الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


فلسطين سويسرية!

صبحي حديدي

2003 / 12 / 11
القضية الفلسطينية


يسعدني هنا (وأرجو أنّ الأمر سوف يسعد الكثيرين أيضاً، الأشقاء الفلسطينيين بصفة خاصة، والزميل الصديق رشاد أبو شاور على نحو أشدّ خصوصية)، أن أستعيد حكاية بليغة رواها ذات يوم الأب ج. سيمون حراق (وأرجو، من جديد، أنني أكتب اسمه على الوجه الصحيح، لأنه جاء في الإنكليزية هكذا: Harak). وفي هذه الأيام غير المباركة فلسطينياً، حين ينوي ياسر عبد ربه وشركاؤه إلقاء جميع اللآلىء الفلسطينية أمام خنازير حزب العمل الإسرائيلي، أعود إلى الأب حراق لأنّه سفّه واحدة من الأساطير التأسيسية التي نهضت عليها الحركة الصهيونية، بل هي الأسطورة الكبرى الأشدّ زيفاً في تمثيل حقّ اليهود في فلسطين، والتي تقول: "أرض بلا شعب، لشعب بلا أرض".
ولست أعرف ما إذا كان الأب حراق فلسطينياً، ولكنني لا أرتاب البتة في أنه أدّى واجباً يرقى به إلى مصافّ المواطن الفلسطيني الأوّل. ففي برنامج شهير بعنوان "الرحّالة العليم"، تبثه الإذاعة الأمريكية الشعبية NPR، كتبت السيدة ماكســـــين دافيز عن رحلات ذويها إلى الأراضي المقدسة، فقالت إنهم "شــــاهدوا إسرائيل حين كانت ما تزال صحراء، واليابان حين كانت بلا سيارات". الأب حراق أرسل إلى الإذاعة ردّاً ذكياً وعليماً حقاً، أقتطف منه ما يلي:
"أستطيع أن أفهم الأمر بالنسبة إلى اليابان، ولكن في أيّ زمن سافر هؤلاء إلى إسرائيل حين كانت ما تزال صحراء؟ لا يمكن أن تكون الرحلة قد جرت في العام 1946، ففي تلك السنة سافر إلى فلسطين والتر لاودرميك، نائب رئيس مصلحة حفظ الأراضي الأمريكية، وتفقد البلاد، وعاد ليقارنها بولاية كاليفورنيا، مع فارق أنّ التربة في فلسطين أفضل بكثير.
ولا يمكن أن تكون الرحلة قد جرت في العام 1945، حين كانت فلسطين تضمّ 600 ألف دونم من الأراضي المزروعة بأشجار الزيتون، وكانت تنتج 80 ألف طنّ من زيت الزيتون، أي ما يعادل 1% من مجمل الإنتاج العالمي. وليس في العام 1943، إذْ كانت فلسطين تنتج 280 ألف طنّ من الفواكه، والحمضيات على رأسها. وليس في العام 1942، حين أنتجت البلاد 305 آلاف طن من الحبوب والخضار. وليس في العام 1939، حين صدّرت فلسطين 15 مليون صندوق من الحمضيات. ولكنّ لعلّ أهل الآنسة دافيز سافروا إلى فلسطين قبل أكثر من 60 عاماً. هل كانت صحراء عندئذ؟
حسناً، لا يمكن أن يكونوا قد سافروا في مطلع العقد الأوّل من القرن العشرين، فوجدوا الأرض صحراء. ذلك لأنّ موشيه دايان أشار إلى أنّه ما من قرية يهودية إلا وبُنيت على أنقاض قرية فلسطينية... ولا يوجد مكان واحد بُني في هذه البلاد ولم يكن قبلئذ مسكوناً من قبل العرب. 1893؟ غير ممكن، لأنّ القنصل البريطاني نصح حكومته باستيراد أشجار الفاكهة من يافا لتحسين الإنتاج في أستراليا وجنوب أفريقيا.
ولا يمكن أن تكون الرحلة قد جرت سنة 1887، حين أصيب لورنس أوليفانت بالذهول وهو يطلّ على أحد وديان فلسطين، فأبصر "بحيرة هائلة خضراء من سنابل الحبوب المتموّجة، وروابي متوّجة بالقرى تنهض من قلبها كالجُزُر، وصورة مذهلة عن خصوبة عامرة". وليس بين أعوام 1850 و1821، لأنّ الجغرافي الألماني ألكسندر شولش اكتشف آنذاك أنّ فلسطين تصدّر كميات كبيرة من الفائض الزراعي إلى الدول المجاورة وأوروبا. وأمّا في العام 1859 فقد وصف المبعوث البريطاني الساحل الجنوبي من فلسطين بأنه "محيط عباب من الحبوب". وليس في العام 1856 لأنّ هنري غيلمان، القنصل الأمريكي في القدس، اقترح استفادة مزارعي الحمضيات في فلوريدا من التقنيات الفلسطينية في التطعيم.
فهل يعقل أنّ أهل دافيز زاروا فلسطين في القرنَين الثامن عشر والسابع عشر؟ الإقتصادي والمؤرّخ الفرنسي بول ماسون اعترف أنّ استيراد القمح من فلسطين أنقذ فرنسا من مجاعات عدّة. في زمن أقدم ربما؟ في عام 1615 كان الإنكليزي جورج سانديز قد وصف فلسطين بـ "الأرض التي تسيل حليباً وعسلاً ، حيث لا بقعة تخلو من الحبور والنفع".
وبعد العودة إلى عهود سحيقة أكثر، وصولاً إلى القرن التاسع، يبلغ الأب ج. سيمون حراق النتيجة التالية: يبدو أنّ الانسة دافيز تتذكّر أرضاً صحراوية لم تكن قائمة في أيّ يوم. والأمر أنها، وأنكم [هيئة الإذاعة] تردّدون التلفيق الصهيوني الذي يقول إنّ الصهاينة هم الذين جعلوا الصحراء تخضرّ، ولهذا فإنهم يستحقون الأرض التي طردوا الفلسطينيين منها".
مَن الذي عمّر فلسطين هذه، الخصبة العريقة، التي يصف الأب حراق نزراً يسيراً من محاسنها العبقرية؟ أليس الفلسطيني الذي تسحقه شروط الشتات ويريد فلسطينيو جنيف أن يسقطوا عنه حقّ العودة؟ أليس أيضاً الفلسطيني الذي تقصفه وتهدم بيوته وتجرّف أرضه وتقتلع زيتونه سلطات الإحتلال البربرية؟ إنه بالتأكيد ليس ياسر عبد ربه، وليس نبيل شعث أو جميل الطريفي أو حكم بلعاوي. ولهذا فإنّ فلسطينه كانت وتظلّ من النوع الذي يصفه الأب ج. سيمون حراق، تقع في فلسطين التاريخية دون سواها، "كانت تسمي فلسطين... صارت تسمي فلسطين"، كما يقول محمود درويش. وهي حتماً ليست فلسطين التي يجري تجميعها على ضفاف بحيرة ليمان!








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. شاهد| اعتراض قذائف أطلقت من جنوب لبنان على مستوطنة كريات شمو


.. حصانة جزئية.. ماذا يعني قرار المحكمة العليا بالنسبة لترمب؟




.. المتحدثة باسم البيت الأبيض تتجاهل سؤال صحفية حول تلقي بايدن


.. اليابان تصدر أوراقا نقدية جديدة تحمل صورا ثلاثية الأبعاد




.. تزايد الطلب على الشوكولا في روسيا رغم ارتفاع سعرها لعدة أضعا