديمقراطي الاجتماعي 7و37%) الا ان ايهما لا يستطيع تشكيل الحكومة وحده. وقد نشأ وضع معقد لا يمكن الديمقراطيين الاجتماعيين وحلفائهم الخضر من الحكم دون اتفاق مع حزب اليسار، الاحتمال الثاني هو التحالف مع الحزب الليبرالي مما يعني التخلي عن وعودهم الانتخابية التي حصلوا بفضلها على اصوات الناخبين. وهنا نستبعد مؤقتا خيار ان تتجه السيدة ابسيلانتي، زعيمة الديمقراطيين الاجتماعيين، للتحالف مع كوخ، رئيس الوزراء الحالي، بعد المعركة الانتخابية الصاخبة، وايضا بعد ان اكتشف الديمقراطيون الاجتماعيون طوق النجاة الذي ينقذهم من تدهور شعبيتهم هو الابتعاد عن التحالف مع المسيحيين الديمقراطيين .. على الاقل في المقاطعات.

انتهاك المحرمات!
تتصرف احزاب المانيا البرجوازية في الغرب ازاء نتيجة الانتخابات بانفعال وكأن المحرمات قد انتهكت. والكارثة التي تستشعرها هذه الاحزاب تكمن في ادراكها انه رغم امتلاكها مراكز القوة في البرلمانات الا ان نهاية احتكارها لتمثيل الناخبين في الحياة البرلمانية في الغرب قد حلت. ذلك الاحتكار تحقق بفضل سيناريو تتبادل فيه احزاب تقليدية اربعة (الاتحاد المسيحي، الديمقراطيون الاجتماعيون، الليبراليون، والخضر) مقاعد الحكومات الائتلافية، مواصلة – في نقض واضح لوعودها الانتخابية - نفس السياسات الاقتصادية الاجتماعية التي وعدوا باصلاحها .. هذا الاحتكار اصبح في خبركان على الاقل بالنسبة لسنوات عديدة مقبلة. ايضا سقطت "عقيدة" كانت راسخة في المانيا، وهي القائلة بان اي حزب يقف على يسار الديمقراطيين الاجتماعيين لا فرصة امامه في المانيا.

حزب اليسار والذي تشكل قبل نحو نصف سنة عن وحدة حزب الاشتراكية الديمقراطية في شرق المانيا مع قوى اليسار التي تركت حزب الديمقراطيين الاجتماعيين بعدما اصبح قوة الدفع الرئيسية لسياسات النيوليبرالية، وتحقيق اليسار لوجود مؤثر في الشرق والغرب ترجعه استطلاعات الرأي والعديد من ابرز المحللين السياسيين لنمو قناعة الناخبين بصدق هذا الحزب في الدفاع عن مصالحهم الاجتماعية. وتعترف اصوات اعلامية عديدة بأن التطور الجاري يمثل تغيرا هاما في الثقافة السياسية في المانيا. وثمة نتيجة اخرى هامة لوصول اليسار الي برلمانات مقاطعات الغرب الكبيرة وهي نهاية نظام الاحزاب الثلاثة او الاربعة التي تسود الفضاء السياسي في الغرب. الآن ترسخ نظام الخمسة احزاب.

والتاريخ يذكرنا بانه لم ينجح اي تنظيم يساري في الوصول الي البرلمانات في مقاطعات المانيا الغربية منذ منتصف الخمسينيات من القرن الماضي، وهو تاريخ منع الحزب الشيوعي الالماني. وكان المحافظون والليبراليون والديمقراطيون الاجتماعيون يبشرون بأن الوحدة الالمانية في سنة 1990 قد طوت الي الابد صفحة اليسار الالماني. ولكن نتائج الانتخابات في 27 يناير 2008 والتي دعي لها 5و10 مليون ناخب جاءت لتؤكد ان التاريخ مفتوح ولم تحل نهايته كما يروجون. اليسار الالماني الآن ممثل في برلمانات 9 مقاطعات من مقاطعات المانيا الستة عشر.

لاول مرة لا يتجاوب الناخبون مع الدعاية العنصرية

المثير والجديد ان الهزيمة الثقيلة التي تلقاها اليمين المحافظ (الحزب المسيحي الديمقراطي) في مقاطعة هيسين تمثلت في فشل الحملة الانتخابية التي نظمها رئيس الوزراء كوخ والتي اعتمدت دعاية معادية للاجانب وعنصرية استغلت الادانة الشعبية الشاملة لحوادث الاعتداءات على المسنين من قبل عناصر اجرامية، ولكنه ربطها بحادث محدد هو اعتداء شابين من اصل اجنبي على الماني مسن، وعممها بمحاولة نشر حالة من الذعر، ومن ثم طالب بسن قوانين مشددة لترحيل "المجرمين الاجانب". وقد اثارت الحملة العنصرية غضب واحتجاج الكنائس واتحادات المسلمين ومنظمات المجتمع المدني واوساط المثقفين والاعلام باستثناءات قليلة. ولجأت الحملة الانتخابية العدوانية للمحافظين لسلاح قديم هو سلاح العداء للشيوعية محذرة من "كتلة اليسار" التي لا وجود لها الا في مخيلة اصحابها.

بالنسبة للمجتمع المدني والمواطنين من اصول اجنبية في المانيا، ولليسار يعد فشل الحملة العنصرية المعادية للاجانب في جذب الناخبين للتصويت للحزب المسيحي في هيسين من اهم المؤشرات التي تنبئ بانحسار تأثير الديماجوجية القومية على نسبة هامة من الناخبين. وكان نفس السياسي المحافظ رولاند كوخ قد نجح في الوصول الي الحكم سنة 1999 بفضل حملة لجمع التوقيعات ضد مشروع قانون الجنسية الجديد والذي كان ينص على السماح بازدواجية الجنسية للمواطنين الاجانب الحاصلين على الجنسية الالمانية. وسيلحق ضرر مؤكد بالمستشارة الالمانية التي ساندت هي وقيادة الحزب المسيحي الديمقراطي استراتيجية كوخ الانتخابية.

العداء لليسار اداة رئيسية لاخضاع المواطنين للنيوليبرالية

ولكن العداء للشيوعية الراسخ عبر التاريخ في غرب المانيا والترويج المتواصل لدعايات نظام السوق كاداة رئيسية للحفاظ على الناخبين في اسر الاحزاب الحافظة للنظام النيوليبرالي لم ينجحا في الصمود ازاء الانتقادات والاحتجاجات الشعبية التي لم تنقطع طوال السنين الماضية. ودفع المحافظون في مقاطعة هيسين ثمن نهجهم النيوليبرالي والعنصري. من الشعارات التي اثرت على نتائج الانتخابات مطالبة حزب اليسار وايضا مرشحة الديمقراطيين الاجتماعيين، التي كانت من معارضي سياسات المستشار شريدر، بوضع حد ادنى للاجور، وباصلاح النظام التعليمي ليتيح فرصا متساوية للاطفال والشباب بغض النظر عن دخل والديهم. الصراع السياسي في المانيا ابرز اتجاهات جديدة في المزاج الجماهيري لا يستطيع حزب او حكومة تجاهلها. وسيتواصل هذا الصراع في انتخابات مقاطعة هامبورج في شهر مارس القادم. وهناك ايضا اصبحت سلطة الحزب المسيحي الديمقراطي مهددة.

تغيير الجزء من اجل الحفاظ على الكل!

لا يتوقع ان تتغير الخيارات الاستراتيجية للقوى النافذة في المجتمع الالماني في ظل موازين القوى القائمة. ولكن الاحزاب الكبيرة تملك ازاء قادة الاقتصاد (ايضا لمصلحتهم هم!) هامشا من حرية حركة محدود، ولكنه يكفي لاحداث تعديلات على سياساتها تتجاوب مع الح المطالب الجماهيرية لتضمن لها قاعدتها الانتخابية. هذه المرونة المعروفة في السياسة الراسمالية لا غناء عنها لتجاوز الازمات، ولكن هذا النهج لا يعمل الا في دول لا تستطيع قمع شعوبها.
حجة "العولمة تجبرنا على هذه السياسة ولا بديل امامنا" والتي يتكرر سماعها تصبح انتحارا سياسيا عندما ينبئ التطور بتغير الخريطة السياسة. والهدف سيكون تغيير الجزء من اجل الابقاء على الكل!








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. مصادر: ورقة السداسية العربية تتضمن خريطة طريق لإقامة الدولة 


.. -الصدع- داخل حلف الناتو.. أي هزات ارتدادية على الحرب الأوكرا




.. لأول مرة منذ اندلاع الحرب.. الاحتلال الإسرائيلي يفتح معبر إي


.. قوات الاحتلال الإسرائيلي تقتحم مناطق عدة في الضفة الغربية




.. مراسل الجزيرة: صدور أموار بفض مخيم الاعتصام في حرم جامعة كال