الحوار المتمدن - موبايل


الحكومة السورية لبرالية في الاقتصاد دكتاتورية في السياسة !!

كامل عباس

2008 / 6 / 15
اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي


انقلبت سمة العصر في الدول التي كانت تشكل سابقا – المعسكر الاشتراكي وعلى رأسه الاتحاد السوفياتي - وأصبحت السمة الآن هي الانتقال من "الاشتراكية " الى الرأسمالية , وفتحت تلك الدول سوقها للاقتصاد الرأسمالي العالمي , وقطعت خطوات على الطريقة الغربية في الاقتصاد والسياسة , وانتهى فيها نظام الحزب الواحد والصوت الواحد واللون الواحد , لكن الصين الشعبية اختارت طريقا آخر للالتقاء مع السوق الرأسمالية العالمية , جوهره لبرالية في الاقتصاد ديكتاتورية في السياسة , أي أنها ماتزال تحكم تحت يافطة الشيوعية ’ يافطة الحزب الواحد والصوت الواحد , وهي والحق يقال تبدو حتى هذه اللحظة دولة قوية متماسكة واقتصادها يحقق نموا متصاعدا يساعدها على ذلك تاريخها الخاص بها وسوقها الواسعة , إضافة الى استفادتها من أخطاء الاتحاد السوفياتي السابق .
يحلم قادة حزب البعث في سوريا ان يسيروا على طريق الصين ليتخلصوا من أزمتهم الاقتصادية الحالية , وهو ما أعلنه مؤتمر حزبهم الأخير بالتوجه نحو اقتصاد السوق ’ عبر ما سموه – اقتصاد السوق الاجتماعي – وهو يعني عمليا : لبرالية في الاقتصاد ديكتاتورية في السياسة ’ ولكنهم واهمون على ما اعتقد . فالفروق كبيرة جدا بين الوضع الصيني والوضع السوري , فاذا سمحت إمكانيات الصين وموقعها الجغرافي من تحقيق استقلال اقتصادي نسبي عن السوق العالمية , فان سوريا عاجزة عن ذلك لألف سبب وسبب في ظل النظام العالمي الجديد , كيف لسوريا ان تحافظ على استقلال اقتصادي عن محيطها وجوارها العربي وغير العربي الذي يدور في فلك النظام الاقتصادي الرأسمالي العالمي بقيادة أمريكا ؟ نسوق مثالا واحدا تتمظهر فيه هذه الأزمة ’مستوحى من المواد المسماة مدعومة في سوريا وفي مقدمتها المازوت , لم يعد خافيا على احد أن سعر المازوت في سوريا أرخص من سعره بكثير في كل الدول التي لها حدود مشتركة مع بلدنا سواء الأردن او لبنان او العراق او تركيا , وفي ظل النظام الرأسمالي القائم على الربح بأي طريقة, يعمل التهريب بطرق متعددة كما هو حاصل الآن , والذي يرهق الدولة السورية ويكلفها الكثير من الخسارة المالية الى جانب خسائرها بسبب الدعم , ولاحل لهذه المشكلة الا بتحرير سعر المازوت ليصبح كما في بقية الدول لمجاورة ,وسعر المازوت يكاد ان يكون عنوانا للأزمة في سوريا فسعره الحالي من بقايا الماضي الاشتراكي , وبه يرتبط سعر الخبز والمواصلات , وارتفاعه سيؤثر بشكل مباشر على الطبقات الشعبية وذوي الدخل المحدود , وهنا تكمن المشكلة ’ أي انه ببساطة انتقال من الاقتصاد الاشتراكي القائم على التخطيط والدعم الى اقتصاد السوق غير الاجتماعي ’
المشكلة ليست بهذه البساطة ’ بل انها بمنتهى التعقيد , يدل على ذلك عدم قدرة الدردري وفريقه الاقتصادي تحرير المازوت من الدعم حتى الآن , وتراجعه عن قراره أكثر من مرة أمام ضغوط منتقديه – الاشتراكيون تحديدا سواء في الموالاة او المعارضة – الذين يزيدون الطين بلة .
ومع قناعتي بأن اشتراكيي بلادي سواء الموجود منهم في الدولة ام في الجبهة الوطنية ام في المعارضة ’ لايريدون للطبقة العاملة وحلفاؤها الا كل خير , ونواياهم نحو الفقراء حسنة جدا , لكن بكل أسف أقول لهم : ان الطريق الى جهنم مبلطة بالنوايا الحسنة , ماذا يريد هؤلاء ؟ ان نبقي على قطاع عام رائد ولكنه خاسر ! ألم تقل الحياة كلمتها بتلك الاشتراكية التدخلية التي أنتجت رأسمالية الدولة وما تلاها من خراب للمجتمعات المسماة زورا (دول اشتراكية ) واذا كانت تلك الاشتراكية في أوج نهضتها قد مهدت لسرقة الدولة وهروب الأموال السورية الى الخارج لتزكم الأنوف هناك , مثل جادة الشهابي في أمريكا , ونفق رفعت الأسد في بريطانيا , فماذا سيكون مصير سرقتها في أوج هبوطها ؟ كفانا إسقاط رغباتنا على الواقع في حقل الاقتصاد الجاف الذي يسير ضمن القانون الرأسمالي رغما عنا .
أما القوى السياسية التي تّدعي الحرص على مصلحة الطبقات الشعبية , فعليها اذا كانت جادة أن تعمل من أجل إعادة حق الإضراب كشرط لقبول رفع الدعم , وهو سلاح فعال بيد الطبقة العامة من اجل ربط الأجر بالسعر , وتحسين وضعها بما يعادل خسارتها من الدعم السابق . وان تكون القاعدة التي تسير عليها الطبقة العاملة في سلوكها تجاه القطاع العام هي - بيع وخصخصة كل قطاع في الدولة اذا كان خاسرا , و الحفاظ على أي قطاع عام يصمد أمام المنافسة ولا يكون خاسرا,
هذا يعني بصريح العبارة العودة الى مرحلة الخمسينات ’ التي قامت على - لبرالية في الاقتصاد والسياسة – و قد تمّكن المناصرون للطبقات الشعبية من خلال برلمان عم 1949 وعام 1954 ان يضفوا على السياسة السورية طابعا وطنيا رغم حجمهم الاقتصادي المحدود في المجتمع قياسا بحجم القوى البرجوازية الكبيرة والقوى الإقطاعية آنذاك ’ وان ينمو الاقتصاد ككل لتستفيد منه كل الطبقات في المجتمع .
وإذا أرادت القوى الاشتراكية أن تستعيد دورها المعروف داخل سوريا في الخمسينات ’ فعليها ان تدرك ان ميزان القوى مختل لصالح الأغنياء الجدد ’ ليس اقتصاديا فقط ’ بل وسياسيا أيضا , بفضل الحقبة الاشتراكية ’ – أي أن عليها نبذ خلافاتها فما بينها و مضاعفة جهودها كي تستعيد جزءا من ذلك الدور التي لعبته في الخمسينات - ونحن هنا نسوق مثالين من آلاف الأمثلة يلقي الضوء على وقعها المرير الحالي الذي يشكل نقطة الانطلاق . .
المثال الأول :
اخترناه من شعر الشاعر الدمشقي الكبير نزار قباني والتي جادت قريحته في لندن عام 1954 بقصيدة- خبز وحشيش وقمر- قالها في عاصمة الضباب غير عابئ هناك بالمنافقين من رجال الدين وسواهم من الدينين المتزمتين ومما جاء فيها
.........
ايها النبع الذي يمطر ماس
وحشيشا ونعاس
ايها الرب الرخامي المعلق
ايها الشيئ الذي ليس يصدق
دمت للشرق .... لنا
عنقود ماس
للملايين الذي عطلت فيها الحواس

وصلت القصيدة الى شوارع دمشق , فاغتاظ الاسلاميون منها لأنها تصفع معتقداتهم وتتهكم على تاريخهم , تاريخ( خير امة اخرجت للناس ) كما يزعمون , وضغطوا على نوابهم في البرلمان كي ينتزعوا قرارا بفصل الشاعر من السلك الدبلوماسي بحجة الإساءة الى سوريا ة وفعلا تقدموا بطلب في إحدى جلسات البرلمان للتصويت على فصل الشاعر من وظيفته , فطلب رئيس البرلمان قراءة القصيدة كي يحكم عليها النواب , فقراها الشيخ احمد المبارك (0عضو المكتب السياسي لجماعة الاخوان المسلمين ) بصوته الجهوري ولغته البليغة , وعندما انتهى من قراءته لها صفق النواب إعجابا بها , وكانت النتيجة عكس ما أرادوا .
لنقارن ما فعلته مقالة وليس قصيدة في نفوس الجماهير كتبها شاب مغمور - وليس شاعرا مشهور- في الحقبة الاشتراكية
. ففي 25 نيسان من عام 1967 نشرت مجلة - جيش الشعب - الأسبوعية الصادرة عن الجيش السوري مقالة كتبها ضابط شاب اسمه ابراهيم خلاص عن كيفية تشكيل شخصية الإنسان العربي الاشتراكي الجديد . وفقا للمقالة فان السبيل الوحيد لبناء المجتمع العربي والحضارة العربية هو بخلق انسان عربي اشتراكي جديد يعتقد ان الله والأديان والإقطاع والرأسمالية وكل القيم التي سادت في المجتمع القديم ليست أكثر من مومياءات في متاحف التاريخ, وان هناك قيمة حقيقية واحدة فقط : الإيمان برجل القدر الجديد المعتمد على ذاته والذي يعمل لأجل البشرية ويعلم أن الموت نهاية لا مفر منها وان لاشيء بعد الموت – لا جنة ولا نار ...
لا اعتقد أن المقالة تجرح شعور الدينين وتتهكم على معتقداتهم أكثر من القصيدة ’ مع ذلك فقد تمكن المناوئون للحكم من إجراء مظاهرات عنيفة في الشارع السوري اضطرت الحكومة البعثية الى ان تعلن عبر الاذاعة في السابع من أيار:( ان المقالة الآثمة والمضللة التي نشرت في مجلة – جيش الشعب – جاءت حلقة في سلسلة مؤامرة رجعية أمريكية واسرائيلية .. وأثبتت التحقيقات التي أجرتها السلطات بان المقالة وكاتبها لم يكونا سوى أدوات بيد المخابرات المركزية الأمريكية التي استطاعت التسلل بدناءة وقذارة الوصول إلى أهدافها بخلق الفوضى بين صفوف المواطنين . وان الكاتب أحيل الى محاكمة عسكرية )
المثال الثاني :
مستوحى من مقام الرئاسة
كان الرئيس في الخمسينات إنسانا عاديا يأكل ويشرب وينام مثل بقية أفراد الشعب وعلى ذمة رئيس وزراء سابق هو بشير العظمة كما روى في مذكراته (جيل الهزيمة ) ص 86 حيث قال (كان مسكن شكري القوتلي رئيس الجمهورية عند قيام الوحدة شقة مستأجرة عادية جدا في حي الجسر الأبيض وحارسه شرطي يداوم نهارا فقط )
كيف أصبح مقام الرئيس بعد استقرار الحقبة الاشتراكية ؟ أصبح الدستور السوري ينص صراحة على عقوبة من يشتم الرئيس حتى ولو كان سكرانا بالسجن , واذا وجدنا لهذه القوى بعض العذر’ كونها كانت جزءا من حركة التحرر الذي يأخذ بمقولة ( القائد الضرورة ) التي تنتظم وراءه الجماهير صفا متماسكا من اجل النضال ضد الامبريالية, فما هو عذرها حين تجاوز ذلك العقل والعلم والمنطق. كما فعل وما يزال يفعل الأستاذ صفوان قدسي الأمين العام لحزب الاتحاد الاشتراكي العربي الناصري الذي فاقت كتابته كل توقع .
له في السوق عشرة كتب بآلاف الصفحات , وكل صفحة يرد فيها اسم الأسد مئات المرات , وفي كل مرة يجب ان تكتب بحرف بارز من اجل هيبة الزعيم . تماما كما يكتب الى جانب النبي محمد ( صل الله عليه وسلم ) وجميعها سجع وانطباق ذاد فيها الانحطاط درجات على انحطاط أدب العصور العباسية . كل ذلك من اجل ان يضمن لحزبه وزيران في كل الحكومات احدهما لزوجته والثاني لأحد مريديه ,الأنكى من ذلك ان تمر الكتب العشرة وتروج في السوق ولاينطق احد من النقاد الاشتراكيين او الشيوعيين او الوطنيين ببنت شفه حول هذه الظاهرة وخطرها على المجتمع . فهل يحق لهؤلاء بعد هذا أن يتساءلوا عن صعوبة وضعنا في الشارع قياسا بأيام الخمسينات !
باختصار المطلوب :
حكومة سورية لبرالية في الاقتصاد والسياسة تفتح الطريق نحو انتقال هادئ وآمن وسلمي وتدريجي نعمل فيها مقدار استطاعتنا كمناصرين للطبقات الشعبية , نحو دولة وطنية ديمقراطية قائمة على المواطنة السورية بغض النظر عن الدين او المذهب أو الطائفة او القومية , وهو ما ينص عليه مشروع المجلس الوطني الأخير لإعلان دمشق .
ملاحظة :
نشر هذا المقال في موقع النداء تحت اسم مستعار هو – ميمون الأعصم – لقد اضطررت الى ذلك في حينه تجنبا لمضايقاتهم , وفي نفس الوقت كي أوهم زوجتي بأنني أقلعت عن الكتابة لأخفف عنها الضغط هي الأخرى , والآن وبعد اتفاق الدوحة , والدور العقلاني للقيادة السورية فيه, أجد من الضرورة بمكان إعادة نشر المقال في هذه الظروف بالذات باسمي الحقيقي .
من جهة أخرى , هذا التوضيح ضروري لكي لا اتهم بالسرقة الأدبية كما فعل ذات مرة الأستاذ عصام خوري , حيث رأى في أحدى مقالاتي ما يشبه القص واللصق !!
كامل عباس – اللاذقية








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. أمن تشاد على المحك بعد اغتيال الرئيس.. وخشيةٌ على أمن الجوار


.. ارتفاع منسوب التوتر على خط أزمة سد النهضة | #غرفة_الأخبار


.. أزمة تشكيل الحكومة في إسرائيل.. انتخابات خامسة أو انتخاب مبا




.. أسبوعان متبقيان على نهاية مهلة نتانياهو لتشكيل حكومة


.. كيف قتل الرئيس التشادي إدريس ديبي؟