الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


عن العنف والإيدز والسحرة.. من يقاضي القاضي؟

ليندا حسين

2008 / 2 / 18
حقوق الانسان


إنهم يشنون حملة اعتقالات لا مثيل لها في أية بقعة أخرى من العالم لتصيد المشكوك في إصابتهم بفيروس نقص المناعة المكتسب "الإيدز". المصابون المحتجزون يربطون بسلاسل إلى الأسرة ويتعرضون للضرب ويجبرون على إجراء فحوص طبية لاختبار المثلية الجنسية. المكان ليس أوروبا القرن الثاني عشر والمنفذون ليسوا محاكم التفتيش الحاكمة بأمر الله! المكان مصر 2008 والجلادون هم "السلطات المصرية".

الأرقام القادمة من كل من السعودية ومصر وسوريا والأردن تشير إلى ازدياد معدل الإصابات بمرض الإيدز بنسب تفوق القدرة على التصديق. ففي الوقت الذي كان بالكاد يمكن العثور على إصابات في منتصف التسعينات وبينما تعتبر المنطقة العربية حتى اليوم واحدة من أقل مناطق العالم إصابة بهذا الفيروس تشير الأرقام إلى ازدياد وصل إلى نسبة تفوق 20% عن المعدلات السابقة المسجلة عن العدوى في هذه المنطقة. ما يعتبر مؤشرا محزنا ومخيفا على التنبؤات على المدى البعيد. هذا للأسف ليس حال الدول المتطورة فالإحصاءات القادمة من الولايات المتحدة تشير إلى انخفاض حقيقي في معدلات الإصابة الجديدة بهذا الفيروس بدءا من منتصف الثمانينات. الأسباب ليست بحاجة لكثير من التفكير إنها حملات التوعية المكثفة والجادة ومحاولة توصيل معلومات عن طرق انتقال العدوى وسبل الوقاية منها وتوفير الفحوص الدورية والإعلان عنها. مثل هذه الحملات تتوجه بشكل أكثر كثافة لفئات عمرية معينة حيث تكثر الإصابة في أعمار النشاط الجنسي مقارنة بالطفولة والكهولة.

في ألمانيا تمكنوا من إنقاص عدد الحالات الجديدة من المصابين بالفيروس من ما يقارب 7000 حالة جديدة أواسط الثمانينات إلى معدل استطاع منذ التسعينات الثبات عند 2000 ـ 2500 حالة جديدة. إنهم لا يتحرجون من تعليق ملصقات التوعية والتحذير في كل أماكن تواجد الناس. يعرضون باستمرار برامج توعية ولا يوفرون مناسبة للتذكير بمسألة على هذه الدرجة من الخطورة. مؤخرا قبل بعض المصابين بالفيروس في ألمانيا بالتعاون لتصوير فيلم تم عرضه في اليوم العالمي للإيدز وتكلموا فيه بكل صراحة عن تجربتهم وكيفية انتقال الفيروس لهم، عن معاناتهم الصحية والنفسية والاجتماعية وبرامج العلاج المتوفرة لهم. بعض المرضى ماتزال عائلاتهم تحيط بهم ويتابعون حياتهم ولهم شركاء. لكن بالمقابل يعيش بعض المرضى في عزلة حقيقية.

في الوقت الذي تتعاون فيه مراكز الأبحاث ومنظمات الصحة وحكومات العالم على تطويق وعلاج هذا المرض. تقف الحكومات العربية عاجزة عن التعامل مع بضعة مصابين رغم وجود وتوافر خبرات ثلاثة عقود من التعامل مع المرض في البلدان الغربية. ففي تصورهم أن تطويق خطر هذا الفيروس سيتم بالاعتقالات، رغم أن الاعتقالات أثبتت دوما أنها لا يمكن أن تكون حلا لمآزق الحكومات. المسألة تحتاج للمبادرة. و أما العنف فلا يمكن أن يحقق أي تقدم. إنه يتسبب بإشاعة الذعر وبنشر حالة من سوء الفهم والغموض على مسألة لا تتحمل لا الغموض ولا سوء الفهم. كان يجب أن نكون قد تعلمنا كثيرا من التجربة المخزية للمجتمعات مع مرضى الصرع والفصام والتوحد، فالعلم أثبت ببراهين لا تقبل الشك أن ما كان يعتقد لأعوام عديدة أنه مس من الشياطين والجان وغضب الآلهة ليس سوى خلل عضوي أو فيزيولوجي قد أتعرض له أو قد يتعرض له أي إنسان آخر. وأن الشعوذة والسحر والاستبعاد لم يكن الحل الأمثل لهذه الحالات، بل المشافي والأدوية والأطباء والتوعية الصحية.

المثير للاستغراب استغلال خوف الناس من مسألة الإيدز والعمل على ترويج شائعات لا أساس لها من الصحة وعلى توجيه اتهامات واستخدام قضايا الإيدز في الشطرنج السياسي وزج أخبار غير موثوقة أو ناقصة التفاصيل عن لقاحات وأمصال وكوابيس ومؤامرات تبدأ من إسرائيل ولا تنتهي في بلغاريا. في حين تحتم كل معايير الأخلاق وأبسط الحقوق المدنية أن يتم توعية الجميع وتقديم النصح والعلاج للمشكوك بإصابتهم بالفيروس. وبدلا من قطع الأيدي وقص الرقاب يمكن بث برنامج من خمس دقائق بعد نشرات الأخبار السعيدة، وبدلا من ساعات البث الديني أو السياسي أو الغنائي والتي لم يعد لها نهاية يمكن إفراز مساحة صغيرة لطبيب للتكلم عن المسألة. وبدلا من دفن الرؤوس مثل النعامة آن الأوان للتكلم وبصراحة عن الواقيات الذكرية. هناك يوميا شباب ينتابهم شك أو خوف من العدوى. من سيجرؤ منهم بعد اليوم على القيام باختبار الكشف عن الفيروس بعد خبر الاعتقالات الأخير القادم إلينا هذه المرة من مصر؟








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. تونس...منظمة مناهضة التعذيب تحذر من تدهور الوضع الصحي داخل ا


.. الأونروا مصممة على البقاء..والوضع أصبح كارثي بعد غلق معبر رف




.. كلمة أخيرة - الأونروا: رفح أصبحت مخيمات.. والفلسطينيين نزحوا


.. العضوية الكاملة.. آمال فلسطين معقودة على جمعية الأمم المتحدة




.. هيئة التدريس بمخيم جباليا تنظم فعالية للمطالبة بعودة التعليم